في أول إجراء يتخذه ضد النظام السوري بعد وصوله إلى البيت الأبيض الرئيس الأمريكي جو بايدن يقوم بتمديد قانون الطوارئ الوطنية في ما يتعلق بسوريا لمدة عام، وكان قانون الطوارئ قد أُعلن ضد النظام السوري في زمن الرئيس جورج بوش الابن في يوم 11 مايو/أيار 2004.

تم تبرير هذا القانون حينها بناء على عدة أسباب، من بينها الممارسات التي قام بها النظام السوري والتي تشكل تهديداً للأمن القومي والسياسة الخارجية والاقتصاد للولايات المتحدة، عبر دعم الإرهاب، والحفاظ على احتلاله القائم آنذاك للبنان، ومتابعة برنامج أسلحة الدمار الشامل وبرامج الصواريخ، وتقويض الجهود الأمريكية والدولية في ما يتعلق باستقرار وإعادة إعمار العراق.

أما في مبررات تمديد هذا القانون فجاءت المسوّغات لأسباب، منها اعتبار أن وحشية النظام وقمعه للشعب السوري، الذي دعا إلى الحرية والحكومة التمثيلية، لا تعرّض الشعب السوري نفسه للخطر فحسب، بل تولد أيضاً حالة من عدم الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة.

كما تشكّل سياسات النظام السوري، بما في ذلك ما يتعلق بالأسلحة الكيميائية ودعم المنظمات الإرهابية، تهديداً كبيراً. لذلك عبرت الولايات المتحدة عن إدانتها العنف الوحشي وانتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان التي يمارسها نظام الأسد ومساعدوه الروس والإيرانيون.

وحدد القرار مطالبه من نظام الأسد وحلفائه بثلاثة مطالب أساسية:

- دعوة نظام الأسد وداعميه إلى وقف حربه العنيفة ضد شعبه، وسن وقف لإطلاق النار على مستوى البلاد.

- تمكين إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى جميع السوريين المحتاجين.

- التفاوض على تسوية سياسية في سوريا بما يتماشى مع الولايات المتحدة. أي قرار مجلس الأمن "2254".

وتأتي أهمية تمديد قانون الطوارئ الأمريكي المتعلق بسوريا من كونه صادراً عن أهم مؤسسة في الولايات المتحدة وهي مؤسسة الرئاسة والبيت الأبيض، إضافة إلى مضمونه الذي يدين النظام بارتكاب جرائم الحرب واستعمال السلاح الكيماوي، واعتبار النظام السوري مهدداً للأمن القومي الأمريكي ومصدراً لعدم الاستقرار في المنطقة، ومن أهمية السياق الزمني الذي يترافق معه حيث يأتي بعد شهر من إعلان فريق التحقيق التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بتاريخ 12 أبريل/نيسان عن مسؤولية القوات الجوية العربية السورية عن رمي برميل يحتوي على "الكلور" فوق سراقب السورية بتاريخ 4 فبراير/شباط 2018، وهو التقرير الذي أيّدت مضمونَه الولاياتُ المتحدة.

كما أنه يتزامن تمديد القانون مع إعلان النظام السوري عن موعد إجراء الانتخابات يوم 26 مايو/أيار 2021، التي ترفض الولايات المتحدة وتركيا وأوروبا والأمم المتحدة الاعتراف بشرعيتها، كما يأتي القرار بعد دعوات وتحركات روسية مع العديد من الدول العربية لكسر العزلة الاقتصادية والسياسية عن نظام الأسد، إضافة إلى تسريب النظام السوري لأخبار عن زيارة وفد أمني سعودي لبحث إمكانية فتح السفارة السعودية في دمشق، وهو الأمر الذي نفته الخارجية السعودية، إضافة إلى اشتباك الولايات المتحدة مع روسيا الحليف الأهم للنظام السوري في الملف الأوكراني، واشتباكها مع حليف النظام الثاني (إيران) في ملف مفاوضات الاتفاق النووي التي تجري في فيينا.

