في وقت تعيشُ فيه البلاد مخاضاً يجمع بين الآلام القديمة والآمال الجديدة لبناء جزائر جديدة، طفا على سطح المشهد السياسي في البلاد، مُقترح "جديد قديم".
مُقترح يقضي بإقامة صُلح بين الإطارات ورجال الأعمال والوزراء المُتورطين بجرائم مالية وبين الدولة الجزائرية مُقابل استرداد الأموال المنهوبة من الخزينة العُمومية والتي تتجاوز حسب تحقيقات أمنية أجريت عشرات المليارات من الدولارات في ظل غياب أرقام رسمية.

قدم المُقترح رئيس حزب جبهة المُستقبل (حزب جزائري حديث النشأة)، عبد العزيز بلعيد (مُنافس الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في رئاسيات 2019)، وحسب التفاصيل التي قدمها في مُؤتمر صحفي عقده عقب اللقاء الذي جمعه برئيس البلاد بعد عودته من رحلته العلاجية الثانية إلى ألمانيا، فإن قطاعاً عريضاً من ولاة الجمهورية (مُحافظي الولايات) ورؤساء بلديات وإطارات عملوا في مُختلف الإدارات والمُؤسسات الحُكومية، مورست عليهم ضغوطات للانخراط في الفساد وكان هذا تحت ضغوطات النظام السابق.

وقال عبد العزيز بلعيد، إنهم نفذوا أوامر غير قانونية صادرة من جهات عليا ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف داخل السجون مدانين بتهم ثقيلة وعُقوبات قاسية.

واستحضر أصغر منافس للرئيس الجزائري في الانتخابات الرئاسية التي نُظمت في 12 ديسمبر/ كانون الأول 2019، "المسؤولين الذين كانوا يتلقون أوامر فوقية بمنح صفقات وقطع أراض وحتى منح عقارات لصالح أشخاص أو رجال أعمال"، وقال إن "طبيعة النظام السابق كانت تُسيّر وفق هذا المنهج حيث تُعتبر الرشوة أمراً طبيعياً".

وانطلاقاً من هذه المعطيات يرى رئيس حزب جبهة المستقبل أنه يجبُ التفكير في إمكانية إبرام مُصالحة مالية مع الموجودين خلف أسوار السجن تحت الضغط والإكراه، واختتم حديثه بالقول: "إننا كُنا جميعاً ضحايا لهذا النظام الفاسد".

ورغم أن استرداد أموال الشعب المنهوبة تصدر أولويات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في برنامجه الانتخابي، غير أن السلطة السياسية في البلاد لم تُحصل فلساً واحداً من عشرات المليارات من الدولارات التي استنزفت طيلة العقدين الماضيين من الزمن.

تعقيدات قانونية وعقبات

يُجمع قانونيون على صُعوبة استرجاع ما جرى نهبه خلال العشرين سنة الماضية، بحُكم وجود قطاع عريض من الأموال في الملاذات الضريبية أو ما يُعرف بـ "جنات التهرب الضريبي"، وأجمعوا على أن استردادها حُلم من الصعب أن يتحول إلى واقع.

حتى أن الخُطوات التي قضتها الجزائر في هذا السياق محسوبة بدقة ولا تتجاوز أصابع اليد الواحدة وأقرت بصعوبة المهمة، إذ قال مستشار سابق للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إن العملية تخضعُ لإجراءات دولية ليست بالهينة خاصة في ظل غياب أرقام وإحصائيات رسمية عن الأموال التي نهبت طيلة العقدين الماضيين من الزمن.

وجرى الإعلان عن خطوة واحدة، إذ بعثت وزارة العدل الجزائرية بإنابة قضائية لنظيرتها الفرنسية، من أجل إسدال الستار عن ممتلكات عشرات المسؤولين المُقربين من الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة حسب ما كشفته جريدة "لوبوان" الفرنسية.

وتمكنت الجزائر من خلال هذه الخطوة من تجريد شخصيات مُقربة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، من بينها زوجته السابقة من الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها، إذ نقلت مجلة "جون أفريك" عن مصادر موثوقة أن السفير الجزائري عنتر داود وبعد وقت قصير من وصوله إلى فرنسا، في أكتوبر/تشرين الأول 2020، أنهى الامتيازات التي كانت تتمتع بها بعض الشخصيات البارزة في النظام السابق، بمن في ذلك زوجة بوتفليقة آمال تريكي.

وبحسب التفاصيل التي نقلتها المجلة فإن الزوجة السابقة لعبد العزيز بوتفليقة آمال تريكي لم تعد ضمن الطاقم الدبلوماسي المُعتمد لدى سفارة الجزائر في فرنسا حيث انتهت مهامها رسمياً، إلا أنها فضّلت عدم مغادرة باريس التي استقرّت بها عام 2001.

وشغلت هذه الأخيرة منصباً بوزارة الخارجية والسفارة الجزائرية بباريس في الفترة بين 2001 و2019 براتب شهري يفوق 5400 يورو شهرياً، ومن بين الامتيازات الأخرى التي حصلت عليها تريكي، تعويض بنسبة 60% من مبلغ إيجارها في السفارة وامتيازات أخرى ولوحة ترقيم دبلوماسية لسياراتها.

