على إثر تفشي فيروس كورونا المستجد، عمدت حكومات بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى إقرار تدابير أمنية واقتصادية واجتماعية لمحاصرته. فهل ساهمت الأزمة الراهنة في شحن ثقة المواطنين بالمؤسسات؟ وكيف يمكن استثمار هذه الثقة لمرحلة ما بعد كورونا؟

شكّل انتشار فيروس "كورونا" المستجد، اختباراً حقيقيّاً لمدى قوة مؤسسات بلدان المنطقة العربية والمغاربية، في إدارة الأزمة الحالية وتدبيرها، وأيضاً حول مستوى ثقة المواطنين بكفاءة التدابير التي اتخذتها دولهم، على المستويات الاقتصادية الاجتماعية والسياسية والأمنية، تحت وطأة هذه الجائحة.

على إثر تفشي الفيروس، عمدت حكومات بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى إقرار عدد من التدابير الأمنية والاقتصادية الاجتماعية، التي نجحت إلى حدود اللحظة، في محاصرة الفيروس والتحكم فيه وتفادي سيناريوهات بلدان الجنوب الأوروبي، حسب ما تظهره أرقام الحالة الوبائية بالمنطقة ومعطياتها، كما ساهمت كما يبدو أنها في استعادة جزء من ثقة المواطنين بمؤسسات بلدانهم، بعدما ظلت طيلة سنوات منحسرة أو معدومة.. فإلى أي حد ساهمت الأزمة الراهنة في شحن هذه الثقة، وكيف يمكن استثمارها لمرحلة ما بعد كورونا؟

استعادة الثقة

بالنسبة إلى رئيس المركز الديمقراطي المغربي للدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية سعيد خمري، فإن أزمة فيروس كورونا "ساعدت عموماً في استعادة منسوب من ثقة مواطني المنطقة بمؤسساتهم، مقارنة بفترات سابقة"، غير أنه أضاف مستدركاً: "لكن لا يمكن تعميم الأمر على مختلف بلدان المنطقة"، مشيراً إلى أن دولاً سارت في مسارات الإصلاح السياسي والمؤسساتي وقطعت أشواطاً في هذا المجال، مقابل دول أخرى، لا تزال تتعثر في مسار البناء المؤسساتي الصحيح.

بالإضافة إلى شرط البناء المؤسساتي، أبرز أستاذ العلوم السياسية في تصريح لموقع TRT عربي، أن تباين منسوب هذه الثقة أيضاً يتوقف عند الخطوات والإجراءات التي اتخذتها كل دولة على حدة لمواجهة الأزمة، مسجّلاً أن البلدان التي بادرت منذ البداية باتخاذ تدابير صارمة لحماية مواطنيها ومحاصرة انتشار الوباء، ترتفع في صفوف مواطنيها الثقة، عكس الدول التي تأخرت وترددت قبل إقرار أي إجراء، فيبرز نوع من الشك والقلق بين سكانها. وأضاف المتحدث أنه توجد مؤشرات ثقة واضحة خلال هذه الظرفية، مع ما يحيطها من عوامل نفسية كالخوف من الموت والقلق من المستقبل، تدفع إلى لتمسك بمؤسسات البلد.

عودة جوّ الثقة يؤكّد أنّ موقف مواطني المنطقة بصفة عامة ليس سلبياً تجاه المؤسسات في بلدانهم وأنهم يغيرون رأيهم ومواقفهم تجاه المؤسسة أو الفاعل العمومي عندما تتحسن الخدمات المقدّمة.

رشيد أوراز، باحث بالمعهد المغربي لتحليل السياسات

عودة جوّ الثقة حسب رشيد أوراز، باحث بالمعهد المغربي لتحليل السياسات، يؤكّد أنّ موقف مواطني المنطقة بصفة عامة ليس سلبياً تجاه المؤسسات في بلدانهم، وأنهم يغيرون رأيهم ومواقفهم تجاه المؤسسة أو الفاعل العمومي عندما تتحسن الخدمات المقدّمة، مشيراً إلى أن "على الحكومات في المنطقة أن تعرف أن الثقة فيها، يمكن أن تكبر كما يمكن أن تضعف، ويتوقف ذلك أساساً على مدى خدمتها للمواطنين ومدى تحسينها لجودة الخدمات العامة".

استثمار المرحلة

خلال السنة الماضية بيّنت استطلاعات للمؤسسة البحثية "الباروميتر العربي"، كون منسوب ثقة مواطني بلدان شرق أوسطية ومغاربية عدة في مؤسسات دولهم، منخفض أو مهزوزٌ، خصوصاً مؤسسات الحكومة والبرلمان والأحزاب، كاشفة أن نسب عدم الرضا بخصوص خدمات وواقع هذه الجهات، تسجل بنسب متفاوتة من بلد إلى آخر.

