من الجريمة الإرهابية بنيوزيلندا التي راح ضحيتها 51 مسلماً، إلى الجريمة الأخيرة في مدينة هاناو بألمانيا التي خلفت 9 قتلى، يستمرّ خطاب الكراهية في تعبيد الطريق أمام "الإرهاب الأبيض" لاستهداف المسلمين والمهاجرين بالدول الغربية.

عند وقوع هجمات إرهابية ضد المسلمين بالدول الغربية، أو ضد المهاجرين بشكل عامّ، يكون متورطاً فيها مواطن "أبيض"، تُطرح باستمرار أسئلة محددة، غالباً تظلّ معلقة في الهواء، تستنكر عدم تصدر هذه الهجمات الإرهابية واجهة شاشات القنوات الإعلامية العالمية، على عكس الحال مثلاً مع الهجمات المرتكبة من طرف "غير الغربي (مسلم/مهاجر)" التي يحظى ضحاياها بتعاطف واسع النطاق يستمر أحياناً لأيام عديدة بسبب التغطية الإعلامية المكثفة.

هذه الأسئلة الاستنكارية المتكررة، التي تطفو على السطح بالدرجة الأولى بالعالم العربي والإسلامي، تشير بشكل صامت إلى مسألة شديدة الأهمية متعلقة بالسردية التي "يفهم" الناس من داخلها هذه الهجمات الإرهابية، ففي الوقت الذي يترسخ فيه الانطباع أن الإرهابي "غير غربي" منكر لجميل الدولة التي يعيش فيها، وغالباً يكون من أبنائها، فإن الإرهابي "الغربي" يقدَّم عادة باعتباره ضحية لأنه "مختل عقلياً"، "مضطرب نفسياً"، أو "كاره للأجانب"، حسب وسائل الإعلام.

في حالة المهاجم الأول تكون الهجمة مندرجة ضمن أحداث "الإرهاب الإسلامي"، وفق رواية خطاب الدول الغربية، وهو ما يجعلها تظهر كأنها معزولة تماماً عن سياقها الحقيقي، الغربي، أما في حالة الإرهابي "الأبيض" فتنحشر الهجمة الإرهابية، حسب المتتبعين، داخل سياق خطاب الكراهية المتراكم ضدّ المسلمين والمهاجرين، الأمر الذي يعطي الانطباع كما لو أنها رد فعل على سلوكاتهم "غير المحبذة".

يعتقد كثيرون أن تزايد الهجمات الإرهابية ضد المسلمين والمهاجرين بشكل عامّ خلال السنوات الأخيرة مرتبط أساساً بصعود أسهم أحزاب اليمين المتطرف واليمين الشعبوي في مجموعة من الدول الغربية.

فكيف إذًا يؤدي خطاب الكراهية إلى "الإرهاب الأبيض" ضد المسلمين بالدول الغربية؟ وكيف يشتغل خطاب الكراهية؟ وكيف يتورط اليمين المتطرف الغربي في التحريض على المسلمين والمهاجرين؟ وكيف تفرش وسائل الإعلام الطريق لارتكاب هذه الجرائم؟

اليمين المتطرف يدخل على الخط

يعتقد كثيرون أن تزايد الهجمات الإرهابية ضد المسلمين والمهاجرين بشكل عامّ، خلال السنوات الأخيرة، مرتبط أساساً بصعود أسهم أحزاب اليمين المتطرف واليمين الشعبوي في مجموعة من الدول الغربية، خصوصاً بأوروبا، لكن الحقيقة أن هذه الهجمات هي في الواقع نتيجة لسنوات سابقة من الضخّ الإعلامي القائم على الكراهية والشيطنة.

