يشهد الملف النووي حالةً منَ المد والجزر، فقد صرّح وزير الخارجية الإيراني محمّد جواد ظَريف بأن إيران ستُضطر إلى الانسحاب من اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية التي وقعت عليها عام 2015 مقابل رفْع العقوبات عنها، إذا ما أحيل الملف إلى مجلس الأمن.

تأتي تهديدات وزير الخارجية الإيراني نتيجة تفعيل فرنسَا وألمَانيا وبريطَانيا، آلية فض النزاع ضد إيران ونشاطها النووي.

آلية فضّ النزاع وتداعياتها على إيران

تعتبر آلية فضّ النزاع أحد الإجراءات التي يمكن لأحد أطراف الاتفاق النووي اللجوء إليها لمعالجة مشكلةٍ ما، نظراً إلى تخلف الطرف الآخر عن التزاماته. وتستغرق نحو 65 يوماً، إلا في حالةِ الاتفاق بالإجماع على تمديدها.وتمرّبست مراحل:

المرحلةالأولى: تشكيل لجنة مشتركة تضم الدول الموقعة على الاتفاق النووي، عند وجود طرف غير ملتزمٍ تعهداته، ويكون أمام هذه اللجنة 15 يوماً لحل المشكلة، إلا إذا اتُّفق بالإجماع على تمديدها.

المرحلة الثانية: إذا لم تُحلّ المشكلة فيجب إحالتها إلى وزراء خارجية الدول الأطراف في الاتفاق النووي، خلال 15 يوماً قابلة للتمديد.

المرحلة الثالثة: الاستعانة بلجنة استشارية، عضوان منهما يمثلان طرفي النزاع وعضو مستقل.

المرحلة الرابعة: يحقّ للطرف الشاكي (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) في حالة عدم انتهاء النزاع التحلل من التزاماته كلياً أو جزئياً، بشرط إخطار مجلس الأمن بالجهود المبذولة بنية حسنة خلال المراحل السابقة وحتى نهاية عملية فض النزاع.

المرحلة الخامسة: خلال ثلاثين يوماً يجب على مجلس الأمن أن يصوت على قرار الاستمرار بتخفيف العقوبات على إيران، ويحتاج إصدار هذا القرار إلى موافقة تسع دول أعضاء، وتُمنع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن من استخدام حق النقض الفيتو.

المرحلة السادسة والأخيرة: إذا لم يصوت مجلس الأمن خلال الثلاثين يوماً على قرار تخفيف العقوبات على إيران، فيعاد فرض العقوبات التي وردت في كل قرارات الأمم المتحدة السابقة، إلا إذا قرر مجلس الأمن غير ذلك.

واتخذت كلٌ من فرنسا وألمانيا وبريطانيا هذه الخطوة بهدف إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن بغرض توقيع العقوبات الدولية التي ينصّ عليها القانون الدولي في حالة عدم التزام أحد الدول الأطراف في المعاهدة ما وقّع عليه، إذ تعتبر كل من الدول الثلاثة إيران غير ملتزمة اتفاقها النووي، بسبب تقليص إيران التزاماتها النووية، إذ التزمت إيران أن لا تزيد نسبة تخصيب اليورانيوم على 3.67 في المئة، وهو الأمر الذي اخترقته مؤخراً بزيادة نسبة التخصيب على أراضيها.

من جهته قال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي بيترْ ستانو، إن "إعلان طهران الانسحاب من الاتفاق النووي إذا طُبّق، فسيشكل خروجاً كبيراً عن التزامات إيران النووية، بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة".

وأكد الرئيس الإيراني حسَن روحاني، وهو مهندس الاتفاق النووي، أن عملية زيادة تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 بالمئة، قد بدأت بالفعل، بعد اتخاذ الإجراءات الأولية مثل إبلاغ وكالة الطاقة الذرية، وتقديم استبيان بشأن التزامات السلامة من جانب إيران.وأضاف في تصريحات له أن طهران لا تسعى لامتلاك سلاح نووي، سواء في وجود الاتفاق النووي أو من دونه، ولا للخروج من الاتفاق النووي، مبرراً تقليص التزامات إيران النووية، بعدم التزام الولايات المتحدة، وإعادة فرض عقوباتٍ إقتصاديةٍ أكثرَ قسوة عليها بأمر من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، مما تسبب في أزمةٍ اقتصاديةٍ حادة ما زالت إيران تعاني منها حتى هذه اللحظة.

وكانت منظمة الطاقة النووية الإيرانية أكدت أن اليورانيوم يُستخدم لأغراض سلمية، وأنها لم تنتهك الاتفاق النووي.

وفي هذا الصدد يترتب على تفعيل آلية فضّ النزاع على الملف النووي الإيراني، إعادة فرض عقوبات أممية على إيران وعودة إيران إلى عزلةٍ سياسيةٍ كاملة، والحد من نفوذ طهران الإقليمي، إذا ما أُحيلَ الملف إلى مجلس الأمن.

