دلالات عدة حملتها القمة التي جمعت مؤخراً الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، على هامش افتتاح خط الغاز المعروف باسم "خط السيل التركي"، وذلك في ولاية إسطنبول التركية.

قبل انطلاق تلك القمة بأيام معدودة كانت أنظار المحللين السياسيين متوجهة صوبها لكونها تتزامن مع قضايا متسارعة في المنطقة سواء في العراق وليبيا، وليس آخرها في منطقة إدلب السورية، حتى إن بعضهم ذهب إلى وصفها بأنها قمة في غاية الأهمية.

ورغم أن قمة الزعيمين كان عنوانها العريض هو شأن اقتصادي يعزّز الشراكة بين تركيا وروسيا على هذا الصعيد، فإن كواليس القمة كان محورها الرئيسي التطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط.

وفي قراءة تحليلية لتلك الزيارة، يرى الباحث السياسي عبد الرحمن السراج في حديث لـTRT عربي، أنه "ما من شك في أن أهم محطات زيارة بوتين لتركيا كانت الافتتاح المشترك لمشروع السيل التركي، الذي يمثل المحور الرئيسي والأكثر استدامة للشراكة بين البلدين، بخاصة مع توقُّع حدوث تغيرات كبيرة في نظم توزيع الطاقة في العالم سيصاحبها تغير في موازين القوى الدولية".

بيان مشترك حول ملفّات الشرق الأوسط

وتمخضت القمة بين الطرفين عن بيان مشترك ركز على الملفات التي تطفو على السطح في منطقة الشرق الأوسط، والمقصود هنا "ليبيا والعراق وسوريا"، في حين أن أبرز ما لفت الانتباه هو المساعي لأن يكون هناك تهدئة ووقف لإطلاق النار في ليبيا، الأمر الذي رأى فيه محللون أنه قد يكون خطوة ونقلة نوعية كسبتها تركيا لصالحها خلال تلك القمة.

الدعوة إلى وقف إطلاق نار مستدام في ليبيا منذ منتصف ليل الأحد 12 يناير كانون الثاني الجاري كانت هي المخرج الأبرز للزيارة الذي يوحي بأن الخلاف بين البلدين بشأن ليبيا ليس كبيراً.

عبد الرحمن السراج، باحث سياسي

وفي هذا الجانب اعتبر السراج أن "الدعوة إلى وقف إطلاق نار مستدام في ليبيا منذ منتصف ليل الأحد 12 يناير كانون الثاني الجاري، كانت هي المخرج الأبرز للزيارة، الذي يوحي بأن الخلاف بين البلدين بشأن ليبيا ليس كبيراً، لكنه ربما يذكرنا باتفاق خفض التصعيد في شمال سوريا الذي لم تحترمه روسيا ولا النظام السوري".

وفي وقت اعتبر فيه مراقبون أن البيان المشترك الذي صدر عقب تلك القمة يوحي بأن خلافات بين تركيا وروسيا بخصوص ليبيا، كانت أقلّ تعقيداً من مسألة إدلب التي تشهد حملة عسكرية من الطرف الضامن لوقف إطلاق النار فيها، وهو روسيا، إلا أن آخرين قللوا من أن تلتزم روسيا أي اتفاق وأن ما يهمها هو مصالحها فوق كل اعتبار.

ويرى السراج أيضا أن "الدعوة التركية-الروسية لتجنُّب دورة جديدة من عدم الاستقرار، وأن لا يتحول العراق وسوريا ولبنان ومنطقة الخليج، التي تشهد حركة أكثر من 30% من شحنات الطاقة في العالم، إلى ساحات قتال لحروب الوصاية، تؤكّد نظريّاً التزام الطرفين التهدئة، ولكن ليس من الواضح كيف سيُترجَم ذلك عمليّاً".

سوريا وليبيا من أهمّ الملفات

وسبق الزيارة التي أجراها بوتين إلى تركيا، زيارة مفاجئة كان مسرحها العاصمة السورية دمشق واجتماعه برئيس النظام السوري بشار الأسد، وتم خلالها التباحث في شأن ملفات عدة ومنها ملف منطقة إدلب الذي حمله معه بوتين إلى طاولة أردوغان، الأمر الذي رأى فيه محللون أن بين تلك الزيارة المفاجئة لسوريا وما سيكون من تطورات في تركيا ارتباطاً وثيقاً.

سبق الزيارة التي أجراها بوتين إلى تركيا زيارة مفاجئة كان مسرحها العاصمة السورية دمشق واجتماعه برئيس النظام السوري بشار الأسد وتم خلالها التباحث في شأن ملفات عدة ومنها ملف منطقة إدلب.

يقول الباحث والمحلل السياسي محمد سالم لـTRT عربي، إن "زيارة بوتين لدمشق تحمل بمضمونها دعوة روسية مستمرة لتركيا لإعادة العلاقات مع النظام السوري واتفاقية أضنة ( بين تركيا والنظام السوري 1998)، الأمر الذي ردت عليه أنقرة بتكرار ذات موقفها السابق من خلال تصريحات الرئاسة التركية حول عدم شرعية نظام بشار الأسد".

