القرن الإفريقي أحد المناطق التي عملت الدبلوماسية الإثيوبية فيها على تحييد حلفاء تقليديين لمصر، وتجلى هذا في رفض كل من جيبوتي والصومال قرار مجلس وزراء خارجية الجامعة العربية المساند لمصر في مارس الماضي، كما أعلن عن ذلك وزير الخارجية الإثيوبي لاحقاً.

بخلاف الفترة بين 1991 و1998 اتسمت العلاقة الإثيوبية الإريترية بالعداء المستديم على مدى عقود، في حين طبيعة العلاقة مع القاهرة أقرب إلى التحالف دوماً، وضمن تحالفات الحرب الباردة والصراع بين مصر وإثيوبيا على زعامة القارة الإفريقية؛ احتضنت القاهرة ميلاد جبهة التحرير الإريترية 1960 التي بدأت الكفاح المسلح ضد الاستعمار الإثيوبي في البلاد، وبعد حرب 1998-2000 استعادت العلاقة الإريترية-المصرية متانتها في مواجهة أديس أبابا.

ولطالما نظرت مصر إلى إريتريا كمخلب قط متقدم في خاصرة إثيوبيا، فعلى أعقاب حرب 1998-2000 عاش البلدان حالة من اللا حرب واللا سلم كانت تنذر كل فترة باندلاع صراع مسلح بينهما، كما اعتمد الطرفان على حروب الوكالة ودعم معارض كل طرف للآخر.

وفي ما يتعلق بملف سد النهضة فقد شهد عاما 2013 و2014 محاولات تخريبية استهدفت أعمال بناء السد من قبل المعارضة الإثيوبية المتمركزة في إريتريا، التي انطلقت إحداها من إريتريا إلى إثيوبيا عبر الحدود السودانية الشرقية مروراً بمنطقة الحمرة.

مثّل وصول آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء الإثيوبية انعطافة كبيرة في مسار الصراع الإثيوبي الإريتري إذ أعلن عن قبول أديس أبابا تطبيق بنود اتفاقية الجزائر الموقعة في ديسمبر/كانون الأول 2000، وقرار لجنة ترسيم الحدود بين البلدين الصادرة عام 2002، التي نصت في بنودها على عودة بعض الأراضي الإريترية التي احتلتها إثيوبيا.

في ما يتعلق بملف سد النهضة فقد شهد عاما 2013 و2014 محاولات تخريبية استهدفت أعمال بناء السد من قبل المعارضة الإثيوبية المتمركزة في إريتريا.

كما وقع آبي أحمد والرئيس الإريتري اتفاق سلام في أسمرة يونيو/حزيران 2018، تضمّن خمس نقاط رئيسية، هي: عودة العلاقات الدبلوماسية وفتح السفارات، وفتح الاتصالات بين البلدين، وفتح الأجواء الإريترية الإثيوبية، واستخدام إثيوبيا المواني الإريترية، بالإضافة إلى وقف كل أشكال التحركات العدائية بين البلدين.

حيدت هذه الاتفاقية وغيرها الموقف الإريتري في الصراع بين حليفيه المصري والإثيوبي، وأفقدت القاهرة ورقة ضغط هامة وهي التي لطالما راهنت على تفجُّر النزاع الحدودي بين البلدين من جديد، بما يعوق إثيوبيا عن استكمال مشروع السد، كذلك فإن هذه التطورات الأخيرة تلقي بكثير من الشكوك حول الأحاديث المتداولة إعلامياً عن وجود عسكري مصري يستهدف إثيوبيا انطلاقاً من إريتريا.

ولا أَدَل على ذلك من أن قاعدة برنيس العسكرية الضخمة الواقعة على البحر الأحمر جنوب شرق مصر التي تضمنت أهدافها "مواجهة التحديات الأمنية في نطاق البحر الأحمر"، بدأ العمل على إنشائها بعد توقيع اتفاق السلام الإريتري-الإثيوبي وافتتحت مطلع هذا العام.