هل يحقّ لإيران الانسحاب من اتفاقية الحد من انتشار السلاح النووي؟

الأصل أن الدول الموقّعة على الاتفاقية يجب عليها أن تلتزم التزاما تامّاً بنودَ الاتفاقيةِ وأنْ لا تخالفها، ولكن على سبيل الاستثناء فإن المادة العاشرة من اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية تسمح للدول الأعضاء الموقعة على الاتفاقية بالانسحاب منها، وفقاً لمبدأ السيادة الوطنية، ولكن ضمن شروط وقيود معيَّنة، فإذا قررت أن أحداثاً استثنائية ذات صلة بموضوع المعاهدة قد أضرّت بمصالحها القومية العليا، ففي هذه الحالة يحقّ للدولة الانسحاب من المعاهدة التي وقّعَت عليها، ويجب عليها إعلان ذلك الانسحاب قبل ثلاثة أشهر من وقوعه، إلى جميع الدول الأطراف في المعاهدة، وإلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

كما يجب عليها إقناعهم بالضرر الواقع عليها جرّاء بقائها طرفاً في المعاهدة، وهناصرّح أستاذ القانون الدولي بجامعة طهران يوسف ولائي،في تعليق له نشرته صحيفة "آرمان ملي" الإيرانية،بأن "انسحاب إيران من الاتفاق النووي لن يصبّ في مصلحة بلاده"، محذراً من "الضغوط السياسية والقانونية التي ستلاحق إيران في حالة انسحابها".

وأكد ولائي أن خروج إيران من الاتفاق النووي "سيسبّب أزمةً دوليةً كبيرةً لإيران، وسيُوقِعها تحت طائلة العقوبات الدولية"، مشيراً إلى أن "الخروج الأحادي ستفسّره الأوساط الدولية بأن إيران لا ترغب في رقابة المنظمات الدولية على أنشطتها النووية"، وإلى "توقعات سلبية بشأن برنامج إيران النووي، واحتمالات خروجه من إطاره السلمي".

وفيهذاالسياق قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفائيل غروسي، إن إيران لم توفر حتى الآن بيانات مطلوبة بشأن بعض أنشطتها في ثلاثة مواقع لم يُعلَن عنها سابقاً، وإن وجود يورانيوم في موقع إيراني غير معلن عنه دليل على وجود أنشطة غير معلنة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الخروج من الاتفاق لا يعني السماح بانتهاك القوانين والمواصفات الخاصة بالطاقة الذرية، وأي انتهاك لها سيعرّضها لتدخل مجلس الأمن الدولي، بهدف حماية السلم والأمن الدولي، وسيوقّع عليها عقوبات دولية متعددة، منها العقوبات الاقتصادية، وهدفها إلزامها التعاون مع القانون الدولي. وقد فُرضَت مثل هذه العقوبات على العراق عام 1990، بعد غزو العراق للكويت. ومنها العقوبات الدبلوماسية التي تتضمن الحد من العلاقات الدبلوماسية أو إزالتها، بالإضافة إلى العقوبات العسكرية التي تشمل التدخل العسكري، وغيرها من العقوبات الدولية التي قد يفرضها مجلس الأمن على إيران في حالة خروجها من الاتفاق النووي، بخاصة مع زيادة نشاطها النووي، وعدم التقيد بالتزاماتها الموقَّعة عليها. وتصنَّف العقوبات الاقتصادية الأشدّ من بين جميع العقوبات، وهي التي تخشاها إيران فعلياً.

وزراء خارجية فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي وإيران والمملكة المتحدة والولايات المتحدة بالإضافة إلى الدبلوماسيين الصينيين والروس يعلنون إطار عمل لاتفاق شامل حول البرنامج النووي الإيراني (لوزان ، 2 أبريل 2015). (Others)

وفي هذا السياق قال الدكتور حسن أحمديان، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة طهران،في لقاء له عبر قناة الجزيرة،إن "العقوبات الأممية التي قد يفرضها مجلس الأمن على إيران ستؤدي إلى إنهيار الاقتصاد الإيراني، بخاصة بعد العقوبات الأحادية التي فرضتها واشنطن التي تسببت في أزمة اقتصادية حادة للبلاد، وإيران لا تبحث عن التصعيد، وهذا واضح في سلوكها، فوفق 15 تقريراً للمنظمة الدولية للطاقة الذرية تَأكَّد التزام إيران الاتفاق النووي، ولكن الولايات المتحدة وأوروبا لم تلتزما الاتفاق النووي، ولن تكون إيران الوحيدة التي ستدفع ثمن انهيار الاتفاق النووي".

وهنا قال كورونيليوس أديبار، الباحث في مركز كارنيجي،في ذات اللقاء، إنّ "أوروبا تأمل الحفاظ على الاتفاق النووي على قيد الحياة، وعلى إيران أن تضبط نفسها، وأوروبا لا تريد الوصول إلى مجلس الأمن، وعلى إيران إيجاد حلّ وتسوية مشتركة مع الدول الثلاث"، مشيراً إلى أن "إدارة ترامب مارست ضغوطاً على الدول الثلاث من أجل تفعيل آلية فضّ النزاع ضدّ الملف النووي الإيراني، ويرى مراقبون أن تفعيل آلية فض النزاع إجراء له إيجابياته، وهي فرصة لجميع الأطراف للوصول إلى تسوية مُرضِية من أجل الحفاظ على بقاء الاتفاقية على قيد الحياة".

يرى الخبراء أنه ليس من مصلحة إيران الخروج من الاتفاق النووي ولا من الانسحاب من اتفاقية الحد من الانتشار النووي، لما سوف يترتب على ذلك من أزمات وعقوبات ستواجهها طهران، وهي التي تسعى إلى تخفيف الضغوط الدولية عنها نظراً إلى الوضع الاقتصادي المتردي الذي وصلت إليه.

TRT عربي