يرى الفيلسوف الإنجليزي أرنولد توينبي صاحب النظرية الشهيرة التحدي والاستجابة، أن الظروف القاسية والصعبة والضغوط البشرية والخارجية، تستثير الأمم لبناء الحضارات وتحفزها لتجاوز النقائص.

وانطلاقاً من هذه النظرية يمكن أن نفسر دواعي المساعي الحثيثة التي تبذلها تركيا، في ظل ما يشهده العالم من تحولات وصراعات إقليمية ودولية ومنافسات عالمية، لتعزيز مواردها ومحاولتها تحقيق توازن في القوى.

وكانت تركيا قد رصدت أهدافاً استراتيجية لتحقيق مشروع رؤية تركيا 2023، الذي سيتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية الحديثة، فتمكنت في هذا الإطار من تحقيق نمو سريع وطفرة في عدة قطاعات. وكان من بين ذلك الحرص على خفض الواردات وتلبية الطلب المحلي المتزايد، وبالتالي تعزيز أمن البلاد من الطاقة.

فبعد أن أعلنت عن اكتشافها 405 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي في البحر الأسود، تعلن تركيا اليوم عن وضعهاحجر أساس الوحدة الثالثة لمحطة "أق قويو" النووية، فيوقت يعيش فيه العالم سجالاً طويلاً واختلافاً حول الملف النووي وتعقيداته.

طموح تركي لامتلاك الطاقة النووية

انطلقت جهود تركيا لتوليد الطاقة النووية منذ نحو 60 عاماً، إلا أنها بدأت تخطو في ذلك خطوات جادة في السنوات الأخيرة الماضية، حين وقعت اتفاقية مع روسيا في مايو/أيار 2010 لإنشاء محطة أق قويو Akkuyu، وهي أول محطة للطاقة النووية في مدينة مرسين التركية. وتعتبر روسيا من بين البلدان القليلة في العالم التي تملك مفاعلات نووية ولها القدرة على منح ترخيص لإنشاء محطات نووية، كما تقوم بتقديم مشروعات لإنشاء مفاعلات نووية.

ومن المخطَّط أن تحتوي محطة أق قويو Akkuyu عند اكتمالها على أربعة مفاعلات للطاقة، مقدَّر أن تبلغ طاقتها الإجمالية المركبة 4800 ميغاوات، وستقوم بإنتاج نحو 35 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنوياً، وبالتالي ستتمكن من تغطية نحو 10% من استهلاك الطاقة في تركيا.

وتواصل اليوم تركيا العمل بأقصى سرعة لانطلاق تشغيل الوحدات سنة 2023. فبعد أن وُضِع في وقت سابق، وفي أجواء احتفالية، حجر أساس الوحدتين الأولى والثانية سنتي 2018 و2020، دشن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين مرحلة الوحدة الثالثة، في احتفال افتتاحي حضره الرئيسان عبر تقنية الفيديو من مكتبيهما في أنقرة وموسكو، يوم الأربعاء 10 مارس/آذار الجاري.

وخلال الافتتاح صرح الرئيس التركي بأن المحطة ستقوم بضم تركيا إلى "نادي دول الطاقة النووية"، معتبراً أنها "رمز للتعاون التركي الروسي"، في حين وصف بوتين المحطة النووية بكونها "مشروعاً رائداً بالفعل". مؤكداً مدى الالتزام بمعايير الأمن والسلامة في المحطة، وبالتالي تتوافق مع معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وقدقدرت تكلفة المشروع بنحو 20 مليار دولار، ويعد بذلك أحد أكبر المشاريع النووية في العالم الذي سيكفل لتركيا الانضمام إلى نادي دول الطاقة النووية.

إيقاف العمل بالمفاعل رقم 7 في محطة كاشيوازاكي - كاريوا للطاقة النووية (AP)

ويستخدم مصطلح نادي دول الطاقة النووية للإشارة إلى الدول التي تملك أسلحة نووية سواء كانت منتشرة أو مخزنة، وتضم كلاً منالولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والصين والمملكة المتحدة والهند وباكستان وكوريا الشمالية وإسرائيل.

