أثارت زيارة راشد الغنوشي إلى تركيا جدلاً واسعاً لم يخل من نفَس أيديولوجي بين الأوساط السياسية والحزبية في تونس وصلت حدود طلب سحب الثقة من رئيس البرلمان.

أردوغان والغنوشي
أردوغان والغنوشي (AA)

تونس ـــ في سابقة ديمقراطية لم يعرفها البرلمان التونسي منذ تأسيسه، جلس رئيس البرلمان راشد الغنوشي على كرسيه، ليجيب خلال جلسة عامة على أسئلة بعض النواب حول فحوى زيارته الأخيرة إلى تركيا والتي التقى خلالها بالرئيس رجب طيب أردوغان.

وأثارت الزيارة التي أعلنت عنها وكالة الأناضول، جدلاً واسعاً لم يخل من نفس أيديولوجي بين الأوساط السياسية والحزبية وصلت حدود طلب سحب الثقة من رئيس البرلمان، من قِبل أحد الأحزاب المنتمية للمنظومة السابقة، خصوصاً وأنها جاءت بعد يوم من سقوط حكومة الحبيب الجملي المقترحة من قبل حركة النهضة إثر فشلها في نيل ثقة النواب.

مشهد ديمقراطي

الغنوشي أثنى في مستهل إجابته على أسئلة النواب خلال جلسة عامة، على المناخ الديمقراطي بعد الثورة، بالقول إن المجلس مارس حقاً من حقوقه في مساءلة رئيسه،مشيراً إلى أن لقاءه بالرئيس التركي كان مبرمجاً منذ مدة وبأنه ذهب بصفته رئيساً لحركة النهضة لممارسة الدبلوماسية الشعبية التي تميز بها طوال مسيرته السياسية بالنظر لعلاقاته المتميزة مع قادة ورؤساء الدول ولما فيه مصلحة لتونس.

تحدث الغنوشي عن عمق العلاقات التاريخية بين تونس وتركيا، مستحضراً دور القائد العسكري العثماني سنان باشا في تحرير تونس من الاستعمار الإسباني
تحدث الغنوشي عن عمق العلاقات التاريخية بين تونس وتركيا، مستحضراً دور القائد العسكري العثماني سنان باشا في تحرير تونس من الاستعمار الإسباني (AP)

وتحدث الرجل بإسهاب عن عمق العلاقات التاريخية بين تونس وتركيا، مستحضراً دور القائد العسكري العثماني سنان باشا في تحرير تونس من الاستعمار الإسباني، وعن الدور الذي لعبته تركيا في دعم الثورة التونسية، مشيداً بعمق الصداقة التي تجمع بين الدولتين حتى في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ونظيره التركي كمال أتاتورك.

خلفية أيديولوجية

رئيس البرلمان ألمح لمحاولات البعض الزج بالعلاقات التونسية التركية في خندق الأيديولوجيا، وخلق معارك سياسية واهية، داعياً الأحزاب والكتل النيابية إلى التحرر من العقد الأيديولوجية.

ويرى كثير من السياسيين أن وصول رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي إلى البرلمان وهي والمنتمية لمنظومة الرئيس المخلوع بن علي، يعد نكسة للثورة التونسية، ومن مساوئ الديمقراطية التي يجب القبول بنتائج انتخاباتها، وهي التي لا تفوت في كل جلسة عامة داخل البرلمان إحداث الشغب ومهاجمة الأحزاب المحسوبة على قوى الثورة، لعل آخرها التهجم على رئيس البرلمان ورفض قراءة الفاتحة على شهداء الثورة ما أثار موجة غضب عارمة ضدها وصل حد دعوات لطردها من البرلمان وهي التي تكفر بالثورة وشهدائها.