مجموعة من الفاعلين، بعديد من البلدان الغربية، يشيرون إلى أهمية الأخذ بعين الاعتبار المعطى الكرونولجي عند تفسير تنامي موجة العنف والإرهاب ضد المسلمين، مؤكدين أن نجاح اليمين المتطرف يفسَّر بأنه التيار السياسي الذي نجح في حصد نتائج الشيطنة والكراهية السابقة، مضافاً إليها خصوصاً متغيرات أخرى على غرار أزمة اللاجئين.

الصحفي المغربي المقيم بألمانيا إسماعيل عزام، خلال حديثه لـTRT عربي، انتبه إلى أهمية النظر إلى التحقيب الزمني عند محاولة تفسير ارتفاع الهجمات الإرهابية ضد المسلمين والمهاجرين، مشيراً إلى أن حزب البديل من أجل ألمانيا، على سبيل المثال، لم يتمكن من تحقيق نجاحاته الكبيرة في السنوات الماضية إلا بعد قدوم مئات آلاف المهاجرين العرب منذ سنة 2015، واعتماده على خوف فئات كبيرة من الألمان من ضياع الهوية الألمانية.

وأكّد عزام أن تفشي خطاب الكراهية في الغرب ضد المهاجرين، بخاصة المسلمون منهم، يعود إلى أسباب متعددة، معتبراً أن أهمها يكمن في التجييش الذي يفعله اليمين الشعبوي (المرخص له قانوناً)، أو اليمين المتطرف (الممنوع من العمل السياسي)، على حد ذكره.

الواقع أن وسائل الإعلام الغربية منذ أحداث 11 سبتمبر الإرهابية وفق مجموعة من الدراسات عملت على "تأطير" المسلمين كافة في صورة محددة مخالفة للواقع مرتبطة بالإرهاب.

وتابع المتحدث بأن التجييش الذي شهدته ألمانيا من طرف اليمين المتطرف كان مؤكَّداً أنه سيؤدي إلى أعمال إرهابية، "إذ ليست كل فئات المجتمع قادرة على التعبير عن اختلافاتها مع قضايا المهاجرين بشكل قانوني"، إضافة إلى أنه "مهما تكن درجة الوعي في المجتمعات الغربية فالأكيد أن أفراداً متطرفين مقتنعون بالقتل حلّاً لتحدي الهجرة"، مشدداً على أن "هذا ما رأيناه في أكثر من بلد غربي".

مختبر صناعة "العدو"

هيئات اليمين المتطرف بالدول الغربية، أو اليمين الشعبوي، لا تتحمل مسؤولية السبق في تصاعد موجات استهداف المسلمين والمهاجرين عامة، كما سبقت الإشارة، عكس وسائل الإعلام الغربية التي كانت هي السباقة إلى حرمان هذه الأقليات الاجتماعية من الحماية الرمزية، حسب عدة دراسات، وذلك بعدما تورطت في ترويج خطاب الكراهية ضدها منذ أحداث 11 سبتمبر الإرهابية.

كيف تمّت هذه العملية؟

حسب دليل صدر العام الفائت عن المعهد الجزيرة للإعلام، تحت عنوان "تجنب التمييز وخطاب الكراهية في الإعلام"، فإن "بعض وسائل الإعلام يتخذ موقفاً متحيزاً خلال تغطياتها، مما يضعها، غالباً، أمام معضلة مهنية وأخلاقية، لا سيما إذا كان هذا التحيز يسعى لتأطير جماعة أو أفراد في إطار سلبي، يضرّ بصورتهم أمام المجتمع".

الواقع أن وسائل الإعلام الغربية، منذ أحداث 11 سبتمبر الإرهابية، وفق مجموعة من الدراسات، عملت على "تأطير" المسلمين كافة في صورة محددة مخالفة للواقع مرتبطة بالإرهاب، انتهت إلى صناعة "عدو" متخيل، على نحو صار معه اليوم المسلمون المهاجرون بالدول الغربية داخل قفص الاتهام وعرضة لهجمات المتطرفين الغربيين.

