ضربات جوية أمريكية على قواعد عسكرية لفصائل مسلحة مرتبطة بإيران في العراق تثير السخط الكبير داخل الحكومة العراقية، وسط مطالبات من سياسيين عراقيين بفرض عقوبات صارمة على كل دولة تخترق سيادة العراق.

فاجأت الولايات المتحدة الأمريكية حلفاءها على وجه الخصوص، حين أعلن وزير دفاعها مارك إسبر عن غارات شنتها مقاتلات أمريكية من طراز F-15 على خمسة أهداف مرتبطة بحزب الله غربي العراق، تزامناً مع سقوط 4 صواريخ كاتيوشا في محيط قاعدة التاجي وسط العاصمة بغداد، التي أدت إلى مقتل أمريكيَّين اثنين وجندي بريطاني.

حكومة عاجزة عن السيطرة

تقف الحكومة العراقية حائرةً عن توضيح موقفها حول الصراعات الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران داخل أراضي العراق، لأنها تنتظر الأوامر التي ستأتي من الجانبين، كذلك فإن الحكومة لا تستطيع السيطرة على الفصائل المسلحة الموالية لإيران، رغم أنها تعمل في إطار شبه رسمي تحت قيادة الجيش العراقي.

بهذا الصدد، صرح رئيس مركز التفكير السياسي العراقي إحسان الشمري، لـTRT عربي، قائلاً: "إن الضربة الأمريكية قد تؤدي إلى ارتباك في المشهد الأمني خصوصاً أن الرد أيضاً سيكون حاضراً من الحشد الشعبي، وبالتالي فمن الممكن أن يتحول العراق إلى أرض اشتباك".

كما أضاف الشمري بأن الحكومة العراقية "لا تزال متخبطة في قراراتها لأنها تخشى خسارة الحلفاء الاستراتيجين، وهذا ما يجعلها في موقف محرج وسط ارتفاع الاحتجاجات على اختراق سيادة العراق من قبل الولايات المتحدة، والسماح بالتلاعب بسياسة العراق من قبل إيران".

وتابع الشمري: "الحكومة العراقية تعيش اضطرابات سياسية كبيرة، وسط زيادة الضغط الشعبي من أجل اختيار مرشح مستقل لرئاسة الحكومة، ومن جانب آخر تتعرض لاختراقات أمنية وعسكرية في أراضيها، لذلك عليها أن تتعامل بطريقة ذكية وتخرج العراق من أزماته وتضبط إيقاع الفصائل المسلحة كي تخرج من أزمتها مع الولايات المتحدة".

ساحة صراع إقليمية

شهد الهجوم الأمريكي الأخير ردود أفعال شعبية غاضبة بسبب المخاوف من جر العراق إلى دوامة الصراع بين الطرفين، في ظل الأوضاع الأمنية الهشة والصراع السياسي الذي تعيشه البلاد في ظل تحكم إيراني بأبرز مرافق السلطة. 

وفي هذا السياق، قال الخبير الاستراتيجي فاضل أبو رغيف لـTRT عربي: "كان البنتاغون يتهم إيران بقصف معسكراته بالعراق، وإذا كانت أمريكا متيقنة من أن طهران هي من نفذت الضربة على معسكرها في قاعدة التاجي، فيجب عليها أن ترد عليها في إيران وليس في داخل الأراضي العراقية".

وأضاف أبو رغيف: "العراق ليس ساحة للتصفيات ولا أرضاً للصراعات، والحشد الشعبي جزء من المنظومة الأمنية، والاعتداء عليه اعتداء على السيادة العراقية".

من جانبه تحدث المحلل السياسي حسين علاوي لـTRT عربي بالقول: "تلعب إيران بورقة تصعيد الخطابين الإعلامي والسياسي، كما أنها ستلعب بورقة المليشيات المسلحة لزجّها في ساحة الحرب بالوكالة على الأراضي العراقية، وهو ما لا ترغب فيه المليشيات ذاتها".

وأضاف علاوي أن إيران ربما "ستحاول مضايقة الولايات المتحدة باستهداف الشركات الاستثمارية الأمريكية، بخاصة في قطاع النفط، كما حدث في البصرة خلال الأشهر الأخيرة".

كما أكد أنه "ليس من مصلحة إيران الخوض في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة، لذلك تحاول استغلال أنصارها في العراق برفع مستوى التهديدات وإبعاد المعارك عن أراضيها ثم تفاوض على المصالح الإقليمية".

رسالة أمريكية بالصواريخ

الغارة الأمريكية اعتبرها مراقبون رسالة تحذير إلى الحكومة العراقية أيضاً، فالمحلل السياسي رعد هاشم تحدث لـTRT عربي قائلاً: "الضربات الأمريكية بمثابة تنبيه للحكومة العراقية مفادها ضرورة ضبط الفصائل المسلحة، ووقف الاستفزازات الإيرانية ضد المصالح الأمريكية".

وأوضح هاشم أن "سبب وصول الأزمة الحالية إلى ما هي عليه، هو تراخي الحكومة العراقية في إعادة هيكلة الحشد وضبط المنظومة الأمنية العسكرية، وقد أدى هذا التراخي إلى تمرد فصائل الحشد على أوامر القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية".

كما أكد المحلل السياسي هاشم "أن النظام الإيراني يدرك جيداً أن الولايات المتحدة لا تتهاون مع أمنها القومي تحت كل الظروف، وأنها سترد بضربات عسكرية أقوى، إذا ما استمرت إيران بتمويل الفصائل المسلحة التي تمثل الدولة العميقة داخل الحكومة العراقية ودعمها".

وختم هاشم بأن "الضربات الأمريكية أثبتت قدرتها على استمرارية نفوذها العسكري والسياسي في العراق رغم التهديدات التي طالت رعاياها في سفارتها بالعاصمة بغداد، ولن ترضى باكتساح والزارات والمخابرات وأمن الدولة العراقية عن طريق فصائل مسلحة موالية لإيران، إذ أرادت أمريكا إيصال جرس إنذار معناه أن الحكومة العراقية إذا عجزت عن وقف تحكم فصائل الحشد الشعبي بالدولة، فستتدخل هي عسكرياً ولن تنتظر موافقة الحكومة".

ردة فعل المليشيات الموالية لإيران

فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران كان لها رد مباشر تزامناً مع القصف الأمريكي لمخازن أسلحة كتائب حزب الله العراقي الذي أسسه سابقاً نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، إذ لم يقتصر الرد هذه المرة على مظاهرات احتجاجية أمام السفارة الأمريكية، بل تعدى ذلك إلى هجوم عسكري على قاعدة التاجي شمالي العاصمة بغداد.

وبهذا الصدد تحدث المتحدث العسكري باسم كتائب حزب الله العراق جعفر الحسيني إلىTRT عربي، قائلاً: "يجب على قوات الاحتلال تحمّل نتائج وجودها غير الشرعي على أرض العراق، فتماديها واستخفافها بإرادة الشعب العراقي وكرامته لن يكون بلا ثمن، وحق مقاومة المحتلين والغزاة كفلته الشرائع السماوية والقوانين الدولية".

وأضاف الحسيني: "نجدد دعمنا للإخوة الذين يعتقدون ضرورة العمل ضد القوات المحتلة، ونؤكد أننا سندافع عنهم ونحذر من استهدافهم، هم أو أي من القوى والأفراد المعارضين لمشروع الاحتلال، فالتعرُّض للأحرار سيوسع دائرة المواجهة بشكل كبير".

كما تابع الحسيني: "لا نزال نستذكر دماء قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، ولن نرضى باستهداف شخصيات عراقية أو إيرانية كان لها فضل كبير في دعم المقاومة في العراق، وسيكون ردنا عسكرياً بضرب العديد من القواعد الأمريكية في جميع أنحاء العراق إذا ما استمرت غاراتهم على معسكراتنا".

وبما يخص الشخصيات السياسية والإعلامية التي استنكرت تدخلات إيران، فقدت تحدث الحسيني لـTRT عربي قائلاً: "أما الذين سارعوا بالاستنكارات وإبداء تعاطفهم مع الأمريكان، فسيلعنهم التاريخ وستجري مقاضاتهم من الشعب، فمشروع المقاومة سيستمر إلى أن تتحقق العدالة والقصاص ممن يتعامل مع الأجندات الخارجية وعلى رأسها أمريكا".

السفارة الأمريكية تعتذر عن التعليق

وفي السياق، تواصل مراسلTRT عربي، مع مسؤولين في السفارة الأمريكية بالعاصمة بغداد، وذلك للحديث عن الإشتباكات الأخيرة وضرب قاعدة التاجي التي يتواجد فيها الجنود الأميريكيين، وقد تحدث أحد المسؤولين في السفارة فضّل عدم الافصحاح عن اسمه لـTRTعربي، قائلاً: "ندين الضربات التي وجهتها كتائب حزب الله العراق، لكننا لن نعلق على هذه المعارك الدائرة، لأننا لسنا مخولين بالتصريح عن أي أمر يتعلق بالجانب العسكري والأمني، وهذه من صلاحيات وزارة الدفاع الأمريكية حصراً التي من شأنها بيان موقف الولايات المتحدة تجاه الاعتداء على رعاياها جراء الإشتباكات".

يعد العراق أحد أبرز المناطق التي تعاني من التوتر العسكري والسياسي، في ظل التصعيد المتبادل بين أمريكا وإيران، وذلك بحكم النفوذ السياسي والعسكري الذي يتمتع به الطرفان في هذا البلد الذي يقع بموقع جغرافي محاذٍ لإيران، وهذا ما يضع البلاد على مقربة من صراعات إقليمية كبيرة، وسط شلل الحكومة العراقية وعدم قدرتها على ضبط الفصائل المسلحة الموالية لإيران، ما يستدعي أن توجه الولايات المتحدة ضرباتها العسكرية كي تعلن توازن القوى في البلاد.

المصدر: TRT عربي