بعدما مهَّد قرار الرئيس ترامب الأخير سحب الجنود الأمريكيّين من شمال سوريا الطريقَ أمام شنِّ هجومٍ تركي على المنطقة، انتقده العديد من الشخصيات النافذة في الحزبين الجمهوري والديموقراطي، ودافعوا عن تحالف واشنطن عديم المبادئ مع وحدات حماية الشعب الكردية.

بريت ماكغورك ، المنسق السابق للتحالف ضد داعش بقيادة الولايات المتحدة ، مع أحد قادة وحدات حماية الشعب الإرهابية في منطقة عين العرب
بريت ماكغورك ، المنسق السابق للتحالف ضد داعش بقيادة الولايات المتحدة ، مع أحد قادة وحدات حماية الشعب الإرهابية في منطقة عين العرب (TRT World)

وتُعَدّ وحدات حماية الشعب هي الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، الذي أدرجته الولايات المتَّحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) وتركيا ضمن التنظيمات الإرهابية، ويقود حملةً إرهابية منذ ثلاثة عقود ضدّ تركيا أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف.

وفي ظلّ العلاقات بين حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب وفصائل كردية مختلفة، حاول ترامب شرح السبب وراء تغيير سياسته في سوريا بتسليط الضوء على دور تركيا البنَّاء في حلف الناتو ومخاوفها الأمنية المتزايدة بسبب وجود وحدات حماية الشعب على حدودها. ومع ذلك، واجه معارضة من بعض أطراف المؤسَّسة الأمريكيَّة، إذ قال بعض المسؤولين الأمريكيّين إنَّ ترامب دافع عن سياسته الجديدة في سوريا "بطريقة الغرب المتوحش".

وقال ترامب الغاضب على تويتر: "كثير من الناس ينسون بسهولةٍ أنَّ تركيا شريك تجاري كبير للولايات المتَّحدة، فهي الواقع تُصنِّع الإطار الفولاذي الهيكلي لطائرات F-35 المقاتلة الأمريكيَّة".

وذكَّر ترامب منتقديه بفضائل الجانب التركي قائلاً: "لقد كانوا جيدين في التعامل معهم وساعدوني على إنقاذ عديد من الأرواح في محافظة إدلب".يُذكَر أنَّ نظام بشار الأسد لطالما كان يعتزم شنَّ هجومٍ شامل للقضاء على آخر منطقة واقعة تحت سيطرة المعارضة في إدلب، حيث يعيش ملايين المدنيين.

وأضاف: "والأهمّ من ذلك، تَذكَّروا أيضاً أنَّ تركيا عضو مهمّ ذو مكانةٍ جيدة في حلف الناتو، فضلاً عن أنني سأستضيف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الولايات المتَّحدة في 13 نوفمبر/تشرين الثاني".

يُذكَر أنَّ السنوات القليلة الماضية شهدت تجاهلاً كبيراً وغريباً من الغرب لشراكة أنقرة مع واشنطن القائمة على عدة جبهات منذ سنوات الحرب الباردة.

إذ انحاز الجيش التركي، الذي يُعَدّ ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، إلى الجيش الأمريكيّ في عدة مواقف مهمَّة، من بينها الحرب الكورية والنزاعات في الصومال وأفغانستان وكوسوفو وغيرها من بؤر الصراعات في جميع أنحاء العالَم.

وفي أثناء الحرب الباردة دعمت تركيا، التي تقع بين آسيا وأوروبا، الولايات المتَّحدة ووقفت ضد الاتِّحاد السوفييتي السابق، الذي كان اتِّحاداً عملاقاً من الجمهوريات السوفييتية يقوم على مبادئ شيوعية متطرفة، إذ أدَّت تركيا آنذاك دوراً رئيسيّاً في منع موسكو من التوغُّل إلى منطقة الشرق الأوسط ومنطقة البحر الأبيض المتوسط.

لذا رأت أنقرة أنَّ تفضيل واشنطن لوحدات حماية الشعب، وهي جماعة مسلَّحة غير حكومية تابعة لحزب العمال الكردستاني، على تركيا لتكون شريكةً لها في حربها على تنظيم داعش الإرهابي كان خياراً غير مقبول منذ البداية.

ومنذ عام 2014، حين بدأ التعاون بين الولايات المتَّحدة ووحدات حماية الشعب الكردية، دافعت تركيا عن إقامة مناطق آمنة في شمال سوريا لمعالجة أزمة اللاجئين المتنامية، وعرضت خطتها العسكرية الخاصَّة لهزيمة دعش بالاستعانة بمجموعةٍ مختلفة من قوات المعارضة السورية والقوات المناهضة لحزب العمال الكردستاني.

ومع أنَّ الولايات المتَّحدة رفضت قبول خططها، ما زالت تركيا تقدم دعماً حاسماً للتحالف المناهض لداعش الذي تقوده الولايات المتَّحدة، إذ تسمح باستخدام قاعدة إنجرليك الجوية الجنوبية في نقل الجنود الأمريكيِّين والمعدات العسكرية الأمريكيَّة.

لكنَّ الولايات المتَّحدة تجاهلت هذا الدعم، واختارت خصم تركيا اللدود المتمثل في وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني الإرهابيين ليكونا شريكاً لها في طرد داعش من سوريا، إذ سلَّحت واشنطن وحدات حماية الشعب الكردية الإرهابية بالعديد من الأسلحة الفتَّاكة، سواءٌ أكانت صغيرة أم كانت ثقيلة، مِمَّا أسفر عن تشكيل قوات سوريا الديمقراطية تحت قيادة وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني.

وشعرت تركيا بالإحباط من التصرفات الأمريكيَّة، لأنَّها رأت أنَّ وجود وحدات حماية الشعب التابعة لحزب العمال الكردستاني والمدججة بالأسلحة والمُدرَّبة تدريباً أمريكيّاً يشكل تهديداً أمنياً وشيكاً بجوار حدودها الشرقية والجنوبية الشرقية.

غير أنَّ واشنطن أدارت ظهرها إلى تركيا، وخدعت نفسها بشعورٍ خاطئ مفاده أنَّ "هذا الوضع غير المحتمَل (سوف) ينجح ما دام مستمرّاً"، على حدّ تعبير أماندا سلوت، المحللة في مؤسَّسة بروكينغ.

وأضافت أماندا: "تركيا، العضوة في حلف الناتو، لم تقبل قَط الدعم الأمريكيّ للجماعة، التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بتنظيمٍ إرهابي يخوض تمرداً منذ فترة طويلة ضد الدولة التركية. ولا يوجد أي سياسى من الساسة الذين ينتقدون ترامب -الذي يتسم بالفوضوية في عملية صنع القرار- الآن يعتقد أنَّ هذا التحالف كان حكيماً في الأساس".

وفي الأسبوع الماضي، بعد محادثةٍ هاتفية حاسمة بين ترامب وأردوغان يوم الأحد 6أكتوبر/تشرين الأول شهدت موافقة الرئيس الأمريكيّ على سحب القوات الأمريكيَّة من شمال سوريا، تعاملت أنقرة مع المشكلة بنفسها وشنَّت عمليةً عسكرية طال انتظارها في المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني في شمال سوريا.

المصدر: TRT عربي