ويشير إسماعيل عزام إلى أن الأخبار الكاذبة ساهمت أيضاً في تأجيج خطاب الكراهية لنشرها معلومات مضللة تتهم المهاجرين بارتكاب جرائم تبين من خلال التثبث منها أنها خاطئة، مُورِداً أن بعض وسائل الإعلام الغربية من خلال تركيزه على جنسيات المهاجرين عندما يتعلق الأمر بجرائم الحقّ العامّ يزيد الكراهية في حقّ المسلمين والمهاجرين.

ويضيف: "الحال أن الجرائم التي تورط فيها لاجئون ومهاجرون تبقى أقل بكثير من نسبة الجرائم العامة في ألمانيا، لكنْ كثيراً ما يركز اليمين المتطرف على جرائم المهاجرين ويضخمها بشكل كبير معتمداً في ذلك على وسائل الإعلام".

"الإرهاب الأبيض"

على أن دور وسائل الإعلام الغربية في ترويج خطاب الكراهية ضد المسلمين، وعملها على صناعة "عدو" متخيَّل يتطلب الانتصار عليه، بالإضافة إلى دخول اليمين المتطرف على خط خطاب الكراهية، وتحقيقه مكاسب سياسية عبر التجييش والاستهداف، كلها عوامل ساهمت في تأجيج "الإرهاب الأبيض".

خطاب الكراهية الحالي في الدول الغربية الذي انتقل إلى عمليات إرهابية ضد المسلمين قائم على نظرية التفوق على الآخر، وعلى القومية الشوفينية الضيقة.

حسين مجدوبي، كاتب وصحافي مقيم بإسبانيا

الحقيقة أنه سواء في حالة المجرم الأسترالي برينتون تارانت، الذي استهدف مسجداً في نيوزيلندا مخلّفاً 51 قتيلاً السنة الماضية، أو في حالة المجرم الألماني الذي هاجم قبل أيام مقهى بضواحي فرانكفورت متسبباً في مقتل 9 أشخاص مسلمين، فإن ما يؤكّد ضرورة الانتباه لخطورة "الإرهاب الأبيض"، هو أنهما معاً خلّفا قبل ارتكاب جريمتهما بيانات تشرح دوافعهما الإجرامية، معتبرين أنها نابعة من آيديولوجيا الرجل الأبيض.

ويؤكّد الكاتب والصحفي حسين مجدوبي المقيم بإسبانيا، في تصريح لـTRT عربي، أن خطاب الكراهية الحالي في الدول الغربية، الذي انتقل إلى عمليات إرهابية ضد المسلمين، قائم على نظرية التفوق على الآخر، وعلى القومية الشوفينية الضيقة، معتبراً أنه خلال قرون عديدة هيمنت أفكار بالدول الغربية حول التفوق الغربي والرجل الأبيض كان الاستعمار من مظاهرها البارزة.

وشدّد مجدوبي على أنه في الوقت الذي أيقظت فيه الهجرة القادمة من الدول العربية والإسلامية وسط المجتمعات الغربية ذلك الشعور القومي المتطرف، فإن التحول اليوم حصل أيضاً على مستوى خطابات الحركة القومية المتطرفة التي أضحت تتحدث من منطلق الدفاع عن الغرب ككتلة، مورداً أنه يكفي الاطلاع على برنامج الجبهة الوطنية بفرنسا، أو حزب "فوكس" الإسباني الذي يعتبر نفسه استمراراً لإيزابيلا الكاثوليكية، على حد تعبيره.

ويختم مجدوبي بقوله: "الأخطر في الأمر أن هذا لا يخص ما نصطلح عليه بـ"اليمين المتطرف"، بل شريحة واسعة من المجتمع، لهذا أصبح حركة قومية مسيحية متطرفة لا تقف عند التنديد بما يفترض استحواذ المهاجر على مناصب الشغل، بل على تهديد هذا المهاجر للمنظومة الثقافية والدينية التي تعتمدها الدول الغربية، وهذا هو الأخطر".

المصدر: TRT عربي