حول ما إن كانت هذه الثقة ظرفية تسم الفترة الحالية فقط، وبتجاوزها سيعود منسوبها إلى ما كانت عليه خلال السنوات الماضية، قال رشيد أوراز إنه يتوقع أن تزداد الثقة، إذا تجاوزت الحكومات هذه المرحلة بأقل الخسائر، بينما سيتراجع إلى مستويات دنيا قد تعصف باستقرار بعض دول المنطقة، إذا فشلت الخطط في مواجهة هذا الوباء على المستوى الصحي والاقتصادي والاجتماعي.

وأضاف الباحث الاقتصادي المغربي في تصريح لـTRT عربي، أن على حكومات المنطقة أن تشتغل خصوصاً على تجويد خدمات التعليم والصحة لأنها هي التي تحدد جودة الرأسمال البشري، كاشفاً أن أزمة "كورونا"، أظهرت أن نجاح أية سياسة عمومية يتوقف على جودة الرأسمال البشري في البلد، سواء في التزام التدابير التي تضعها الدولة أو فيما يتعلق بمستوى اقتصاد البلد، موضحاً أنه إذا كان اقتصاد البلد متطوراً فإنه سيتجاوز آثار أية صدمة مستقبلية مهما كانت قوية.

وعن الطريقة المثلى لاستثمار جو الثقة الذي يطبع المرحلة الحالية خلال فترة ما بعد كورونا، أبرز سعيد خمري أن استمرار الروح الإيجابية التي تسود عدداً من دول المنطقة خلال المرحلة الحالية، رهين بما ستفضي إليه نتائج الوضع، مسجلاً أن المسألة غير متعلقة بالجانب الأمني وفرض القانون بالقوة، بقدر ما ترتبط بإجراءات الدول لما بعد "كورونا" وتدبير تداعيات هذه الأزمة.

استمرار الروح الإيجابية التي تسود عدداً من دول المنطقة خلال المرحلة الحالية رهين بما ستفضي إليه نتائج الوضع.

سعيد خمري، باحث اقتصادي

واعتبر الأستاذ الجامعي أن دول العالم، بعد الأزمة ستعيد النظر في النظام العالمي الجديد، إذ أضحى الاندماج المطلق سيّما في الشق الاقتصادي محط تساؤل، مبرزاً أن على دول المنطقة الانخراط لمواكبة العالم، وتحديث مؤسساتها ومعالجة مشاكلها الاقتصادية المتفاقمة، من خلال البناء الديمقراطي وضمان الحقوق الاجتماعية، استعداداً للتغيرات المنتظرة ولأي أزمات مستقبلية أخرى.

روح تضامنية عالية

الثقة المسجلة خلال الفترة الحالية لانتشار فيروس "كورونا"، انعكست أيضاً على جوانب أخرى من المجتمع، يمكن ملامستها من خلال قوة روح التضامن والتكافل بين المواطنين، إذ برز منذ إقرار حالة الطوارئ الصحية عدد من المبادرات المجتمعية للتعاون مع الفئات الأكثر حاجة، التي يرتبط معيشها اليومي بالخروج والعمل، خصوصاً الأشخاص الذين يعملون بالقطاعات الاقتصادية غير المهيكلة والفئات الهشة من مسنين وأرامل وأشخاص في وضعية إعاقة، الذين تفاقمت أوضاعهم الاجتماعية نتيجة الظرف الحالي.

الأستاذ الباحث في سوسيولوجيا الصحة وأنثروبولوجيا المرض صلاح الدين لعريني قال في تصريح لموقع TRT عربي، إن قيم التضامن تبرز أكثر في حالات الأزمة والكوارث، وهو ما نعاينه اليوم في زمن كورونا، على أكثر من صعيد، مبرزاً أن "المجتمع في لحظات الأزمة يرتد إلى ذلك ويعتمد على نفسه من أجل مواجهة مصيره بنفسه، خصوصاً أن هذه الجائحة كشفت عن هشاشة مفهوم التضامن أو التعاون الدولي وزيفه، في مقابل ذلك أظهرت قوة التضامن المحلي والجهوي والوطني، على حدّ تعبيره.

وفي مقابل الغموض وقتامة المستقبل العالمي للوباء، وُلدت من رحم أزمة "كورونا" مبادرات فردية وجماعية للتعاون بين المواطنين ومساعدة المحتاجين على تجاوز تأثيرات المرحلة السلبية. الباحث السوسيولوجي اعتبر أن هذه المبادرات "ثروة رمزية تستدعي التثمين عبر تعزيز روابط التماسك الاجتماعي وقيم الغيرية من قبيل التكافل والتآزر والتعاون، وعمل على مواجهة قيم الأنانية من قبيل المصلحة الخاصة والفردانية والانعزال الاجتماعي التي بدأت تتجذر في المجتمع، وهي قيم غريبة عن تاريخه الاجتماعي الموسوم بالتضامن الجماعي في زمن المصائب كما في زمن المسرات والأفراح".

المصدر: TRT عربي