بالرغم من المأساة الإنسانية التي يتعرض لها الشعب اليمنيّ والتي زادت سوءاً جرّاء تفشي فيروس كورونا، إلا أن التنافس بين السعودية وأبوظبي على النفوذ يحتدم يوماً بعد يوماً واضعاً مستقبل اليمن الموحّد على المحك.

على عكس ما تناقلت وسائل الإعلام مؤخراً من أن التصعيد الأخير في جنوب اليمن، بخاصة في مدينة أبين بين الجيش اليمني ومليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي، جاء من أجل إسقاط المشروع الانفصالي وتمكين الحكومة اليمنية من إدارة الأماكن المحررة، يأتي التصعيد هذه المرة ضمن مساعي السعودية لخلافة الإمارات، واحتكار السيطرة على المناطق والقوى التي أنشأتها الإمارات في السنوات الأخيرة.

وقد باتت التحركات الأخيرة للجيش اليمني المدعوم سعودياً في جنوب اليمن، تحديداً في مدينة أبين التي تقع على مقربة من عدن، تعكس حجم الفجوة في العلاقات بين السعودية والإمارات في الملف اليمني.

فقد استطاعت الإمارات السيطرة على جميع المراكز الحيوية والاستراتيجية غربي اليمن وجنوبيه. وترك السعودية وحدها تلاقي مصيرها المجهول في مواجهة الانقلابيين الحوثيين المدعومين إيرانياً في الشمال. الأمر الذي ربما يجعل السعودية تراجع حساباتها كلياً وتسعى لتغيير استراتيجيتها تجاه السياسة الإماراتية.

"اتفاقية الرياض" وسياسة إعادة التموضع السعودية

سعت السعودية لإيجاد وسيلة ضغط تستطيع من خلالها المناورة مع الإمارات لتحقيق سياستها الجديدة. فقد تبنت مبادرة صلح بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي لضم المجلس مع كل المليشيا العسكرية التي يديرها، التي يبلغ عدد جنودها حوالي 200 ألف إلى المؤسسات العسكرية اليمنية التابعة للحكومة الشرعية، مقابل إعادة تكوين طاقم الحكومة من جديد على أن يكون حق تعيين نصف الطاقم للمجلس الانتقالي.

وفي هذا السياق، صرح وزير النقل اليمني معترضاً على هذه الخطوة قائلاً: "هذه أرض اليمنيين ومئات الألوف من الشباب جاهزون للدفاع عنها، ولن يكون للعملاء والمرتزقة موطئ قدم على ترابها ولو وقّعوا مليون اتفاق"، وأضاف بأن "اتفاق الرياض سيفشل باعتباره مكافأة للانقلابيين بإشراكهم في الحكومة بدل اقتيادهم للمحاكمة". 


وقد أرادت السعودية من خلال ذلك السيطرة على كل القوى الموجودة داخل اليمن، وبلورته في قوة واحدة، يأتمر بأمرها ويدار حسب توجيهاتها، بعيداً عن التأثير الإماراتي. هذا الأمر الذي لم يرق للإمارات فسعت لإفشال تنفيذ الاتفاقية التي لو نُفذت فمن شأنها أن تكتب نهاية الوصاية الإماراتية على جنوب اليمن.

تملك السعودية نفوذاً كبيراً في اليمن يمكّنها من إحداث هذا النوع من المراجعة، وتغيير موازين القوة وذلك لاستضافتها طاقم الحكومة اليمنية الشرعية بمن فيهم الرئيس هادي في الرياض. وصاحبة التأثير التاريخي على القرار السياسي للدولة اليمنية منذ ثورة 1962، وقيام الجمهورية اليمنية.

وتبدو المملكة جادة هذه المرة في إعادة تموضعها في اليمن، وتغيير ميزان القوة لصالحها، وذلك عبر تقويض نفوذ الإمارات في مناطق سيطرتها في اليمن، وإرغام المليشيات التابعة لها وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي على الاستسلام والانضواء تحت قيادة التحالف الذي تقوده هي.

فالأحداث الحالية من تصعيد عسكري وإعلامي من قبل السعودية ضد الإمارات وما يتبعها من مليشيات، ومنع السعودية قيادات الصف الأول في المجلس الانتقالي، كعيدروس الزبيدي وهاني بن بريك وشلال شايع من دخول عدن وإبقائهم خارج اليمن، خير دليل على نية السعودية توجيه رسالة قوية إلى الإمارات.

وفي حال نجحت السعودية بكسب المعركة في الجنوب، فإن ذلك سيعزز بلا شك من وجودها داخل اليمن، وستكون بذلك ضمت جميع المليشيات العسكرية في المناطق الغربية والجنوبية في اليمن تحت إمرتها. وهو الأمر الذي لم تستطع السعودية القيام به منذ تدخلها في اليمن حتى الآن.


الحكومة اليمنية الشرعية الطرف الخاسر

تعتبر "الحكومة اليمنية" الحليف الذي لا تثق فيه السعودية في أفضل الأحوال، نظراً إلى تركيبتها المتنوعة. فهي مكونة من جميع الأطياف السياسية المختلفة في اليمن، المناهضة للمشروع الحوثي، وعلى رأسها حزب الإصلاح ذو التوجه الإسلامي المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين غير الموثوق بها سعودياً.

وهذا قد يكون أحد الأسباب التي جعلت السعودية تسعى لإيجاد البديل الجاهز للجيش اليمني. لا العكس كما يروج من أن التحرك الأخير جنوب اليمن ضد المجلس الانتقالي في صالح الحكومة والدولة اليمنية.

فلو كانت السعودية جادة في إسقاط مشروع الانفصاليين لصالح الحكومة الشرعية، لكانت بدأت طرد المليشيات الانفصالية في المناطق الأقل قبولاً للمشروع الانفصالي وإنهاء وجودها، كخطوة تمهيدية لدخول عدن، وهي المركز الأساسي للانفصاليين، واجتثاث المليشيات التابعة لهم.

فقد كان من الممكن للسعودية أن تعمد بداية على سبيل المثال، إلى التخلص من مليشيا النخبة الحضرمية في حضرموت أو النخبة الشبوانية في شبوة، أو مليشيا النخبة المهرية المدعومة إماراتياً في مدينة المهرة، كونها أضعف مناطق النفوذ الإماراتي في اليمن، وأبعدها مسافةً عن مركز النفوذ (عدن)، بالإضافة إلى الإجماع الشعبي الرافض للمشروع الانفصالي في هذه المدينة.

في هذه المناطق كلها، لا يجد المشروع الانفصالي له فيها رواجاً يذكر، كما هو الحال في عدن وأبين. وهذا يوحي بأن السعودية ربما لا تريد القضاء على هذه المليشيات، وإنما السيطرة عليها والتمكن من إدارتها.

وفي هذا الصدد علق الباحث اليمني ياسين التميمي في حديثه مع TRT عربي، قائلاً إن "السعودية لا تقف ضد المليشيا الموجودة جنوبي اليمن والمدعومة إماراتياً، وتسعى من خلال تحركاتها في الجنوب لتطويع هذه المليشيا ضمن مشروعها هي".

وأردف قائلاً بأن "مشروع السعودية لا يختلف عن مشروع الإمارات في اليمن، فيما يتعلق بقضية تفتيت الدولة اليمنية"، وحسب قوله فإن الدولتين قد يلتقيان عند فكرة "إعادة تشطير اليمن" عبر ضرب القوات اليمنية في الداخل بعضها ببعض، أو بعد ذلك دعوة هذه الأطراف للحوار لتقديم تنازلات متبادلة.