ولذلك يُجمعُ خبراء في القانون على أن "المسافة لا تزال طويلة للغاية"، إذ يُؤكدُ المُحامي والناشط الحُقوقي بوجمعة غشير، في تصريح لـTRT عربي أن استرجاع أموال وممتلكات رجال أعمال ووزراء سابقين وتخطي المرحلة الإدارية حالياً، لن يكون بالأمر "الهين" لعدة أسباب يتعلقُ الأول بعدم وُجود اتفاقات ثنائية مع الجزائر في مجال تسليم المطلوبين واسترجاع الأموال المُهربة، كما أن هناك شخصيات بارزة بنظام الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة في حالة فرار من العدالة، من بينهم عبد السلام بُوشوارب، ومُباشرة بعد استقالة بُوتفليقة، تمكن وزير التجارة الأسبق من الفرار إلى لبنان ثم إلى فرنسا قبل أن تكشف وسائل إعلام محلية وأجنبية عن وجوده في البرازيل لتفادي اعتقاله.

استرجاع الجزائر للأموال المنهوبة تحكمها اتفاقيات وقوانين وإجراءات دولية بحسب ما يُؤكد المُحامي والناشط الحُقوقي، إذ يقول إن معظم الحسابات والعقارات التي يملكُها المُتورطون في الفساد تخضع للسرية المُطلقة، فقطاع عريض من الهيئات المالية الدولية ترفضُ الكشف عن المعطيات المتعلقة بزبائنها.

تباين الآراء

انقسمت الآراء وتباينت بين الرفض والدعم لهذا المُقترح الذي عاد إلى الواجهة تزامُناً مع استعادة حراك الجزائر لقُوته بعد عامين كاملين من انطلاقه فهُناك من رآه مُجرد فكرة "عابرة" غير قابلة للتجسيد الهدف منها خطف الأنظار وتوجيه الرأي العام وبين من رحب به باعتباره أحد الحلول الممكنة لاسترداد ما نُهب.

وفي الجهة المُعارضة لهذا المُقترح نجد المُحلل السياسي والإعلامي الجزائري أحسن خلاص الذي يصفُه بـ "أخطر قرار يُمكنُ أن يتخذ في الظرف الحالي لأنه يُعطي سابقة للفساد".

أما الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية مبروك كاهي، فيقول في تصريح لـ TRT عربي إنه مُجرد خطاب مُوجه للاستهلاك الشعبي لأسباب سياسية داخلية، لأنه يستحيل إبرام أي مصالحة مالية واقتصادية في الظرف الحالي دون تحديد الكتلة المالية التي جرى نهبها وحتى مكان وجودها.

الباحث في الشؤون السياسية يرى أن الحديث عن أي مصالحة في الظرف الراهن دون محاسبة فعلية هو تهرب من المسؤولية وتشريع لاستمرار الفساد ونهب المال العام، فالسلطة الرسمية لم تكشف حتى الآن عن قيمة ما جرى نهبه طيلة العقدين الماضيين من الزمن.

بالمُقابل يقول الخبير الاقتصادي أحمد سواهلية، في تصريح لـTRT عربي إنه وفي حالة لجوء السلطة السياسية في البلاد إلى هذا الخيار لاسترجاع ما نُهب فهو دليل ضعف أدوات الاسترجاع التي تحكمها معاهدات واتفاقيات دولية مقننة.

ويشرحُ الخبير الاقتصادي رؤيته بالقول "إن المُمتلكات والثروات الموجودة داخل التراب الجزائري لا إشكال في مُصادرتها وهو ما وقع مع ممتلكات رجل الأعمال الجزائري كونيناف (رجل أعمال كان مُقرباً من الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة) إذ أمر الرئيس تبون مُؤخراً بنقل ملكية مصنع كان يملكهُ بعد صُدور أحكام نهائية ضده."

ويقُول سواهلية "إن الصعوبة تكمن في استرجاع الأموال المودعة في البنوك الخارجية لأنها تبقى رهينة الاتفاقيات حتى أن هذه الدول الأجنبية قد ترفض تسليمها حفاظاً على مصالحها الاقتصادية حتى ولو كانت الأموال المودعة ملكاً لأجانب."

ولا يستبعد الخبير الاقتصادي أحمد سواهلية إمكانية لجوء السلطة السياسية في البلاد إلى هذا المقترح كخيار بديل لكن مع وضع الصيغة القانونية وجميع الأحكام التي صدرت في حق المُتورطين في قضايا الفساد والجُلوس على طاولة التفاوض وهو الخيار الصعب بالنظر إلى الحراك الذي يشهده الشارع الجزائري، فالجزائريون ما زالوا غير راضين عن محاربة الفساد وما زالوا ينتظرون إجراءات أكثر جدية ليتفاجؤوا ببروز مصطلح المصالحة المالية.

TRT عربي