في زيارة هي الأولى من نوعها استقبل ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز نظيره العماني هيثم بن طارق، لتباحث سبل التعاون بين البلدين، وثمّن اللقاء الإعلان عن تأسيس مجلس تنسيقي مشترك بين البلدين.

في وقت يشهد فيه مجلس التعاون الخليجي تراجعاً في أداء دوره بتحقيق الوحدة والتعاون بين الدول الشقيقة، وبعد أن كانت العلاقات الثنائية بين المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان تتسم بنوع من الفتور لفترة طويلة، وجه الملك سلمان بن عبد العزيز مؤخراً دعوة زيارة إلى المملكة للسلطان هيثم بن طارق، الذي استجاب بدوره للدعوة، وهي الأولى من نوعها منذ توليه الحكم في يناير/كانون الثاني سنة 2020 خلفاً لقابوس بن سعيد.

واحتفت المملكة يوم الأحد 11 يوليو/تموز الجاري، بوصول السلطان هيثم إلى مدينة نيوم الصحراوية الجديدة الممتدة على طول الساحل الأحمر شمال غرب السعودية، وتزامنت الزيارة مع افتتاح أول معبر بري يربط بين البلدين، وذلك في إطار الحرص المشترك على تنويع الطرق والممرات التجارية.

وورد في بيان رسمي سعودي تعليقاً على الزيارة بأن "الزيارة تأتي في إطار تعزيز العلاقات الأخوية التاريخية الراسخة بين قيادتي البلدين، وتوسيعاً لآفاق التعاون المشترك وسبل تطويره في مختلف المجالات بما يعود على شعبي البلدين بالخير والنماء".

مجلس تنسيقي مشترك.. ملامح علاقات جديدة

استناداً إلى توجيهات عاهلي البلدين، وقع وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ونظيره العماني بدر البوسعيدي مذكرة تفاهم لإطلاق مجلس تنسيقي بين البلدين، يوفر الأرضية الملائمة ويؤسس لمرجعية داعمة تتمكن من تأطير علاقات التعاون والتنسيق المشترك بين المملكة والسلطنة.

وحضر مراسم توقيع المذكرة كل من الملك سلمان بن عبد العزيز والسلطان هيثم بن طارق، اللذين تبادلا الأوسمة بينهما.

وعقب اللقاء وتوقيع مذكرة التفاهم في أجواء احتفالية، عبر مجلس الوزراء السعودي عن بدء توقيع اتفاقيات مع الجانب العماني، في إطار مجموعة من المشاريع التي تشمل مجالات مختلفة كالتجارة، والثقافة والنقل وترويج الاستثمار وغيرها.

وإن كانت السلطنة تحظى بدور مؤثر على الساحة الإقليمية والدولية، نظراً لما تتمتع به من موقع استراتيجي يفصل بين السعودية وإيران، ويجعلها محط اهتمام السياسة الخارجية السعودية، فإنها رغم ذلك حافظت دائماً على لعب دور الوسيط المحايد، خاصة في ما يتعلق بملف الأزمة اليمنية المستمرة منذ سنوات. وعملت عمان في هذا الإطار، على ضمان وقف إطلاق النار بين جماعة الحوثي المدعومة من إيران والتحالف العربي الذي تقوده السعودية.

ولكن أهمية دورها الاستراتيجي لا تخفي حقيقة أن هذه الدولة الخليجية الأضعف مالياً، تقع تحت ضغط الحجم الكبير للديون والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، مقابل تراجع أسعار النفط، وتزايد حدة توترات الشارع وارتفاع نسق الاحتجاجات والمطالبات الشعبية بتحسين ظروف العيش وإيجاد حلول عاجلة لتفاقم مشكلة البطالة. ما جعل بالتالي من فرصة التعاون مع المملكة، وتأسيس مجلس تنسيقي، فرصة ذهبية للسلطنة، من الضروري اغتنامها وتطويرها، والبناء عليها.

لذلك تشيد اليوم جميع الأطراف السعودية والعمانية، بانطلاق مرحلة تاريخية جديدة على مستوى العلاقات بين البلدين. تتمكن من إتاحة الفرصة لتعزيز التعاون و تبادل الخبرات لتحقيق التكامل الصناعي بين البلدين، وفق ما صرح به مسؤولون رسميون.

وفي السياق ذاته اعتبر وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي عادل الجبير بأن الزيارة الأخيرة لسلطان عمان "تعكس تطلع البلدين إلى رفع مستوى التنسيق بينهما وتوسيع آفاق التعاون الثنائي، لا سيما في المجال الاقتصادي".

هل يستعاض عن دور مجلس التعاون الخليجي؟

نظراً لما يشهده مجلس التعاون الخليجي من تصدعات خلال السنوات الماضية، وعدم انسجام واضح بين الدول الأعضاء في التعاطي مع الملفات الأمنية والسياسية الإقليمية والدولية، التجأت بعض الدول لإيجاد أرضيات وأطر أخرى، للخروج من الأزمات التي تواجهها وبالتالي التقدم بالحوار بينها، وتذليل الصعوبات الممكنة أمام التعاون والتنسيق المشترك.

وربما تعتبر اتفاقية تأسيس المجلس التنسيقي مؤخراً بين المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، أحد تمظهرات التحالفات الثنائية الجديدة التي تتشكل في المنطقة، والتي تلبي تطلعات الشعبين.

وسبق هذا الاتفاق، الإعلان عن إنهاء الخلاف مع دولة قطر ووضع حد للانقسام الذي استمر فترة طويلة، وذلك خلال قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية في يناير/كانون الثاني من السنة الحالية، والتي عقدت في العلا بالمملكة العربية السعودية. ورغم أن بعض دول المجلس قد تحفظت في إبداء موقف واضح من ذلك، فإن المملكة عبرت عن تمام استعدادها لترميم العلاقات وتباحث سبل التعاون من جديد، وإيقاف الحصار الذي عانته قطر منذ سنوات.

وتلا ذلك استقبال الجانب السعودي لرئيس الوزراء العراقي في مارس/آذار الماضي من السنة الحالية للحديث عن ضرورة توثيق وتوطيد العلاقات بين الجانبين، في وقت دقيق وفارق للبلدين.

وعلى ضوء هذه التحركات والمبادرات الثنائية، تبدو هناك قناعة ضمنية بقصور مجلس التعاون الخليجي عن تطوير الشراكات الأمنية والاستراتيجية بين بدان الخليج العربي، في هذه المرحلة التي تشهد كثيراً من التغيرات وعدم الاستقرار.

وتعمقت هذه القناعة مع الخلافات الأخيرة التي بدأت تطفو على السطح، وأهمها الخلاف السعودي الإماراتي في التعاطي مع مختلف الملفات والقضايا الشائكة في المنطقة، واحتد مع أزمة أوبك الأخيرة، بعد أن كانا يمثلان حلفاً تاريخياً واستراتيجياً محورياً.

TRT عربي
الأكثر تداولاً