المشيشي تؤدي اليمين الدّستورية (AFP)

مثلت دعوة رئيس حركة النهضة والبرلمان راشد الغنوشي لإحداث تعديل حكومي، سبق أن رفضه وحذر منه رئيس الجمهورية، فصلاً جديداً من فصول الصراع بين مؤسسات الدولة السيادية، ما بات يهدد بحسب مراقبين تماسك الدولة واستقرارها، وينذر بتعميق الأزمة السياسية والاجتماعية التي تعيش على وقعها البلاد وزادتها جائحة كورونا تعقيداً.

وأعلن الغنوشي الذي يشكل حزبه المكون الأبرز للحزام السياسي الداعم لحكومة هشام المشيشي عن تعديل وزاري وشيك، مبرراً ذلك في تصريح لوسائل إعلام محلية بتواضع أداء بعض الوزراء، وبهدف رفع الكفاءة الحكومية داخلها.

وكشفت مصادر من داخل حكومة المشيشي لـTRT عربي عن شبه اكتمال القائمة النهائية للتعديل الوزاري، والتي ستشمل بالأساس سد الشغور في وزارات الثقافة والداخلية والبيئة، بعد إقالة رئيس الحكومة وزراءها، فيما ينتظر أن يشمل التعديل أيضاً وزارات أخرى كالعدل والصحة والفلاحة والرياضة.

الرئيس يحذر

سبق لرئيس الجمهورية قيس سعيد أن حذر في أكثر من مناسبة من مغبة إجراء تعديل وزاري على حكومة المشيشي غير المتحزبة، والتي منحها البرلمان الثقة في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي 2020، وحظيت بدعم كل من كتلة حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة في البرلمان.

وشهدت العلاقة بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية الذي زكاه لهذا المنصب باعتباره "الشخصية الأقدر" وفق نص الدستور، تحولات جذرية من الدعم إلى الفتور ثم الصدام، بعد سعي الرئيس إلى إسقاط حكومة المشيشي في البرلمان بسبب نشوب خلافات حول ما بات يعرف بـ"وزراء قيس سعيد" الذين فرضهم في الحكومة.

ويرى مراقبون أن رئيس الجمهورية لا يفوت أي مناسبة دون أن يطلق سهام نقده وهجومه على البرلمان منتقداً أداء نوابه، سواء خلال زيارته الثكنات العسكرية أو خلال لقائه بقيادات أمنية رفيعة المستوى، كما لمح أكثر من مرة إلى ضرورة تغيير النظام السياسي الحالي برمته، واعتباره عاجزاً عن تحقيق مطالب الشعب وأهداف الثورة.

الإطاحة بوزراء الرئيس

القيادي والنائب عن حركة النهضة في البرلمان سيد الفرجاني، انتقد في حديثه لـTRT عربي ما وصفه بمحاولات رئيس الجمهورية تجاوز صلاحياته والتدخل في صلاحيات رئيس الحكومة وحزامه البرلماني فيما يتعلق بالتعديل الوزاري الوشيك.

الفرجاني أكد أن الحقائب الوزارية الشاغرة في كل من الداخلية والبيئة والثقافة باتت تشكل شللاً في عمل الحكومة، وتستدعي ملأها في أقرب فرصة، فيما لم ينفِ ما يشاع حول إزاحة المشيشي لوزراء محسوبين على رئيس الجمهورية في هذا التعديل، مضيفاً: "من يريد أن يحاسب رئيس الحكومة فليحاسبه قانونياً ودستورياً وإجرائياً، ودون ذلك ضرب من العبث".

كما لم ينفِ القيادي في النهضة أيضاً إدخال بعض التغييرات على حكومة الكفاءات المستقلة كما يروج لها، لتكون حكومة تكنوقراط لكن "بنكهة سياسية" هذه المرة، وفق وصفه.

