لم تتمكن الأمم المتحدة من تنفيذ كامل لاتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا بعد اقتراب نهاية المدة المحددة والمتفق عليها بين أعضاء اللجنة العسكرية الليبية المشتركة لإخراج المرتزقة من البلاد.

استمرّ تدفق المرتزقة من شركة فاغنر الروسية ومليشيات الجنجاويد والتشاديين الداعمين للواء المتقاعد خليفة حفتر على الأراضي الليبية بعد دعمها للأخير في الحرب على العاصمة طرابلس.

وتعود ملكية شركة فاغنر الأمنية الروسية لرجل الأعمال يفغيني بريغوجين، المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما شاركت الشركة في حروب ونزاعات خارجية من بينها الصراع في سوريا.

ويرى مراقبون ومحللون أن شركة فاغنر الروسية تنفذ مهامَّ خارجية لا ترغب موسكو في تبنيها رسمياً، إذ تُعرف بدورها في ضمّ القرم والانخراط في الاشتباكات شرق أوكرانيا إلى جانب الانفصاليين، إضافةً إلى التدخل في دول إفريقية عبر دعم حركات انفصالية.

وكان أعضاء اللجنة العسكرية الليبية المشتركة "5+5" اتفقوا بدعم أممي في 23 من أكتوبر الماضي في مدينة جنيف السويسرية على اتفاق لوقف إطلاق النار يُلزِم جميع المرتزقة مغادرة ليبيا في غضون ثلاثة أشهر من توقيع الاتفاق ونزع الألغام وإعادة القوات المحلية إلى ثكناتها العسكرية وفتح الطريق الساحلي حيث تحتشد القوات قرب مدينة سرت الليبية.

ومن المقرَّر أن يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً حول ليبيا في 28 يناير/كانون الثاني الجاري بعد تعثره في إصدار قرار لدعم أعمال البعثة الأممية في ليبيا في إرسال مراقبين دوليين إلى ليبيا لإخراج المرتزقة من البلاد بالتنسيق مع اللجنة العسكرية الليبية المشتركة.

وتُعِدّ بريطانيا مشروع قرار سيُقدَّم لمجلس الأمن الدولي يوسّع مهامَّ البعثة الأممية في ليبيا لتشمل الإشراف على وقف إطلاق النار ومراقبة انسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا.

التشاور أولاً

أكّد عضو المجلس الأعلى للدولة بالقاسم دبرز في تصريح له لـTRT عربي، أن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا لم تتشاور إلى الآن مع السلطات الليبية في طرابلس بشأن نشر مراقبين دوليين أو قوات محدودة في ليبيا.

وأضاف دبرز: "نعتقد أن نشر أي قوات دولية أو مراقبين مدنيين يجب التشاور فيه مع الجميع ولا تقرّره البعثة الأممية وحدها، كما أن تسمية هذه القوات أو فرق المراقبة ومهامها مهمّ جدّاً لنا، وهذا أمر نرفضه ما لم نتبين تفاصيله الكاملة".

وأفاد دبرز بأن حفتر يمارس عادته بالكذب على الجميع في ظلّ تزايد أعداد المرتزقة الذين يجوبون جنوب وشرق ليبيا دون أي إدانة دولية واضحة لتحركات المرتزقة في ليبيا.

واعتبر دبرز أن الأخبار المتناقَلة تشير إلى أن أمر المرتزقة الروس والأفارقة خرج من يد حفتر، ولم يعد باستطاعته إنهاء وجود المرتزقة لكونه أداة تحرّكها أطراف خارجية كما تميل مصالحها.

هرب من الواقع

وأكّد الخبير الاستراتيجي عادل عبد الكافي لـTRT عربي، أن خطوة نشر مراقبين دوليين مدنيين أو عسكريين في ليبيا لن يكون لها تأثير حقيقي، وهي محاولة للهرب من الواقع على الأرض.

ويرى عبد الكافي أن امتلاك المرتزقة الروس أسلحة هجومية فتاكة داخل الأراضي الليبية من بينها أسلحة من الجيل الثالث والرابع وطيران حربي متطور، هو المشكلة الحقيقية التي ستواجه أي فريق أمني تحاول البعثة الأممية إرساله إلى ليبيا".

