مع دخول الملايين في العالم الحجر المنزل للوقاية من فيروس كورونا، تصاعدت المخاوف من انقطاع في خدمة الإنترنت نظراً لزيادة الاستخدام.

في واحدة ربما من أكثر اللحظات التي سوف تتذكرها أجيالٌ قادمة لسنوات عديدة تلك الشوارع والساحات والميادين والطرقات للعشرات وربما للمئات من المدن العالمية التي خلت بشكل شبه تماماً من روادها المعتادين. لقد دخل الملايين من الناس حول العالم في الحجر الطوعي أو الإلزامي لتفادي الإصابة بعدوى فيروس كورونا COVID-19 الذي يضرب العالم منذ تفشِّيه في مدينة ووهان الصينية ديسمبر/كانون الأول 2019.

مع انتقال الملايين إلى بيوتهم، برزت الحاجة إلى شبكة الإنترنت بشكل ربما لم نشهد له مثيلاً منذ أن أصبحت الشبكة متاحة للاستخدام المدني قرابة ثلاثة عقود خلت. لقد أصبح الجميع يحتاج إلى الشبكة العنكبوتية من أجل إتمام أعماله اليومية والتواصل مع زملائه أو زبائنه. وعشرات الملايين من الطلاب والمُدرّسين لم يجدوا غير الإنترنت طريقاً لإتمام واجباتهم التعليمية والبحثية. هذا فضلاً عن تهافت الناس على الشبكة طلباً للترفيه، ولقضاء مزيدٍ من الوقت أمام الشاشات لمشاهدة ما تقدمه كبرى شركات البث من مسلسلات وأفلام وبرامج ترفيهية.

كان لدى المراقبين قلق مبرر من أن شبكة الإنترنت ربما لا تصمد أمام الزيادة الكبيرة المتوقعة في الاستخدام. خصوصاً مع رصد لمثل هذه الزيادة بمعدلات كبيرة في بعض المناطق أحياناً. فشركة الاتصالات العملاقة فودافون التي تعمل في أكثر من65دولة حول العالم، قالت على سبيل المثال، بأنها "شهدت بالفعل زيادة في حركة البيانات على شبكة الإنترنت بنسبة 50% في بعض الأسواق".

طبعاً لا يمكن تعميم هذه الزيادة على أقاليم العالم كافة بالمقدار نفسه. بلا شك وُجد تفاوت ملحوظ من منطقة إلى أخرى حسب شدة إجراءات العزل المتبعة. ففي مدينة سياتل الأمريكية على سبيل المثال كانت الزيادة تقدر بحوالي 40%، في حين شهدت إيطاليا التي تعتبر مركز الوباء الآن في أوروبا زيادة بنسبة 30%. أما في بعض دول آسيا مثل كوريا الجنوبية فلم تقفز نسبة الاستخدام فيها كثيراً إذ لم تتعدَّ 5%، حسب بيانات نشرتها شركة Cloudflar. في المجمل فإن الزيادة في استخدام شبكة الإنترنت عالمياً وفقاً للبيانات التي نشرتها شركة Oakle المتخصصة في مراقبة سرعة الإنترنت تتراوح ما بين 12و 15%.

هذه المؤشرات تدل على أن انقطاعاً شاملاً للإنترنت حول العالم بسبب فيروس كورونا غير ممكن على المدى القريب والمتوسط على أقل تقدير، كما يستبعد خروجه عن الخدمة، وذلك يعود إلى عدة أسباب من أهمها:

أولاً:  شبكة الإنترنت العالمية تتكون من مئات -بل من آلاف- الشبكات الفرعية المتداخلة فيما بينها، وهي شبكات تتبع المئات من الشركات والجامعات والمؤسسات الحكومية والخاصة حول العالم. إن الشبكة التي نستخدمها يومياً هي حصيلة اتصال لأكثر من4مليارات جهاز رقمي ما بين حاسوب، وأجهزة لوحية محمولة، وهذا ما يمنح الشبكة تلك المرونة الكافية للتعامل مع مثل هذه الأزمات في حال نتج عنها زيادة معقولة في الاستخدام.

خريطة تظهر نقاط التبادل للإنترنت حول العالم
خريطة تظهر نقاط التبادل للإنترنت حول العالم ()

إن اتساع نقاط تزويد الخدمة وانتشارها حول العالم منح شبكة الإنترنت تلك الميزة في التكيف مع المخاطر التي تنجم عن زيادة الاستخدام. وعلى عكس ما توقع دافيد كلارك، الأستاذ بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي كان كبير مصممي بروتوكولات الإنترنت طوال معظم عقد الثمانينيات، في مقالته التي نشرها في مجلة "تكنولوجي ريفيو" المرموقة عام 2005 وتنبأ فيها بانهيار وشيك لشبكة الإنترنت، فإن الشبكة لا تزال تعمل بفاعلية كبيرة وتثبت أنها قادرة على الاستمرار والتكيف.

في الحقيقة إن الخطر على شبكة الإنترنت لا يكمن في زيادة معدلات الاستخدام ضمن النطاق المعقول، بل من الهجمات التي قد تتعرض لها الشبكة من قبل القراصنة أو (الهاكرز)، أو بسبب تخريب متعمّد تقوم به إحدى الدول لشبكة كيبلات الألياف الضوئية للشبكة القابعة تحت المحيطات، أو من خلال عَجْزٍ كهربائي عن تزويد الشبكة بالطاقة الكافية خصوصاً مع الزيادة الهائلة في طلب مراكز البيانات للطاقة الكهربائية.

