تتسارع الخطوات الدبلوماسية في القرن الإفريقى وتنشط الولايات المتحدة الأمريكية في سباق مع الزمن لخفض حدة التوتر بين مصر والسودان وإثيوبيا عاجلاً.

تدرك الولايات المتحدة أن الوقت يمضي بسرعة، مما جعلها تبعث وفدين دبلوماسيين إلى المنطقة من أواخر أبريل/نيسان الماضي حتى اليوم. في وقت تعلن إثيوبيا عزمها التعبئة الثانية للسد في موعدها المقرر بيوليو/حزيران المقبل. بغض النظر عن التوصل إلى اتفاق بينها والسودان ومصر حول التشغيل وتبادل المعلومات حول التعبئة أو عدمه. وفي ذات السياق وصل إلى الخرطوم السبت 8 مايو /أيار رئيس جمهورية الكنغو رئيس الدورة الحالية للاتحاد الإفريقي فيليكس أنطوان الذى يرعى مفاوضات سد النهضة. ليزور من بعدها أديس أبابا والقاهرة. وكلها جولات مكوكية تعكس عمق الأزمة التي تمر بها المنطقة والتوتر السائد فيها.

باتفاق أو من دون.. إثيوبيا ماضية في التعبئة الثانية للسد

استبق الناطق باسم الخارجية الإثيوبية السفير دينا مفتي وصول جيفرى فيلتمان المبعوث الأمريكي الخاص بالقرن الإفريقي إلى أديس أبابا تزامناً مع وصول رئيس الاتحاد الإفريقي، اللذين ينشطان بالمنطقة لإيجاد حل لمحادثات السد التي لم تراوح مكانها منذ شهور. ففي مؤتمر صحفي عقده السبت 8 مايو/أيار أكد موقف إثيوبيا بأن التعبئة الثانية ستكون بموعدها وفق الخطة المرسومة، إلا أنه ذكر أن “أثيوبيا تحترم اتفاقية الأنهار العابرة للدول وأنها على استعداد لتفعيل دور المراقبين مع الإبقاء على الدور الرائد للاتحاد الإفريقي برعاية المفاوضات”، الأمر الذي اعتبره المراقبون تحولاً بموقف إثيوبيا ونقلة نوعية. وأضاف مفتي أنه "يمكن الاتفاق على التشغيل وأثيوبيا ليس لديها مشكلة بإعادة تقسيم المياه، ولكن هذا الأمر يجب أن يكون شاملاً لكل دول نهر النيل الـ11 لا محصوراً بالدول الثلاث، والملء جزء لا يتجزأ من بناء السد. فإذا بُني السد فلا بد أن يُعبَّأ. ودعا السودان ومصر لحل المشكلات عبر الاتحاد الإفريقي بدلاً من تدويل القضية، فذلك في مصلحة كل الأطراف”.

ويرى مراقبون أن النشاط والحراك الدبلوماسي لو أفلح بخفض التوتر في قضية سد النهضة فإن قضايا أخرى ستظل عالقة، في مقدمتها الحدود وأمن البحر الأحمر، الأمر الذى تهتم به الولايات المتحدة. ولكن جولة المبعوث الأمريكى لم تكن جولة لتقديم الحلول ولكن لتقييم المواقف، وأمريكا حتى الآن لم تُكوِّن رؤية واضحة أومقترحات. هذا فضلاً عن أن المبعوث الأمريكى مهتم بقضايا أخرى كتوترات الحدود بين السودان وإثيوبيا، والحرب في التغراي، وأمن البحر الأحمر، فالولايات المتحدة تحاول أن تبقي كل الأطراف في أفق مفتوح للتفاوض.

الخرطوم تصر على اتفاق قانوني ملزم

أعلن رئيس مجلس السيادة السودانى الفريق أول عبد الفتاح البرهان عقب لقائه المبعوث الأمريكى الخاص للقرن الإفريقي جيفرى فيلتمان بالخرطوم السبت أول أمس عن ضرورة الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم قبل التعبئة الثانية. مضيفاً أن السودان على استعداد للمساهمة مع إثيوبيا بحلحلة مشكلاتها الداخلية. وفى ذات السياق قدم الرئيس الكونغولي فيليكس أنطوان، الرئيس الحالى لدورة الاتحاد الأفريقى الذى يزور الدول الثلاث لذات الغرض، مبادرة في الخرطوم لتجاوز صعوبات ملف سد النهضة من دون تفاصيل حول هذه المبادرة أو بنودها. بينما يراها مراقبون محاولة من الاتحاد لتفعيل دوره الذى وصفته الخرطوم والقاهرة بالضعيف وغير الفاعل في المرحلة السابقة، ما جعل الخرطوم تتقدم بمقترحها الرباعي للمفاوضات الذي يشمل بالإضافة إلى الاتحاد الإفريقي الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. غير أن المواقف لا تزال متباعدة على الرغم مما جاء على لسان الناطق باسم الخارجية الإثيوبية بأن بلادة لا تريد الضرر بأحد.