وأردف قائلاً ما تحتاج إليه الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي هو إيجاد آلية واضحة وفق جدول زمني لإخراج المرتزقة الروس بأسلحتهم من الأراضي الليبية، وقتها نتحدث بالفعل عن تحقيق أولى خطوات الاستقرار ونهاية تهديد العمليات العسكرية التي يحاول حفتر بين حين وآخر التلويح بها لبَثّ الذعر في العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية".

وأفاد عبد الكافي بأن مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا ستيفاني ويليامز تحدثت منذ فترة عن تحديد مدة 90 يوماً لإخراج المرتزقة من ليبيا، وقد انقضت هذه المدة ولم تُحقَّق أي خطوة في هذا الاتجاه، بل حدث عكس ذلك، إذ نرى المناورات والانتشار المتزايد للأسلحة الثقيلة والمتوسطة وانتشار المرتزقة وتدريب شركة فاغنر الروسية لهم بكثافة في معسكرات التدريب الليبية.

وأشار عبد الكافي إلى أن انتقال المرتزقة الروس من مكان إلى آخر داخل الأراضي الليبية واقترابهم من حقول مواني النفط يشكّل أكبر خطر حقيقي على المورد الأساسي للشعب الليبي.

وأوضح عبد الكافي أن مصر بدأت تتراجع عن دعم حفتر عسكرياً بعد إرسال الحكومة المصرية وفداً رفيع المستوى إلى طرابلس بالتزامن مع تخلِّي بعض الدول عن حفتر بعد هزيمته المذلّة في طرابلس، إضافة إلى تركيا، عبر الاتفاقية الأمنية التركية-الليبية التي ساهمت في منع تدخلات سلبية لبعض الدول الأوروبية الداعمة لحفتر في ليبيا.

روسيا المعرقِلة

اعتبر مدير مركز إسطرلاب للدراسات عبد السلام الراجحي، أن روسيا ستعرقل أي اتفاق في اللجنة العسكرية المشتركة "5+5" المدعومة من قبل الأمم المتحدة.

وتابع الراجحي قائلاً لـTRT عربي بأن مهمة إرسال مراقبين دوليين إلى ليبيا تتطلب قراراً من مجلس الأمن الدولي، وروسيا في مجلس الأمن لن تقبل بوجود مراقبين دوليين في ليبيا يشكّلون خطراً وعائقاً أمام وجود قواتها من شركة فاغنر الروسية في ليبيا، كما أنها ستعارض أي قرار يهدف إلى فرض عقوبات على الدول المتدخلة سلبياً في ليبيا".

وأوضح الراجحي أن روسيا تمكنت من تحقيق موطئ قدم لها عبر وجود عسكري في ليبيا، إذ تسعى موسكو حاليا للاستفادة من عملية وقف إطلاق النار بتعزيز مصالحها في ليبيا من خلال تهيئة البنية التحتية في المعسكرات الليبية التي يتمركز بها مرتزقة شركة فاغنر الروسية لتحقيق وجود دائم في ليبيا وشمال إفريقيا قبالة الشواطئ الأوروبية.

وأشار الراجحي إلى أن الإمارات فشلت في خرق وقف إطلاق النار بحكم أن صاحب القرار روسي من جهة حفتر، كما تعثرت أبو ظبي في محاولة الضغط على حلفائها لوقف الوجود الروسي في ليبيا.

ويرى أن المشكلة الحقيقية تكمن في الوجود العسكري الروسي الذي سيستمر لسنوات في ظلّ وقف إطلاق النار الدائم وعدم وجود خطة أممية واضحة لإخراج المرتزقة الروس من الأراضي الليبية.

وارتفعت أعداد المرتزقة في ليبيا إلى نحو 20 ألف شخص وفقاً للمبعوثة الأممية إلى ليبيا ستيفاني ويليامز، التي أكدت مؤخراً وجود 10 قواعد عسكرية أجنبية في ليبيا.

وتسعى الأطراف السياسية الليبية إلى العمل على إخراج المرتزقة الداعمين للواء المتقاعد خليفة حفتر من أجل قطع الطريق أمامه تجاه أي عمل عسكري مستقبلاً، إضافة إلى إنهاء حالة الخطر وتهديد المرتزقة للمدنيين في ليبيا التي يتسبب فيها وجود المرتزقة هناك.

وتدعم بعثة الأمم المتحدة في ليبيا ثلاثة مسارات بين الأطراف الليبية، بينها المسار العسكري عبر اللجنة العسكرية الليبية المشتركة "5+5" من أجل الدفع بإخراج المرتزقة الداعمين لحفتر من ليبيا.

TRT عربي