خلاف رأسَي السلطة التنفيذية

إقالة المشيشي منذ أيام قليلة وزيرَ الداخلية توفيق شرف الدين وأحد من قادوا الحملة الانتخابية لرئيس الجمهورية، فضلاً عن إقالة سابقة لوزير الثقافة المحسوب على قيس سعيد، ساهمت بحسب مراقبين في تعميق الخلاف بين الرجلين، وباتت تشكل أحد وجوه الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد.

أزمة سياسية حاول اتحاد الشغل باعتباره أكبر منظمة نقابية في البلاد تداركها واحتواءها من خلال الدعوة لحوار وطني شامل لا يقصي أحداً، ويفضي لتوافق سياسي واجتماعي واقتصادي للخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد.

ابتزاز سياسي

أمين عام حزب التيار الديمقراطي المعارض غازي الشواشي يقر في حديثه مع TRT عربي أن إجراء تعديل وزاري من صلاحيات رئيس الحكومة التي لا ينازعه فيها أحد، لكنه يشدد بالمقابل على ضرورة إشراك رئيس الجمهورية في هذا التعديل من باب التناغم والتشاور بين رأسَي السلطة التنفيذية.

واعتبر الشواشي أن هذا التعديل سيساهم في تعميق الخلافات بين رئيس الجمهورية من جهة ورئيسَي الحكومة والبرلمان من جهة أخرى، بحال لم يأخذ في عين الاعتبار رأي مؤسسة سيادية كمؤسسة الرئاسة في ظل وضعية سياسية هشة، وفق قوله.

وتساءل الشواشي إن "كان هذا التعديل سيحافظ على طبيعة حكومة المشيشي باعتبارها حكومة تكنوقراط مستقلة عن أي نفس حزبي، أم ستصبح حكومة سياسية كما تطالب بذلك الأحزاب الداعمة للمشيشي، لا سيما قلب تونس وحركة النهضة؟"، كما حذر الرجل في السياق ذاته من مغبة تحول رئيس الحكومة إلى رهينة بيد حزامه السياسي الداعم له، وابتزازه لوضع وزراء بعينهم في الحكومة الجديدة.

قلب تونس يتراجع

يشار إلى أن حزب قلب تونس الذي يعد أحد أهم المساندين لحكومة المشيشي والداعين لإجراء التعديل الوزاري، أعلن في خطوة مفاجئة عن رفضه لأي تعديل ما لم يأخذ بعين الاعتبار مطالب الحزب في علاقة برؤيته وبرامجه المقترحة لحل الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد.

النائب عن قلب تونس عياض اللومي أكد لـTRT عربي وجود شبه إجماع داخل حزبه على رفض التعديل الوزاري وعدم المشاركة فيه، كما لم يستبعد أن يتحول قلب تونس إلى المعارضة، وفق قوله.

اللومي أكد أن رفض حزبه لأي تعديل حكومي حالي لا يتعلق بأسماء التركيبة الوزارية المقترحة، بقدر ما يتعلق برؤية سياسية شاملة، مشيراً إلى أن موقف الحزب تم إبلاغه رسمياً لرئيس الحكومة.

وفي السياق ذاته، يرى المحلل السياسي أبو لبابة سالم أن موقف قلب تونس المفاجئ من التعديل الحكومي ومن رئيس الحكومة، قد يخفي وراءه محاولة لتحسين شروط التفاوض في علاقة بالحقائب الوزارية من جهة، وفي علاقة برئيس قلب تونس نبيل القروي الموقوف على ذمة القضاء في علاقة بتهم فساد مالي وتبييض أموال من جهة أخرى.

واعتبر سالم في تصريح لـTRT عربي أن تصريحات الغنوشي ودعوته لتعديل وزاري، تؤكدان مسكه بخيوط اللعبة السياسية، باعتباره رئيس الحزب الأكثر تمثيلاً في البرلمان، لكنه استبعد بالمقابل رغبة رئيس الحركة في الدخول في مواجهة مباشرة مع رئيس الجمهورية، وأن الأمر يتعلق فعلياً بعملية تقييم شاملة للوزراء.


TRT عربي