في ظل أزمة سياسية واجتماعية غير مسبوقة تعيشها تونس، تعول أحزاب ونخب وطنية على مبادرة للإنقاذ تقدمت بها منظمة اتحاد الشغل لرئيس الجمهورية، بهدف جمع الفرقاء السياسيين على طاولة واحدة، والخروج بحلول وتصورات تجنب البلاد انفجاراً اجتماعياً وشيكاً.

تونس ـــ على وقع تحذيرات من انفجار اجتماعي وشيك بات يدق أبواب الدولة التونسية ويقوض مكتسبات ثورتها بسبب الأزمة الاقتصادية وتداعيات فيروس كورونا الكارثية على موازنات البلاد، تأتي مبادرة للإنقاذ تقدَّم بها اتحاد الشغل، أحد أبرز المنظمات الوطنية النقابية في البلاد، لتكون حسب كثيرين الفرصة الأخيرة لاحتواء الاحتقان وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين قبل فوات الأوان.

مرحلة دقيقة

الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي كان قد كشف منذ أيام خلال لقائه رئيس الجمهورية عن تفاصيل المبادرة الوطنية لإطلاق حوار سياسي واجتماعي واقتصادي شامل، مُقراً بدقة المرحلة التي تمر بها البلاد والتي لم تعرفها منذ الاستقلال.

وتتضمن المبادرة أطروحات للمنظمة الشغيلة وتصورات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، للخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد على جميع الأصعدة، ومن أهم بنودها إرساء "هيئة حكماء" من مختلف الاختصاصات تقودها شخصيات وطنية مستقلّة تعمل تحت إشراف رئيس الجمهورية، وتوكل إليها مهمة إدارة الحوار وتقريب وجهات النّظر بين أطراف المبادرة.

كما تطرقت في جانبها السياسي إلى إمكانية تعديل نظام الحكم والقانون الانتخابي الحالي وإرساء المحكمة الدستورية المعطلة منذ سنوات، فضلاً عن إرساء منوال تنمية جديد ومراجعة تقيمية شاملة لتجربة الحكم المحلي.

الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل سامي الطاهري أكد في حديثه مع TRT عربي أن ما تشهده البلاد من احتقان اجتماعي وتحركات احتجاجية في أكثر من قطاع حيوي وارتفاع منسوب العنف السياسي في البرلمان يعطي لمبادرة اتحاد الشغل مسؤولية مضاعفة لإنجاح هذا الحوار الوطني.

كما لفت إلى حرص الاتحاد على أن تنفذ المبادرة تحت إشراف رئاسة الجمهورية باعتبارها الجهة الوحيدة التي لا تزال تحظى بثقة التونسيين، فضلاً عن كون الرئيس هو الضامن الوحيد لتطبيق الدستور ووحدة البلاد واستقرارها.

اقرأ أيضاً:

وتعيش البلاد منذ أسابيع على وقع احتجاجات اجتماعية غير مسبوقة في عشرات المحافظات، اتخذت أشكالاً تصعيدية وصلت إلى حد تعطيل المرافق الحيوية وإغلاق حقول الإنتاج كالمحروقات والغاز والفوسفات بمحافظة قابس وتطاوين وقفصة جنوباً، فيما أكد "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" ارتفاع التحركات الاحتجاجية خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي بنسبة 16% مقارنة بالشهر الذي قبله بمجموع 871 تحركاً في شهر واحد، كماحذر من نزوع أكثر من 700 تحرك احتجاجي إلى العشوائية والفوضى والعنف.

وسبق أن رعى اتحاد الشغل في 2013 برفقة ثلاث منظمات وطنية، اتحاد الصناعة والتجارة والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، حواراً وطنياً شاملاً جنَّب البلاد حرباً أهلية وشيكة ودعوات لانقلاب عسكري في أعقاب جرائم اغتيال سياسي استهدفت قيادات يسارية.

الفرصة الأخيرة

النائب عن حركة الشعب بدر الدين القمودي أشاد في حديثه مع TRT عربي بأهمية مبادرة اتحاد الشغل، واصفاً إياهاً بـ"الفرصة الأخيرة" لإنقاذ البلاد من سيناريوهات كارثية، في ظل تواصل موجة الاحتقان الاجتماعي والسياسي، وأشار إلى أن الثقل الاجتماعي الذي تحظى به كمنظمة عمالية عريقة، فضلاً عن أدوارها السابقة بإدارة الحوار الوطني يؤهلها لإنجاح هذه المبادرة، والخروج بحلول واستراتيجية واضحة للأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد.

رعاية رئيس الجمهورية لهذه المبادرة اعتبرها القمودي محفزاً إضافياً لإنجاحها بسبب شرعية قيس سعيد الانتخابية وثقة التونسيين به، مشدداً على أن أحزاباً داخل البرلمان كحركة الشعب تؤيد بقوة هذه المبادرة وتسعى لإنجاحها لتخفيف الاحتقان الذي اتخذ أشكالاً عنيفة سياسياً واجتماعياً، ما يهدد الديمقراطية بالبلاد.

عنف في البرلمان

مبادرة اتحاد الشغل تأتي حسب مراقبين وسط ارتفاع حاد لنسبة الاحتقان ليس فقط بالشارع بل داخل البرلمان، إثر حادثة تبادل للعنف الجسدي غير مسبوقة بين نواب من كتلة ائتلاف الكرامة التي تشكل الحزام السياسي لرئيس الحكومة وكتلة التيار الديمقراطي المعارضة والمقربة من رئيس الجمهورية، وهو ما زاد المخاوف من إمكانية جلوس هذه الأطراف المتصارعة على طاولة واحدة للحوار.

وفي هذا الإطار عبَّر المحلل السياسي طارق الكحلاوي في حديثه لـTRT عربي عن خشيته إمكانية فشل مبادرة اتحاد الشغل بتجميع الأطراف المتصارعة سياسياً وأيديولوجياً، في ظل تنامي العنف وخطابات الكراهية بين القيادات السياسية، لافتاً إلى أن الاتحاد يواجه تحدياً عسيراً في إنجاح هذه المبادرة بالنظر إلى مواقفه السابقة من أحزاب ائتلاف الكرامة وقلب تونس واتهامات لها بالفساد والإرهاب.

الكحلاوي أشار أيضاً إلى أن الدور الذي لعبه اتحاد الشغل في سنة 2013 حين كان بعيداً عن أي صراع حزبي يختلف عن دوره حالياً من خلال هذه المبادرة، بعد أن انخرط في التجاذبات السياسية وبات طرفاً في الأزمة السياسية ولا يتوانى عن إظهار عدائه لأحزاب سياسية بعينها.

كثيرون يعولون على مبادرة هذه المنظمة الشغيلة لإخفات صوت الاحتقان والعنف الذي بات يهدد بتقويض مؤسسات الدولة ويعصف بالتجربة الديمقراطية التونسية، وقد سبق أن طرحت أحزاب سياسية مبادرات للحوار السياسي والاقتصادي والاجتماعي على غرار حزب التيار الديمقراطي ومشروع تونس وحركة النهضة، لكنها مبادرات لم ترَ النور ولم تحظَ بإجماع الأطراف السياسية ولا الشعبية، فهل تكون مبادرة اتحاد الشغل الفرصة الأخيرة قبل أن يُهدم المعبد على الجميع.

الأزمة السياسية في تونس وصلت حد تبادل العنف داخل البرلمان (TRT Arabi)
قيادات سياسية في تونس تعول على مبادرة اتحاد الشغل لإخراج تونس من أزمتها (TRT Arabi)
TRT عربي