تترقب الطبقة السياسية صدور النسخة النهائية لمشروع قانون الانتخابات الذي قُدّم لها للنظر فيه، وتقديم مقترحاتها وتحفظاتها، وهي الوثيقة التي ترجو منها أن تضع حداً للتزوير الذي ارتبط  بعملية الاقتراع، وأفقد أي جهة منتخبة الاستناد إلى شرعية شعبية متينة.

إذا كانت السلطة تقول إن مشروع قانون الانتخابات الجديد يتناغم مع مطالب حراك 22 فبراير/شباط 2019 الذي سيطفئ شمعته الثانية خلال أيام، فإن الأحزاب السياسية ترى أنه قد يحتاج إلى تعديلات في مواده لتحقيق الديمقراطية التي طالب بها الجزائريون لما خرجوا إلى الشارع احتجاجاً على استمرار حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة والنظام الذي حكم البلاد لسنوات، بعيداً عن توفر المنافسة السياسية الشريفة وفق قواعد النزاهة التي تقتضيها الممارسة الديمقراطية الحقة والتي ينص عليها دستور البلاد.

فصل المال عن السياسة

في 2017 استطاعت سلطة المال بقيادة رئيس منتدى رؤساء المؤسسات علي حداد، إقالة الرئيس الحالي للبلاد عبد المجيد تبون من رئاسة الحكومة في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، لذلك شكل ملف فصل المال عن السياسة أهم وعود تبون خلال حملته الانتخابية، وترجم في مسودة مشروع قانون الانتخابات.

ويقبع علي حداد وعدد من رجال الأعمال الذين كانوا يقفون وراء تعيين تشكيلة الحكومة اليوم في السجن بتهم فساد، ومنها التمويل الخفي للحملة الانتخابية.

وحرصت لجنة صياغة مشروع الانتخابات في الجزائر على مراقبة تمويل الحملات الانتخابية، فتم بذلك حظر مشروع القانون في المادة 87 التي تتعلق بالتمويل الأجنبي للمترشحين للانتخابات.

ولمعرفة مصدر التمويل ومراقبته، شدد مشروع القانون على أن أي تمويل للانتخابات يتجاوز ألف دينار جزائري (أي نحو 7 دولارات) يجب دفعه عن طريق الشيك أو التحويل أو الاقتطاع الآلي أو عن طريق البطاقة البنكية، أي يمنع دفعه نقداً.

ونصت المادة 91 على أنه "لا يمكن أن تتجاوز نفقات حملة المترشح للانتخابات الرئاسية 100 مليون دينار جزائري (أي نحو 770 ألف دولار) في الدور الأول"، على أن "يرفع هذا المبلغ إلى 120 مليون دينار (أي قرابة 925 ألف دولار) في الدور الثاني".

ويرى محمد شرفي رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات التي أخذت دور وزارة الداخلية للإشراف على الانتخابات، أن القانون الجديد سيضع حداً للفساد وشراء الأصوات في أثناء عملية الاقتراع في الجزائر.

وقال خبير القانون الدستوري عامر رخيلة في تصريح لـTRT عربي: "إنه إضافة إلى تحديد شروط تمويل الحملة الانتخابية، فإن العودة إلى القائمة الاسمية في التصويت ستساهم في وضع حد لبيع وشراء القوائم الانتخابية، وتدخل القيادة الحزبية في ترتيب المترشحين في القائمة".

وفي هذه النقطة، يحبذ عامر رخيلة أن يكون التمثيل والانتخاب على مستوى الدائرة الانتخابية، وليس على مستوى الولاية، لأنه في غالب الأحيان لا يعرف المواطن المترشحَ ولا يملك عنه أي معلومات، وذلك بهدف تشكيل رابطة حقيقية بين الناخب ومن أعطاه صوته.

ويراهن محمد شرفي أن قانون الانتخابات الجديد سيحدث القطيعة مع كل الممارسات التي كانت تشهدها عملية الاقتراع في الجزائر، ما سيعيد إليها المصداقية والنزاهة المطلوبتين.

تحفظات ومطالبات

أيدت بعض الأحزاب ما جاء به مشروع القانون التمهيدي للانتخابات كالتجمع الوطني الديمقراطي، إلا أن تشكيلات سياسية أخرى حتى وإن أشادت ببعض ما سيتضمنه القانون من تدعيم للممارسة الديمقراطية، لم تخف تحفظها على بعض مواده.

وحسب الناشط السياسي فاتح ربيعي الذي ترأس وفي وقت سابق حركة النهضة، فإن مشروع قانون الانتخابات الجديد إن بقي بصيغته الحالية فهو ترسيخ لاستمرار وضع سياسي قائم، بالنظر إلى افتقار الهيئة المشرفة على العملية الانتخابية، ممثلةً في السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، إلى الاستقلالية، لأن أعضاءها يعينون من طرف السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الجمهورية، كما وضح ذلك المتحدث لـTRT عربي.