فيما يبدو الملف الليبي، حسب سالم، متجهاً إلى إرساء تفاهمات عمومية أولية بين الطرفين مشابهة لما حدث في الملف السوري، مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف موازين القوى العسكرية والشرعية للأطراف المحلية في ليبيا، وبالتالي يتوقع أن تمضي العلاقات التركية-الروسية بذات المحركات والديناميكيات، من خلال إرساء توافقات عامة استراتيجية نابعة من حاجة كلا الطرفين إلى الآخر دوليّاً.

ورغم أن تلك القمة ليست الأولى من نوعها بين أردوغان وبوتين، إذ اجتمع الجانبان في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2019، في قمة كان مسرحها مدينة سوتشي الروسية، وكان العنوان العريض لتلك القمة هو الملف السوري، بخاصة منطقة شرقي الفرات وانسحاب تنظيم PKK/PYD الإرهابي من المنطقة، لكن مراقبين وصفوا القمة الأخيرة في إسطنبول بأنها عُقدت للبحث عن حلول لقضايا المنطقة، لكون كل طرف يرى في الآخر أنه معنيّ بشدةٍ بالتوصل إلى نقاط تفاهم مشتركة.

وفي هذه النقطة أشار سالم إلى أن "روسيا تجد في تركيا والعلاقات معها فرصة حقيقية لإزاحة التموضع التركي التاريخي ضمن حلف شمال الأطلسي المعادي لها، وسوقاً جديدة لأسلحتها لدى دولة اعتمدت الأسلحة الغربية تاريخيّاً، فيما تجد تركيا نفسها في حاجة للتفاهم مع روسيا التي تفرض نفسها اقليمياً بدور متنامٍ وسط تراجع التدخلات الأمريكية، وكبديل يعوض قصور العلاقات مع الولايات المتحدة نتيجة سياساتها السابقة في ما يتعلق بدعمها وحدات الحماية الكردية، أو دعمها غير المباشر لمحاولة الانقلاب، إضافة إلى المصالح الاقتصادية الكبيرة بين الطرفين الروسي والتركي".

وعقب كل لقاء تركي-روسي على صعيد الرؤساء أو على صعيد الدبلوماسية رفيعة المستوى، يترقب سكان منطقة إدلب البالغ عددهم نحو 4 ملايين مدني، أن تثمر المساعي التي تبذلها تركيا التوصل لوقف لإطلاق النار ينهي معاناة النزوح والظروف الإنسانية السيئة التي يمرون بها.

تركيا تسعى للعودة إلى الخارطة العسكرية لما قبل اجتياح ريف حماة وريف إدلب الجنوبي الشرقي وروسيا ترى ضرورة إبعاد من تصفهم بالمتشددين.

محمد سالم، محلل سياسي

ورغم أهمية ملف إدلب الذي هو الأبرز في المباحثات بين تركيا وروسيا يضاف إلى ذلك ضرورة إنهاء حالة الصراع في الشمال السوري، إلا أن الكاتب والمحلل السياسي مصطفى النعيمي، أعرب عن عدم اعتقاده بأن يأتي الاجتماع بين تركيا وروسيا بأي جديد في ما يخص منطقة إدلب.

وفي هذا السياق يقول لـTRT عربي: "أعتقد أن الاجتماع لن يُفضِي إلى جديد إلا بترحيل الأزمة ومحاولة ضبط التصعيد في المنطقة، فتركيا تسعى للعودة إلى الخارطة العسكرية لما قبل اجتياح ريف حماة وريف إدلب الجنوبي الشرقي، وروسيا ترى ضرورة إبعاد من تصفهم بالمتشددين، لكن في ذات السياق مازالت روسيا تتستر على دور المليشيات الرديفة لقوات النظام، وترى تركيا بضرورة حل هذه المعضلة".

وضمن هذا المشهد، ومن وجهة نظر النعيمي، فإنه لا يمكن أن يكون حل باتفاق ثنائي، بل يتطلب ذلك حلّاً دوليّاً، ولا بد من إعادة تفعيل الدور الغائب للجانب العربي بما يتناسب مع رؤية وتطلعات الشعب السوري الحر.

ووسط كل ذلك يبقى السؤال الأبرز: ما الذي سيتبع تلك القمة؟ وهل سترسم تلك القمة ملامح المراحل المقبلة في ليبيا وسوريا وغيرها من الملفات؟ وهل بالفعل حقّقت تركيا الاختراق اللازم الذي تريده في هذه الملفات وتجبر روسيا على ممارسة دور الشريك ذي المصداقية في حلحلة القضايا العالقة، في الوقت الذي تتزعزع فيه مصداقية حلفاء آخرين؟ أسئلة تبقى برسم القادم من الأيام.

المصدر: TRT عربي