الصومال بين الحاضر والتاريخ

يعد الصومال عدواً تاريخياً لإثيوبيا التي تحتل أجزاء من الصومال الكبير، وخاض البلدان جولات حروب عنيفة على هذه الخلفية، وفي المقابل فإن مقديشو امتنعت عن مقاطعة القاهرة على إثر اتفاقية كامب ديفيد، وسبقت ذلك بإرسال كتيبة مدفعية للمشاركة في الجبهة المصرية في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1937.

متغيرات عدة أدت إلى تطور الموقف الصومالي باتجاه جديد، منها غياب الدور المصري والعربي الفاعل في حلحلة أزمات الصومال المزمنة وأهمها الحرب الأهلية المديدة وتفكك الدولة الصومالية إلى مجموعة من الأقاليم، في مقابل انخراط إثيوبي فاعل في هذين الملفين.

فالقوات الإثيوبية أهم مكونات البعثة الإفريقية لحفظ السلام في الصومال (أميصوم) ، ومقديشو تجد نفسها بحاجة ماسة إلى تلك القوات في حربها مع حركة الشباب ولا سيما في المناطق الحدودية مع إثيوبيا.

وكذلك فقد نسجت أديس أبابا علاقات وثيقة مع إقليمي بونت لاند وأرض الصومال الانفصاليين، ممّا حولها إلى وسيط لا غنى عنه للحكومة المركزية في معالجة ملفاتها مع الإقليمين المذكورين من جهة، وفي الضغط على المركز بتطوير العلاقات الاقتصادية وتقوية اقتصاديات تلك الأقاليم من جهة أخرى.

مثّل وصول آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء في إثيوبيا في أبريل/نيسان 2018، نقطة انعطاف في العلاقات بين البلدين بانتهاجه خطاباً تصالحياً وسياسة تصفير المشاكل مع دول الجوار، التي كان أحد تجلياتها زيارته لمقديشو (يونيو/حزيران 2018)، واتفق خلالها مع الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو على تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات.

وكانت هذه نقطة انطلاق لتطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين من خلال الاستثمار المشترك في 4 مواني بحرية صومالية، فتستفيد إثيوبيا الحبيسة من الشواطئ الصومالية الممتدة، بجانب التعاون في مشاريع حيوية أخرى كبناء شبكات الطرق الرئيسية.

عمدت أديس أبابا إلى استخدام ورقة المياه من خلال الضغط على مقديشو بإنشاء مشاريع على نهر شبيلي الذي يعد وصنوه نهر جوبا النابعين من الهضبة الإثيوبية مورد الحياة الرئيسي في جنوب الصومال.

كما عمدت أديس أبابا إلى استخدام ورقة المياه من خلال الضغط على مقديشو بإنشاء مشاريع على نهر شبيلي الذي يعد وصنوه نهر جوبا النابعين من الهضبة الإثيوبية مورد الحياة الرئيسي في جنوب الصومال، الذي تعرَّض لأزمات جفاف حاد خلال السنوات الأخيرة.

وساهمت إثيوبيا في ملف الانتخابات الرئاسية الصومالية فدعمت الرئيس الصومالي عبد الله فرماجو للسيطرة على الوضع السياسي في البلاد، وتدخلت القوات الإثيوبية في مدينة بيدوة الصومالية لمواجهة مظاهرات محتجة على دور الحكومة المركزية في الانتخابات الرئاسية عام 2018.

جيبوتي ..اقتصاد وأشياء أخرى

كان من نتائج حرب 1998-2000 بين إريتريا وإثيوبيا إغلاق ميناءَي عصب ومصوع الإريتريين في وجه إثيوبيا الحبيسة التي كانت تعتمد عليهما وتتمتع بمميزات تفضيلية وفق اتفاقات سابقة بين البلدين.

شكّل ميناء جيبوتي المجاورة منفذاً رئيسياً للسوق الإثيوبي الضخم، وتحول إلى معبر لـ95% من الوارد والصادر الإثيوبي.