وأضاف ربيعي أن الحكومة لم تف بالتزاماتها التي قدمتها للأحزاب قبل الانتخابات الرئاسية التي جرت في 12 ديسمبر/كانون الأول 2019، حينما قدمت وعوداً للأحزاب بأن تتمتع السلطة المستقلة للانتخابات بالحرية والاستقلالية التامة في القانون الجديد، بأن يتم انتخاب أعضائها من قبل الأحزاب، ولا تُعين من طرف السلطة التنفيذية.

وعلى عكس كثيرين، ينتقد فاتح ربيعي أيضاً العودة إلى القائمة الانتخابية المفتوحة، معتبراً ذلك طعناً في مصداقية الأحزاب السياسية، ومحاولة لتهجين العمل السياسي، وتقزيم دورها في بناء مستقبل البلاد، مشيراً إلى أن ذلك يظهر في محاولتها بكل الطرق أن تجعل المجتمع المدني بديلاً لها.

لكن الأستاذ الجامعي عامر رخيلة يوضح لـTRT عربي أن التنظيمات وجمعيات المجتمع المدني لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تكون بديلاً للأحزاب التي هي أساس العمل السياسي والممارسة الانتخابية، مضيفاً أنه لا يمكن الحديث عن حركة جمعوية فاعلة في غياب أحزاب سياسية جادة.

وانتقدت العديد من الأحزاب السياسية مبدأ المناصفة بين الجنسين في القائمة الانتخابية بالنسبة إلى البلديات التي يزيد عدد سكانها على 20 ألف نسمة، واشترطوا في ذلك أن يكون ثلث المترشحين في القائمة الواحدة من ذوي المستوى الجامعي، إضافة إلى الحصول على 4 بالمئة من الأصوات في انتخابات سابقة للترشح من جديد أو التمكن من جمع توقيعات لعدد من المواطنين.

لكن فاتح ربيعي اعتبر أن هذه الجوانب ثانوية، وهي محاولة لتحويل النقاش عن القضايا الأساسية، والمتمثلة في الجهة المشرفة على عملية التصويت.

في حين يعتقد عامر رخيلة أن جمع التوقيعات أمر ضروري لأنه من غير المعقول أن نقبل بترشح شخص لم يحظ بدعم عدد من المواطنين الذين سيمثلهم.

ويؤيد النائب البرلماني عن جبهة العدالة والتنمية لخضر بن خلاف التحفظات المتعلقة بالمناصفة بين الجنسين في القوائم الانتخابية، مبيناً في حديثه مع TRT عربي أن هذا الشرط "تحايل وإهانة في حق المرأة، بالنظر إلى أن هذا شرط تعجيزي، وعلى عكس ما يظنه البعض فإن المناصفة بين الجنسين ستكون في الترشيحات وليست في عدد المقاعد الفائزة".

الشرعية المفقودة

لطالما اتُّهمت المجالس المنتخبة في الجزائر بافتقادها الشرعية الشعبية، بسبب عدم نزاهة عملية الاقتراع وتفشي التزوير وعدم تساوي الفرص بين المترشحين، إضافة إلى العزوف الانتخابي الذي يطبع كل استحقاق، آخره الاستفتاء على الدستور الذي جرى في الفاتح من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، والذي لم تتعد نسبة المشاركة فيه 23.7% من العدد الإجمالي للمواطنين الذين يحق لهم التصويت.

ويوضح عامر رخيلة أن عودة الشرعية المطلوبة إلى المجالس المنتخبة التي ستتمخض عن قانون الانتخابات المنتظر لا ترتبط بالجانب التشريعي فقط، وإنما بتوفر الإرادة السياسية عند السلطة لتطبيق النصوص القانونية، والتي تسمح بأن يكون المواطن مؤهلاً لإحداث المفاجأة ومخالفة كل التوقعات التي تتحدث عن مقاطعته المشاركة في الانتخابات.

أما البرلماني لخضر بن خلاف فيقول: إن "الأمر مرتبط بتوفر الإرادة السياسية للسلطة في تنظيم انتخابات حرة ونزيهة"، محذراً من أن الخطأ لم يعد مسموحاً به اليوم للجزائر إذا كانت بحق تريد بناء مؤسسات شرعية وقوية تُحترم فيها الإرادة الشعبية.

وفي انتظار صدور النسخة النهائية لمشروع قانون الانتخابات، يأمل 48 حزباً جزائرياً قدموا مقترحات لتعديل بعض مواد هذا القانون أن تأخذ السلطة آراءهم بعين الاعتبار للانطلاق في ممارسة سياسية جديدة، تكون الانتخابات التشريعية والمحلية المقبلة بداية لها.

TRT عربي