وتحظى من بينها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بأكبر ترسانات من السلاح النووي، إذ تملك روسيا 7 آلاف رأس نووي، بينما تملك الولايات المتحدة الأمريكية 6800 رأس نووي.

وبالرجوع إلى تركيا، ووقوفاً عند التقدم الذي أحرزته في ملف الطاقة النووية، أصبح السؤال عن نيتها امتلاك سلاح نووي مطروحاً بشدة، مثيراً جدلاً واسعاً.

هل تسعى تركيا فعلاً إلى امتلاك سلاح نووي؟

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال منتدى اقتصادي سابق في إحدى المدن التركية:"يمتلك أحدهم صواريخ ذات رؤوس نووية، ليس واحداً أو اثنين بل أكثر، لكن ليس مسموحاً لنا امتلاك تلك الصواريخ، أنا لا أقبل هذا.. لا توجد دولة متقدمة في العالم وليس لديها صواريخ ذات رؤوس نووية.. هم يتسابقون على امتلاك تلك الصواريخ لكنهم يقولون لنا احذروا لا تقوموا بذلك.. فهل تمتلك إسرائيل تلك الصواريخ؟ نعم.. بل وتخوف بها الآخرين..".

ويشير في ذلك إلى ضغوط المجتمع الدولي التي تتعرض لها تركيا لضمان عدم امتلاكها السلاح النووي.

وعلى الرغم من أن الجانب التركي يملك نسبياً مقومات اتخاذ هذا القرار من عدمه، من الناحية التقنية واللوجستية، فإن ذلك يتوقف أولاً وأخيراً على القرار السياسي للدولة، حسب ما ذهب إليه خبراء ومحللون، ومجهودات مضاعفة وشراكات تعاون إقليمية قوية.

وفي هذا الإطار كانت أنقرة قد صادقت على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في عام 1979، كما أن لديها اتفاقية ضمانات سارية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ عام 1981، إضافة إلى البروتوكول الإضافي لاتفاقية الضمانات الخاصة بها وهو ساري المفعول منذ عام 2001.

مجموعة هذه الالتزامات والمواثيق تحتم على تركيا عدم تطوير تقنيات لامتلاك سلاح نووي، ويرجح في ذلك الكثير من الخبراء والمحللين أنها فعلياً لا تعتزم القيام بهذه الخطوة في الوقت الحالي.

وفي سياق متصل، يعتبر آخرون أن تركيا ليست في حاجة إلى السلاح النووي باعتبارها عضوة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ عام 1952، الذي يوفر لها ضمانات أمنية.

لكن أنقرة على الرغم من عضويتها في الحلف تعرضت في عدة مناسبات إلى محاولات حصار وحظر وفُرضت عليها عقوبات دولية، ما دفعها إلى تطوير ترساناتها العسكرية ودعم صناعاتها الدفاعية المحلية، حيث إن التسلح الذاتي والتطوير العسكري يحفظان الأمن والاستقرار ويدعمان السيادة الوطنية.

لهذا يبدو الحديث عن فرضية امتلاك تركيا لسلاح نووي مبكرة قليلاً، ويرتبط تحديد توجهاته ومساراته ارتباطاً وثيقاً بالاستحقاقات الداخلية والإقليمية، والتحالفات الدولية.

تضاعف أنقرة اليوم جهودها للاستفادة منالاستخدامات السلمية للطاقة النووية لتلبية الاحتياجات المحلية المتزايدة وتعزيز استقرارها وتحقيق نموها الاقتصادي، إذ إن توقيعها على اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية لا يتعارض مع ذلك. ويعتبر مشروع محطة أق قويو النووية تتويجاً لهذه الجهود، ومؤهلاً قوياً لانضمامها إلى نادي دول الطاقة النووية.

TRT عربي