ثانياً: الإشكاليات البسيطة التي أصابت أداء شبكة الإنترنت بشكل عام في بعض المناطق في العالم لم تأتِ نتيجة خلل في بنية الشبكة أو فاعليتها الاستيعابية، بل بسبب إعادة توزيع الاستخدام. فبعد أن كان الاستخدام يتركز في أماكن العمل والدراسة والبحث، أي في الشركات والجامعات والمدارس والمؤسسات، أصبح، على إثر عمليات الحجر، يتركز في البيوت وأماكن الإقامة.

إذن، ما حدث في جوهره هو عملية إعادة توزيع للاستخدام، وبما أن هذه العملية قد جرت بطريقة فجائية إذ إن غالبية المستخدمين ومزودي خدمة الإنترنت لم يكونوا مستعدين لها، فقد حدث ضغط على بعض الشبكات أدى إلى تباطؤ خدماتها كما حدث مع بعض مزودي خدمة الاتصالات في المملكة المتحدة.

في الحقيقية، المشكلة لا تكمن في قدرة شبكة الإنترنت على التحمّل. فالكثير من مزودي خدمة الإنترنت وكذلك الشركات التكنولوجية يقولون إن سعة كافية في قدرة الشبكة على تحمل الزيادة في الاستخدام، بالأخير إن نسبة الـ50% زيادة في الاستخدام التي تحدثت عنها شركة فودافون على سبيل المثال، لا تعني أن زيادة بنسبة 50% في عدد المستخدمين. إنما تكمن في الزيادة المفاجئة وعلى نطاق واسع للخدمة. وربما من أكثر الخدمات عرضة لمثل هذا الأمر هي خدمة حزم الإنترنت على شبكات الاتصالات. هذا ما أثبتته البيانات القادمة من بعض دول شرق آسيا على سبيل المثال، إذ شهدت هذه الدول تباطؤاً في سرعة تحميل الإنترنت.

ثالثاً: ما حدث أن الزيادة في الاستخدام بالإضافة إلى أنها كانت ضمن النطاق المعقول، لم تجرِ على نطاق الشبكة ككل بل على نطاق بعض الخدمات. من هذه الخدمات كما تقدَّم، خدمة حزم الإنترنت على شبكات الاتصالات، بالإضافة إلى خدمة برامج اتصالات الفيديو مثل Zoom، وخدمة الألعاب الإلكترونية، وقنوات الترفيه مثل Netflix و Hulu.

على سبيل المثال، شركة البث الكبرى Netflix التي تحوز وحدها على 167 مليون مشترك في جميع أنحاء العالم، وتدر إيراداتها السنوية ما يقرب من 20 مليار دولار، قد استطاعت أن تزيد نسبة الاشتراك فيها مؤخراً بنسبة 30% في بعض المناطق خصوصاً في جنوب شرق آسيا.

بالنسبة إلى مالك شركة Zoom، إريك يوان البالغ من العمر 50 عاماً، فقد استطاع أن يضيف إلى ثروته خلال شهرين ما يقرب من مليارَي دولار. فقد جعل فيروس كورونا من خدمة Zoom لاتصالات الفيديو من أفضل البرامج التي يلجأ إليها الناس لإتمام أعمالهم عن بعد. وبذلك يكون فيروس كورونا قد منح يوان فرصة أن يدخل ضمن تصنيف بلومبرج للمليارديرات، وهو تصنيف لأغنى 500 شخص في العالم، لأول مرة إذ حظي بالمرتبة 274 بثروة بلغت 5.6 مليار دولار.

المدير التنفيذي لشركة اتصالات الفيديو Zoom إريك يوان
المدير التنفيذي لشركة اتصالات الفيديو Zoom إريك يوان ()

ما نشهده هنا في الأساس إذن هو تغير في طبيعة الاستخدام وليس في الاستخدام بحد ذاته. ولذلك استطاعت بعض هذه الخدمات التماشي بشكل سريع وسلس مع هذا التغير للحفاظ على خدمة الإنترنت متصلة. على سبيل المثال اتبعت شبكة نتفليكس سياسة تعرف بـAdaptive Bitrate Encoded Streaming، وتعني تخفيض جودة الصورة إلى الحد الذي يخفف الحمل على الشبكة. وقد خفضت نتفليكس حقيقة جودتها صورتها بمقدار 25% في بعض المناطق مثل أوروبا. أما Zoom، فقد قالت إن فرق مهندسي العمليات التابعة لها تعمل على إضافة خوادم جديدة في جميع مراكز البيانات التابعة لها والتي تقدر بـ17مركزاً.

في السياق ذاته، أبدى بعض مزودي خدمة الإنترنت استعدادهم لزياد السعة لدى شبكاتهم إذا اقتضت الحاجة. فشركة فودافون زادت من سعة خدماتها المقدَّمة إلى المستشفيات والأطباء في المملكة المتحدة. أما في الولايات المتحدة، فقد فتحت شركة Comcast شبكتها من نقاط اتصال WiFi لتصبح مجانية للعملاء وغير العملاء على حد سواء.

المصدر: TRT عربي