هكذا عنونت مجلة "فورين أفيرز - الشؤون الخارجية" عددها الأول للسنة الميلادية 2021: "هل تتعافي أمريكا؟"، وتعني التعافي من تركة الرئيس السابق دونالد ترمب. ويتضمن اتهاماً لترمب بأن سياساته ألحقت ضرراً بليغاً بمكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية.

تصدَّر عنوان المقال غلاف مجلة مرموقة تعنى بعلاقات أمريكا الدولية والتي يصدرها "مجلس العلاقات الخارجية" (فورين أفيرز كاونسل) ومقره الرئيس مدينة نيويورك وله فروع بالمدن الكبرى ومنها بالطبع واشنطن العاصمة حيث تُصنع تلك السياسات. ويضم المجلس بعضويته السابقين من صناع السياسة الخارجية الأمريكية. والعنوان أعلاه عنوان جعلته المجلة محوراً لموضوعات عددها هذا لشهرَي يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2021.

يحمل العدد موضوعات متعددة في الاقتصاد والصحة وحماية الديمقراطية من تأثيرات وسائل الاتصال الاجتماعية بتقنياتها السريعة، وتحجيم دور الصين. ولكنها جميعاً تدور في فلك واحد هو طُرق ووسائل التعافي من تركة دونالد ترمب في السياسة الخارجية المثقلة بالتبعات.

كتبت الدكتورة سامانثا باور Samantha Power المقالة، وهي أستاذة في جامعة هارفارد سبق لها أن عملت بمجلس الأمن القومي في إدارة باراك أوباما ثم سفيرة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة وهي مرشحة حالياً لمنصب مديرة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID وتعتبر على دراية تامة بالهم الأمريكي إزاء العالم الخارجي. وقبل الخوض التفصيلي في تلك الهموم تجدر الإشارة إلى حوار لم ينقطع ولا نحسب أنه سينقطع حول رؤية أمريكا لدورها في العالم الخارجي، فقد أشار هنري كيسنجر الذي سبق أن تولي منصب مستشار للأمن القومي ووزير خارجية وظل من أكثر الشخصيات تأثيراً في صناعة سياسة أمريكا الخارجية ولا يزال وهو في نحو الخامسة والتسعين من العمر. يقول في سفره الضخم "الدبلوماسي" الذي كان في الأصل أطروحته للحصول على درجة الدكتوراه: "إن أمريكا طوال تاريخها رسمت لنفسها دوراً إزاء السياسة الخارجية، أنتج مدرستين متناقضتين، أولاهما منكفئة على الداخل ترى أن تخدم أمريكا قيمها وتروج لها بإقامة ديمقراطية خالية من العيوب تصبح مثالاً يحتذى فتكون بمثابة منارة هادية للبشرية جمعاء، والمدرسة الثانية مقتحمة للعالم ترى أنه يتعين على أمريكا واجب قيادة الحملات حول العالم لتبني تلك القيم".

وقد أسهم الرئيس الأمريكي ويدرو ويلسون (1913-1921) في وضع أمريكا بقلب العالم، فقد تبني العالم اقتراحه تأسيس منظمة دولية تساهم بمنع الحروب بعد مأساة الحرب العالمية الأولى عبر قوانين ونظم ومؤسسات دولية، وعلى الرغم من رفض الكونغرس التصديق على دخول عصبة الأمم تلك، أبقت أمريكا على الفكرة فأقامت مع الحلفاء المنتصرين منظمة الأمم المتحدة 1945 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بل وأقامت المؤسسات الدولية، بريتون ودز (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) ومحكمة العدل الدولية، وهي قواعد النظام الدولي اليوم.

وجاء شعار دونالد ترمب قريباً من مدرسة العزلة وهو "أمريكا أولاً" في وقت لا يمكن تحقيقه مع ازدياد ارتباط أمريكا يومياً بالعالم ولها في ربوعه المترامية آلاف العسكر وحاملات الطائرات وانتماء عدد مقدر من مواطنيها إلى كل الأعراق تقريباً في الدنيا.

ابتدرت سمانثا باور مقالتها "قوة الإمكان" بالقول إن الجدال حول مقولة وزيرة الخارجية الأسبق مادلين أولبرايت قبل نحو عقدين من الزمان إن أمريكا "لا غنى للعالم عنها" حلت محلها كلمة أمريكا "الضعيفة" بسبب سياسات دونالد ترمب.

وقالت إن تصدي إدارة ترمب لجائحة كورونا يعتبر الأسوأ عالمياً، وفي استطلاع لمؤسسة بيو عبّر نحو 84% في أقوي 13 اقتصاد في العالم عن أن أداء أمريكا بمجابهة الجائحة كان ضعيفاً. تقول إن هذا الفشل يوشك أن يبدد صورة أمريكا كبلد فعال يعتد به الحلفاء وتهفو إليه قلوب آخرين يرجون عونه لفعل الأفعال العظيمة، وفي الذهن أمجاد سبقت مثل عمليات كسر الحظر البري الذي فرضه السوفييت على برلين الغربية عن طريق جسور جوية قادتها أمريكا استمرت لأشهر عدة، وإبداعات خلّاقة مثل مخترعات ستيف جوبز، ومايكروسوفت، وإنزال أول إنسان على سطح القمر.