فهل يعكس هذا التمديد للقانون والمبررات القوية التي ساقها تحولاً في الموقف الأمريكي تجاه القضية السورية، يجعلها ضمن أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة في ملفات الشرق الأوسط؟ أم لا تزال الإدارة الأمريكية الجديدة تتعامل مع القضية السورية كورقة للضغط على روسيا وإيران، مكتفية بإدارة الأزمة وممارسة الضغط الاقتصادي والسياسي على النظام السوري لدفعه نحو القبول بالحل السياسي؟

في تصريح خاص لـTRT عربي قال محمد سرميني مدير مركز جسور للدراسات: "إن القانون بما احتواه من تحميل مسؤولية جرائم النظام السوري لحليفه الروسي يأتي ضمن اللهجة التصعيدية للإدارة الأمريكية مع روسيا، والتي تبدو واضحة منذ تولي جو بايدن السلطة مطلع هذا العام، ويبدو أن واشنطن تضع التوسع الروسي في منطقة البحر المتوسط على قائمة التهديدات للمصالح الأمريكية".

وفي ما يتعلق بمؤشرات هذا القانون على موقف الولايات المتحدة من نظام الأسد قال سرميني: "إنه من غير المتوقع أن توافق واشنطن على المديين القريب والمتوسط على إعادة تعويم نظام الأسد على المستوى العربي والدولي، لأنها غالباً تريد أن تترك سوريا نقطة ضغط ضد موسكو".

وأضاف سرميني أن إعلان بايدن مؤخراً تمديد حالة الطوارئ الخاصة بالتعامل مع الملف السوري، التي تتيح للسلطة التنفيذية الأمريكية اتخاذ قرارات غير اعتيادية، يرجح هذا السيناريو.

من جانبه قال مدير موقع نداء بوست فراس فحام في تصريح خاص لـTRT عربي: "أعتقد أن الأهمية التي يحوز عليها الملف السوري بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية متعلقة أساساً بحجم حاجتهم إلى هذا الملف للتفاوض على ملفات أخرى مع القوى المتدخلة في سوريا مثل روسيا وإيران، وإن كان هناك توجه واضح لدى الإدارة الأمريكية للضغط على روسيا أو محاولة تقليص نفوذها والحد منه فإن الملف السوري سيكون بوابة مهمة في ذلك، وإن كانت إدارة بايدن ستركز على عقد الاتفاق النووي مع إيران فقد يكون الملف السوري بوابة لإغراء إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات، وهذا سيحدده وضوح الرؤية الأمريكية في المستقبل لمجمل ملفات المنطقة".

و في الإطار ذاته يرى فريق من المراقبين والمهتمين أن قرار تمديد قانون الطوارئ الأمريكي بخصوص النظام السوري يحمل أهمية كبيرة، حيث أعاد تأكيد ارتكاب النظام السوري جرائم الحرب واستعماله للسلاح الكيميائي ضد المدنيين، ودعمه للتنظيمات الإرهابية، واعتبر النظام السوري مهدداً أساسياً للأمن القومي الأمريكي، وحمّل مسؤولية جرائمه بشكل مباشر لحلفاء النظام (روسيا، إيران)، وهو ما يعني أن تمديد القانون هو مقدمة لكي تأخذ الولايات المتحدة إجراءات أكثر صرامة بالضغط على النظام في عدة ملفات (كملف المعتقلين، وملف العملية السياسية وملف الأسلحة الكيمائية)، وإجباره على الإذعان للحل السياسي وفق القرارات الدولية.

بينما يرى آخرون أن تمديد القانون هو مجرد أمر اعتيادي، فالقانون بالأصل كان مقرراً من مايو/أيار 2004، وتجديده يدخل ضمن الإجراء الروتيني، وليس بالضرورة أن يتبعه أي خطوات تنفيذية أو تغيرات في أدوات الضغط على النظام وحلفائه باتجاه تفعيل الحل السياسي غير الضغط الاقتصادي والحصار السياسي ومنع النظام من الحسم العسكري على الأرض، خصوصاً أن القانون نفسه مذيل بالطلب من النظام وحلفائه بوقف العنف ضد المدنيين، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية، والتفاوض على تسوية سياسية في إطار قرار مجلس الأمن 2254. وهو ما يعني أن واشنطن لا تزال تنظر إلى النظام السوري على أنه شريك في الحل السياسي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً