جاء موقف "الحرية والتغيير"بعد سقوط 15 قتيلاً و عشرات الجرحى خلال التظاهرات الرافضة لإجراءات الجيش (AFP)

كان لافتاً التحوّل الكبير بموقف "قوى إعلان الحرية والتغيير" بالسودان، من المطالبة بالعودة إلى ما قبل 25 أكتوبر/تشرين الأوّل الماضي، إلى المناداة باللاءات الثلاث "لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية".

موقف "الحرية والتغيير" (الائتلاف الحاكم السابق) جاء بعد سقوط 15 قتيلاً و عشرات الجرحى خلال التظاهرات الرافضة لإجراءات الجيش في 17 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.

وبهذا الموقف، اقتربت قوى الحرية والتغيير ومكوّناتها الرئيسة من حلفائها السابقين، تجمّع المهنيّين والحزب الشيوعي، فضلاً عن لجان المقاومة.

وظلّت لجان المقاومة، تنادي بإسقاط ما تسمّيه "شراكة الدم" أي الشراكة العسكرية بالسلطة، متّهمةً القيادة العسكرية بفضّ اعتصام أمام مقر قيادة الجيش بالخرطوم في 3 يونيو/حزيران 2019، إبّان حكم المجلس العسكري المنحلّ، حيث سقط عشرات القتلى ومئات الجرحى، وهو ما ينفيه العسكر.

وتأسّس ائتلاف قوى إعلان الحرية والتغيير، في يناير/كانون الثاني 2019، وقاد احتجاجات شعبية أجبرت قيادة الجيش، في 11 أبريل/نيسان من العام ذاته، على عزل عمر البشير من الرئاسة (1989-2019)، في ظلّ تردّي الأوضاع الاقتصادية.

وضمّ الائتلاف آنذاك، تجمّع المهنيين، وتحالف "نداء السودان"، و"قوى الإجماع الوطني" و"التجمّع الاتحادي"، إضافة إلى قوى المجتمع المدني.

ومنذ 25 أكتوبر/تشرين الأوّل الماضي، يعاني السودان أزمة حادة، حيث أعلن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، حالة الطوارئ، وحلّ مجلسيْ السيادة والوزراء الانتقاليّيْن وإعفاء الولاة، عقب اعتقال قيادات حزبية ووزراء ومسؤولين، مقابل احتجاجات مستمرة ترفض هذه الإجراءات، باعتبارها "انقلاباً عسكرياً".

ويقول البرهان، إنّ الجيش ملتزم باستكمال عملية الانتقال الديمقراطي، وإنّه اتخذ تلك الإجراءات لحماية البلاد من "خطر حقيقي"، متّهماً قوى سياسية بـ"التحريض على الفوضى".

اللاءات الثلاث

ووقّع رئيس الحكومة عبد الله حمدوك والبرهان، الأحد، اتفاقاً سياسياً يتضمّن 14 بنداً، من أبرزها عودة الأول إلى منصبه بعد نحو شهر من عزله، وتشكيل حكومة كفاءات (بلا انتماءات حزبية)، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتعهّد الطرفين بالعمل سوياً لاستكمال المسار الديمقراطي.

وجاء الاتفاق بعد مطالبات دولية وإقليمية للجيش بالعودة إلى الوثيقة الدستورية وإعادة الحكومة المدنية برئاسة حمدوك وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وهي ذات مطالب قوى إعلان الحرية والتغيير في بداية الأزمة، أواخر أكتوبر/تشرين الأوّل الماضي.

ورغم تحقق بعض هذه المطالب بعودة حمدوك إلى رئاسة الحكومة وإطلاق سراح بعض المعتقلين، إلّا أنّ قوى الحرية والتغيير قد تجاوزت ذلك وتبنّت خيار "مقاومة الانقلاب" واتفاق حمدوك والبرهان السياسي.

وبتبنّي الحرية والتغيير، اللاءات الثلاث "لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعيّة"، يعني أنّ الشراكة مع العسكر وصلت إلى نهايتها وفقها، وأصبح إسقاط البرهان ومجلسه السيادي، هدف القوى.