القاهرة تخفض صوتها في انتظار نجاح الدبلوماسية

الواضح أن القاهرة في الآونة الأخيرة خففت لهجتها التهديدية، وتركت المساحة للعمل الدبلوماسي والضغط عبر الدول الكبرى والمؤسسات الدولية. فأجرى رئيس الدبلوماسية المصرية سامح شكري جولة ببعض الدول الإفريقية، شارحاً خطورة ما تنويه أديس أبابا بشكل أحادي. كما أكد وزير الري المصري أن مصر تواجه تهديداً مائياً حقيقياً وعليها أن تتخذ تدابير داخلية تتمثل في الاستعمال الأرشد لما لديها من مياه. وقال وزير الموارد المائية والري المصري محمد عبد العاطي: "إن بلاده أبدت مرونة كبيرة بالمفاوضات مع إثيوبيا للوصول إلى اتفاق قانوني عادل وملزم في ما يخص ملء سد النهضة وتشغيله ويلبي طموحات جميع الدول في التنمية. كذلك فإن التحديات التى تواجه مصر بمجال المياه كثيرة وعلى رأسها سد النهضة الإثيوبي. فيصل إجمالي الاحتياجات المائية في مصر إلى نحو 114 مليار متر مكعب سنوياً من المياه، كما تستورد منتجات غذائية من الخارج تقابل 34 مليار متر مكعب سنوياً من المياه". ومضى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بذات السياق عند استقباله رئيس الكونغو رئيس الدورة الحالية للاتحاد الإفريقي فيليكس أنطوان في القاهرة مساء السبت قادماً من الخرطوم، إذ أكد السيسى "أن مصر لن تسمح بالإخلال بأمنها المائي".

الداخل الإثيوبي وتحديات آبي أحمد

الناظر إلى تطورات الأوضاع داخل إثيوبيا يرى بوضوح أن من الصعب وجود تنازلات من الجانب الإثيوبي بشأن المرحلة الثانية للتعبئة، فالوضع الداخلي قبيل الإنتخابات به الكثير من التعقيدات والأزمات التي يمكن أن تضعف موقف الرئيس آبي أحمد الحائز على جائزة نوبل للسلام في 2019، والذي يطمح بالفوز بانتخاباته الأولى بعد أن كان البرلمان اختاره رئيساً للوزراء خلفاً لرئيس الوزراء المستقيل هالى مريام ديسالين في 2 أبريل/نيسان 2018. ومما يجدر ذكره أن آبي أحمد قاد حرباً بإقليم التغراي للإطاحة بزعماء هذا الإقليم الذين تحدوا سلطته ورفضوا تأجيل الانتخابات بالإقليم والتي كانت مقررة فى 2020، بسبب كورونا. ولا يزال القتال مستمراً في الإقليم الشمالي الذى خلّف أكثر من 55 ألف لاجئ عبروا الحدود إلي السودان ومئات الآلاف من النازحين، في وقت أكَّدت به منظمات حقوقية أن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان حدثت على أيدى قوات الحكومة الفدرالية والقوات الإرترية المشاركة في القتال.

تتكون إثيوبيا من 10 أقاليم إدارية مقسمة على أسس عرقية ويتمتع كل منها بسلطات واسعة. وتدور بين عدد من هذه الأقاليم نزاعات، بعضها بسبب خلافات على مناطق حدودية، والبعض الآخر لأسباب سياسية تتطور أحياناً إلى أعمال عنف دموية. و يرى مراقبون أن بسط الحكومة سيطرتها على إقليم التغراي يعدّ دلالة على عزم آبي أحمد على (إنفاذ القانون) وهو المصطلح الذي سارت على وقعه الحرب. ويعتبر هذا الانتصار تمكيناً للسلطة الفيدرالية ورسالة واضحة إلى آخرين مفادها حرص الحكومة الإثيوبية على مجابهة أي انحرافات قومية تهدد وحدة البلاد. وصدَّق البرلمان الإثيوبي في 1 مايو/أيار 2021 على تصنيف حركتَي (الجبهة الشعبية لتحرير التغراى، وأورنق شتي المنفصلة عن جبهة تحرير الأورومو) حركتين إرهابيتين وحظر نشاطهما السياسي. وتستعد إثيوبيا لخوض انتخابات برلمانية في 5 يونيو/حزيران القادم يشارك فيها أكثر من 47 حزباً.

يدخل آبي أحمد الانتخابات بمولوده الجديد (حزب الازدهار)، وهو تحالف بين جزء من الأورومو في ظل الانشقاقات التي حدثت في القومية الكبرى بالبلاد وينتمي إليها رئيس الوزراء والأمهرة، وتحالف شعوب الجنوب، ومجموعات من العفر والصوماليا.

TRT عربي