أبواق مدفوعة الأجر

وفي هذا الصدد، يرى النائب عن ائتلاف الكرامة عبد اللطيف العلوي في حديثه لـTRT عربي أن مساءلة البرلمان لرئيسه حول لقاءاته الخارجية، وإن كان في ظاهره مظهراً من مظاهر الديمقراطية، غير أن الجهة التي دفعت له والمتمثلة في الحزب الدستوري الحر سليلة النظام البائد، كان هدفها التهجم على حركة النهضة في شخص رئيسها وترزيل المشهد البرلماني بعد الثورة.

لرئيس التركي كانت له سابقاً زيارة إلى تونس خلال فترة حكم الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي ولم تكن ردة الفعل بنفس الحدة
لرئيس التركي كانت له سابقاً زيارة إلى تونس خلال فترة حكم الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي ولم تكن ردة الفعل بنفس الحدة (AP)

العلوي لم يستبعد أن تكون رئيسة الحزب الدستوري عبير موسي والتي طالبت بسحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي، مدفوعة بأجندات وقوى خارجية تُعرف بعدائها لأي تنظيم أو حزب ذي مرجعية دينية وبحقدها على الثورات العربية وفي مقدمتها الإمارات والسعودية، مشيراً إلى أن الغنوشي لم يخطئ بزيارته إلى تركيا، وبأنه يمارس الدبلوماسية السياسية والاقتصادية بذكاء، في وقت عجز مسؤولون سياسيون في تونس عن فعل ذلك.

سبق للغنوشي أن أكد في بيان نشره عبر صفحته الرسمية على فيسبوك أن لقاءه مع الرئيس التركي تمحور حول التطورات الجديدة في المنطقة والتحديات التي تواجهها، لافتاً إلى أنه هنّأ الرئيس التركي بالسيارة التركية الجديدة والتي تعتبر نموذجاً يُحتذى للصناعات الوطنية.

وكالة الأنباء التركية كانت قد كشفت عن "لقاء مغلق" جمع بين الرئيس التركي رجب طيب أروغان ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي جرى في المكتب الرئاسي بقصر "دولمه بهتشه".

ويرى كثيرون أن الهجمة الشرسة وغير المسبوقة التي تقودها بعض الأحزاب السياسية، ضد رئيس حركة النهضة بسبب لقائه مع أردوغان وبالتزامن مع دخول تركيا كقوة عسكرية ودبلوماسية وازنة في الملف الليبي، بمواجهة مليشيات حفتر والدول التي تدعمه، مدفوع بخلفية أيديولوجية، خاصة وأن الرئيس التركي كانت له سابقاً زيارة إلى تونس خلال فترة حكم الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، ولم تكن حينها ردة الفعل بنفس تلك الحدة.

الباحث السياسي سامي براهم، ذهب للقول بأن مساءلة البرلمان لرئيسه تُعد ممارسة ديمقراطية متقدمة في سياق تاريخ هذه المؤسسة التشريعية التي لم تكن تجرؤ يوماً على القيام بذلك في عهد الاستبداد، لافتاً في حديثه مع TRT عربي إلى أن الجلسة العلنية للبرلمان كشفت عن قصور فادح لبعض نواب البرلمان في فهم طبيعة العلاقات الدبلوماسية بين الدول والتي تحكمها المصالح المشتركة.

واستغرب براهم من محاولة بعض النواب إنكار حقائق تاريخية جاءت على لسان رئيس البرلمان راشد الغنوشي حول دور الجيش العثماني في تحرير تونس من الاستعمار الاسباني، وإسقاط مواقف سياسية واصطفافات أيديولوجية عمياء بهدف تسجيل نقاط ضد الخصوم وتعطيل أعمال البرلمان.

وخلص الباحث إلى القول بأن وجود وجوه من فلول النظام السابق في البرلمان التونسي رغم عدم اعترافهم بالثورة وبشهدائها، هو ظاهرة صحية، ليكتشف الشعب التونسي قبح المنظومة السابقة ونفاقها، والتجاءها إلى العنف المعنوي والتحريض ضد خصومها السياسيين من خلال اختلاق المعارك الواهية.

المصدر: TRT عربي