ولهذا حافظت إثيوبيا وجيبوتي على علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية وثيقة بدافع المصلحة المتبادلة، وقُدرت الأرباح الجيبوتية من استخدام إثيوبيا لموانيها بما يزيد على مليار دولار سنوياً، ومثلت مصدراً رئيسياً لخزانة حكومة جيبوتي.

وبجانب التعاون في مجال الطاقة الكهربائية فقد رُبط البلدان بمشاريع بنية تحتية كخط السكة الحديد الرابط بين البلدين البالغ طوله 756 كيلومتراً، ويعمل بالكهرباء ويربط أديس أبابا بميناء دوراليه في جيبوتي، ومن شأنه أن يؤدي دوراً حيوياً لاختصار مدة الرحلة، والإسهام كذلك في مواصلة النمو الاقتصادي السريع بإثيوبيا.

كما أعلن في 2014 عن بدء تأسيس لجنة ستعمل على متابعة الخطط الساعية لتحقيق الاندماج الاقتصادي بين البلدين وتنفيذها.

وعلى عكس الصومال وإريتريا كانت لسياسة آبي أحمد التصالحية آثار سلبية على جيبوتي، فبدأ العمل على إعداد المواني الإريترية لخدمة السوق الإثيوبية، كما أن أديس أبابا استحوذت على نسبة 19% من ميناء بربرة الصومالي في إطار سياستها لتنويع المواني التي تعتمد عليها.

أُعلن العام الماضي عن توقيع اتفاقية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لمد خط أنابيب لتصدير الغاز الطبيعي بتكلفة أربعة مليارات دولار.

وعلى الرغم من هذا فقد أُعلن العام الماضي عن توقيع اتفاقية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لمد خط أنابيب لتصدير الغاز الطبيعي بتكلفة أربعة مليارات دولار، كما تعد جيبوتي أحد المواقع المرجحة للقاعدة العسكرية البحرية التي تنوي إثيوبيا بناءها بتعاون فرنسي وإحياء سلاح البحرية الإثيوبي من خلالها.

كما تمد إثيوبيا جيبوتي بالمياه من خلال مشروع دُشن عام 2017، ويهدف إلى توصيل المياه العذبة من مدينة "هدجالا" الإثيوبية إلى إقليم "علي صبيح" الجيبوتي، من خلال ضخ ما يقدَّر بنحو 100 ألف متر مكعب من المياه يومياً، حسبما أشار مدير المشروع ديميلاش مولو.

تحالف إقليمي

يدخل في إطار إنشاء حزام قرن إفريقي حليف حول إثيوبيا تشكيل تحالف ثلاثي بين الأخيرة وإريتريا والصومال، واستُبعدت جيبوتي نتيجة خلافها مع إريتريا، ويعمل هذا التحالف على التعاون المشترك في العديد من الملفات.

كما أن إثيوبيا تسوق للسد الجديد باعتباره رافعة إقليمية في مجال الطاقة الكهربائية، إذ يستهدف السد توليد طاقة كهربائية تبلغ 36 ألف ميغاواط، وهو ما سيغطي السوق المحلي ويصدَّر إلى الدول المجاورة وقد وقعت إثيوبيا اتفاقات مع بعض جاراتها في هذا الإطار، وهو ما يعني بتعبير آخر أن إثيوبيا ستمتلك صنبور الطاقة الكهربائية الحاسمة في تسريع التنمية، ومن ثم فمن مصلحة الدول المجاورة الحفاظ على علاقات ودية مع أديس أبابا.

نجحت ديناميكية السياسة الخارجية الإثيوبية في استخدام أدوات متعددة عسكرية واقتصادية وتنموية وسياسية في بناء تحالفات إقليمية داعمة، في مقابل غياب شبه كلي لاستراتيجية مصرية قادرة على الحفاظ على تحالفاتها التقليدية فضلاً عن توسيعها.

المصدر: TRT عربي