وتقول إنه على الرغم من الانتقادات الكثيرة لسياسة الولايات المتحدة في الحقب الماضية فإن احترام قيادات العالم وشعوبهم لها ظل قوياً، باعتبارها قوة قادرة على الإنجاز. تغير الحال الآن وغدت أعداد أقل في العالم ترى أمريكا ذاك الفعال القادر على المهمات العظيمة. هذا الاهتزاز بصورة أمريكا ينبغي أن يكون موضع انشغال صناع السياسة الخارجية الذين يرون قيادة الولايات المتحدة للعالم لازمة لمعالجة المشكلات الكبرى كتغير المناخ والشواغل الدولية العويصة الأخرى التي تتطلب معالجتها الخبرة وبناء التحالفات اللازمة. ذلك يعد الآن أكثر إلحاحاً لأن الولايات المتحدة خلافاً للماضي تواجه منافساً على الساحة الدولية هو الصين.

وكثيراً ما تسمع الناس يعقدون المقارنات بين الضعف والجمود الذي حاق بشراكات الولايات المتحدة على المسرح الدولي، في مقابل القوة والجاهزية والفاعلية لحكم تصنفه الولايات المتحدة بأنه مستبد في الصين على الساحة الدولية، لكن مكانة الصين كقيادة عالمية ترتعش هي الأخرى بسبب إخفاق جائحة كورونا القاتلة وبسبب دبلوماسيتها الصدامية وعدوانية التعامل مع نزاعاتها الحدودية وتناولها لقضايا التنمية بالدول النامية واستمرار فظائعها بانتهاك حقوق الإنسان، بما في ذلك تعاملها مع سكانها المسلمين الأويغور. تقول: "هذه الحقيقة تمثل فرصة للرئيس بايدن وإدارته"، وتشير إلي أن اعتقاد الأمريكيين أن الإدارة الجديدة قادرة على استعادة سمعة أمريكا العالمية يحتاج إلى أن يلحق القول فيه بالعمل، ووضعت لذلك المقترحات التالية: "أن تصبح أمريكا رأس الرمح في توفير اللقاح المضاد لجائحة كورونا وتوزيعه داخل أمريكا بل على نطاق المعمورة، وتذكر هنا ما فعله الرئيس جورج بوش الابن بمكافحة الإيدز في إفريقيا وأن ذلك ضمن له نسبة قبول بلغت 73% هناك".

هذا فضلاً عن إزالة قيود الإدارة السابقة على تدفُّق الطلاب الأجانب إلى الجامعات الأمريكية. "إن أمريكا تملك 40% من الحاصلين على جائزة نوبل في العلوم والتقانات". وقد حرمت سياسات ترمب المعادية للهجرة أمريكا فوائد معنوية ومادية. وتشير هنا إلي أن الولايات المتحدة كانت قبل سنوات ترمب تمثل أكبر مستقبل للطلاب الأجانب في العالم، فالجامعات الأمريكية ظلت تخرِّج أكثر من مليون طالب سنوياً وزادت النسبة لتصل إلى 8% منذ 2012 لكنها تدنت بنفس النسبة في العام الدراسي (2018-2019) وقبل ظهور جائحة كورونا بسبب سياسة تقييد الهجرة. ورغم ذلك فقد بلغ دخل الولايات المتحدة من الطلاب الأجانب ذلك العام أربعمئة بليون دولار حسب إحصاءات وزارة التجارة، وهو يعادل سدس أكبر قطاع خدمي، كما وفر 458 ألف وظيفة للأمريكيين. ولأن الصين أصبحت وجهة لطلاب العالم فإن أمريكا ينبغي أن تركز علي ترجيح الكفة بزيادة عدد الطلاب الأجانب إليها ليتزودوا بقيم المجتمع المفتوح ويغدوا سفراء لأمريكا في بلدانهم. وقد أحصت بلومبيرغ عدد القادة الذين تخرجوا في الجامعات الأمريكية بإفريقيا وحدها بـ20% في كينيا والصومال وإثيوبيا. "يوجد أكثر من 300 قائد على مستوى العالم بما في ذلك رؤساء ورؤساء حكومات ووزراء تخرجوا في الولايات المتحدة، وعدد قليل تخرج في الصين". وأشارت إلي أن أهمية ذلك تستدعي أن يوجه الرئيس بايدن خطاباً يشجع به طلاب العالم لطلب العلم في الولايات المتحدة.

ترى باور أن على أمريكا أن تقود الحرب على الفساد المالي في العالم. في هذا الصدد فإن حجم الفساد وسرقة موارد الدول بلغ في 2019 أربعمئة تريليون دولار، ما نسبته 5% من دخل العالم بأسره، وبذلك تكسب احترام العالم وتستعيد موقعها الرائد فيه، وأشارت إلي أن البنك الدولي ذكر أن الشركات والأشخاص يدفعون سنوياً رشاوى تصل إلي تريليون دولار. وختمت هذه النقطة بالقول: "إن صعود الأنظمة الشعبوية المتسلطة أثار القلق من خلق زخم لعودة الأنظمة الدكتاتورية واجتياحها. لكن الفساد هو نقطة ضعف قيادات تلك الأنظمة فبينما يتضاءل حجم خسارتهم من التأييد الشعبي جراء رفضهم احترام حقوق الإنسان أو بتصريحهم علناً بالإعجاب بنموذج الصين في الرأسمالية الأوتوقراطية في الحكم، فلا أحد بينهم يريد أن يعرف بأنه يستخدم وضعه في السلطة للتربُّح هو وأصدقاؤه على حساب المواطنين". لذلك فإن إعمال آليات الشفافية والمراقبة لفضح أولئك وسيلة لاستعادة ريادة أمريكا للعالم، أي بفضح فساد النظم التي تنعدم فيها الشفافية وبالتالي إبطاء صعود الدكتاتوريات في العالم.

TRT عربي