مصير الجيش اليمني

ويبدو أن دور الجيش اليمني في المعارك الأخيرة في الجنوب ضد الانتقالي وفي الشمال ضد الحوثي يكمن في كونه ورقة ضغط يستخدمها التحالف، بالأخص السعودية عند الحاجة لشرعنة ممارساتها السياسية والعسكرية داخل اليمن. فضلاً عن سعيها التدريجي لتدميره واستنزافه مادياً ومعنوياً. وذلك من خلال الزج به في مواجهات عبثية تارةً ضد الانفصاليين في الجنوب وتارةً ضد الحوثيين في الشمال.

ومن آخر هذه المواجهات، المعركة التي حصلت على مشارف عدن بأغسطس/آب 2019، وانتهت بتدخل الطيران الإماراتي ضد الجيش اليمني، وراح ضحاياه ما يقرب من 300 جندي وضابط بين قتيل وجريح. بلا تدخل سعودي لصالح الجيش اليمني. ناهيك بالمواجهات في 2017 بين الحرس الرئاسي التابع للحكومة اليمنية وقوات الحزام الأمني التابع للانتقالي والاشتباكات المتكررة بين الطرفين في سقطرى وشبوة.

ويرى مراقبون أن التحالف العربي باليمن والمتمثل في السعودية والإمارات يسعى لاستنزاف قوات الجيش اليمني في الجبهات القتالية ضد الانقلابيين الحوثيين في الشمال منذ اندلاع الأزمة في 2015. وذلك من أجل السيطرة على قرار الدولة اليمنية وتوظيفه لصالح هذه الدولة. إذ سقط خلال هذه الفترة عشرات الآلاف من أبناء الجيش اليمني، من دون إحداث أي تقدم نحو العاصمة صنعاء وتخليصها من أيدي الانقلابيين.

وعلى غرار هذا الموضوع صرح القيادي في المقاومة الشعبية في عدن الشيخ عادل الحسني لموقع TRT عربي، بأنه "ما من شك في أن التحالف السعودي-الإماراتي سعى منذ بداية عاصفة الحزم لتفتيت القوات المسلحة اليمنية، والإجهاز على الجيش اليمني والترسانة العسكرية في اليمن، وكان هذا من أهم أهداف التحالف السعودي-الإماراتي غير المعلنة، ما لمسناه نحن عندما كنا نقاتل إلى جانب التحالف، إذ كان حرصهم على القضاء على الجيش اليمني أكبر من حرصهم على المتمردين الحوثيين".

وأكد أن "ما يجري اليوم من تحركات هنا أو هناك (في الشمال والجنوب) ما هي إلا امتداد لمخطط تمزيق الجيش اليمني، لصالح سيطرة المليشيات العسكرية على المناطق التي توجد فيها، وذلك من أجل إبقاء الوضع في اليمن في وحل الصراعات الداخلية".

من جانب آخر، تحدث وزير الخدمة المدنية ونائب رئيس الوزراء اليمني السابق عبد العزيز جباري لقناة يمن شباب الفضائية، قائلاً: "يستطيع الجيش اليمني حسم المعركة لصالحه ضد الحوثيين، ولكنه لا يجد الدعم اللازم". وأضاف أن دول الجوار لا تريد حسم المعركة في اليمن ضد الحوثي، بسبب تخوُّفهم من تصدُّر حزب الإصلاح للمشهد السياسي في اليمن في حال التغلب على جماعة الحوثي.

أما استنزاف الجيش معنوياً، فإن التحشيد الإعلامي والعسكري المستمر لصالح الجيش اليمني من قِبل السعودية عند كل معركة يقوم بها الجيش اليمني سواءً ضد الانفصاليين أو الانقلابيين، ودائماً تتوقف فجأةً، وبلا أي نتائج تذكر. قد أفقد الجنود معنوياتهم وأسقط الثقة لدى اليمنيين شمالاً وجنوباً بالجيش، وأعطاهم انطباعاً سلبياً ضد الحكومة الشرعية بعدم كفاءتها في حسم المعركة وبسط نفوذ الدولة من جديد.

المصدر: TRT عربي