وقبل قرارات الجيش الأخيرة، كان السودان يعيش منذ أغسطس/آب 2019، فترة انتقالية تستمرّ 53 شهراً تنتهي بإجراء انتخابات مطلع 2024، ويتقاسم خلالها السلطة كل من الجيش وقوى إعلان الحرية والتغيير وحركات مسلّحة وقّعت مع الحكومة اتفاق سلام، عام 2020.

"إسقاط الانقلاب"

وبعد ساعات من إعلان وكالة الأنباء السودانية الرسمية ومكتب حمدوك، الثلاثاء، لقاء الأخير بوفد من المجلس المركزي بقوى الحرية والتغيير، نفى الأخير حدوث اللقاء.

وذكرت الوكالة، الثلاثاء، أنّ حمدوك والحرية والتغيير أكّدا "ضرورة وأهمية التوافق على ميثاق سياسي بين مختلف القوى السياسية الفاعلة في المجتمع لضمان نجاح ما تبقّى من فترة الانتقال المدني الديمقراطي".

ونفت قوى الحرية والتغيير، أن تكون اجتمعت مع حمدوك، مؤكّدة أنّها لم تسمِّ ممثّلاً عنها للقاء الأخير وأنّ "من قابله لا يملك تفويضاً من الحرية والتغيير"، وأنّ موقفها "رافض للتفاوض والشراكة مع الانقلابيين، ولن يمنحهم الشرعية".

أمّا تحالف "التجمّع الاتحادي"، أبرز مكوّنات الحرية والتغيير، فقال في بيان: "ننفي لقاءنا بالسلطة الانقلابية ورئيس وزرائها، ولسنا جزءاً من الاجتماع وغير معنيين بما خرج منه".

وقوى الحرية والتغيير، هي من رشّحت حمدوك لرئاسة الوزراء ووزراء حكومته المعزولة، بحسب الوثيقة الدستورية عام 2019.

مع الشارع

يقول المحلّل السياسي، عمرو شعبان، إنّ "قوى إعلان الحرية والتغيير أصبحت لا تمتلك قرارها، فهي تنخرط مع الشارع ومطالبه المتمثّلة في اللاءات الثلاث، وهي تتماهى مع الشارع لأنّه قد تجاوزها بمطالبه بإسقاط الانقلاب والحكم المدني الكامل".

وأضاف المتحدّث لوكالة الأناضول: "هي تحاول أن تُعيد إنتاج نفسها من خلال تماهيها مع مطالب الشارع لا سيّما الأحزاب الأكثر تأثيراً مثل الأمة القومي، والمؤتمر السوداني، والبعث، وكذلك التجمّع الاتحادي".

وأفاد بأنّ "هناك تياراً آخر عقلانياً تمثّله بعض قيادات الحرية والتغيير، والتي ترى أنّها مع مطالب الشارع الرافضة للانقلاب، لكن في ذات الوقت لا ترفض التفاوض مع المكوّن العسكري لتسليم السلطة".

بداية انقسام

يرى المحلّل السياسي، خالد الفكي، أنّ "الحرية والتغيير تحتاج إلى إعادة صياغة ووضع خريطة طريق في ظلّ التطوّرات السياسية بالبلاد".

وأشار الفكي إلى "التباين بين تيارات قوى الحرية، حيث إنّ البعض يعتبر ما حدث من قائد الجيش انقلاباً، وهناك قيادات أخرى تبارك لحمدوك خطواته بتوقيع الاتفاق السياسي".

وأضاف: "لهذا التباين تحتاج قوى الحرية والتغيير للتوحّد والتوصّل لاتفاق مثل ما حدث منها في مواجهة الرئيس المعزول عمر البشير".

وأردف: "إذا لم تضع قوى الحرية والتغيير خطة واضحة للتعامل مع حمدوك، سيلجـأ إلى العسكر وقوى الميثاق الوطني بقوى التغيير والقوى المجتمعية الأخرى من إدارة أهلية وطرق صوفية".

ولفت إلى أنّ "بداية الانقسام وضحت من خلال مشاركة قيادة من قوى الحرية والتغيير في التوصّل لاتفاق سياسي بين البرهان وحمدوك وهذا بمثابة بداية انقسام حقيقي في هذه القوى".

وكانت وسائل إعلام محلية، أفادت بمشاركة قيادات في الحرية والتغيير، على رأسهم فضل الله برمة ناصر، في التوصّل للاتفاق السياسي بين البرهان وحمدوك.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً