يريد ماكرون إيجاد بديل من الناتو، أوروبي بالدرجة الأولى، وتبدو الأزمة الأخيرة فرصته في تحقيق ذلك (Ludovic Marin/AFP)
تابعنا

منذ الإعلان عن الاتفاقية الاستراتيجية "أوكوس" التي وقّعتها كلّ من أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة، في 15 سبتمبر/أيلول الماضي، بات السؤال المطروح في باريس: هل ستنسحب فرنسا من حلف شمال الأطلسي "الناتو"؟

باريس التي خسرت صفقة غواصات مع أستراليا بعد الإعلان عن الاتفاقية، اعتبرت الأمر برمّته "طعنة في الظهر" وخيانة من "حلفاء" مفترضين، وشهدت الأيام التي تلتها رداً فرنسياً عنيفاً استخدم مصطلحات بعيدة عن القاموس الدبلوماسي، من قبيل: "الأكاذيب" و"الوحشية" و"الازدراء".

إيمانويل ماكرون الذي كان يبدأ استعداداته للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها عام 2022، اختار التصعيد ضد ثلاثي الاتفاقية، وعادت إلى السطح تصريحاته السابقة عام 2019 حينما قال إن الناتو بات "ميتاً سريرياً".

عاد ماكرون ليطرح فكرة القوة الأوروبية المشتركة، معطياً بذلك إشارة إلى إمكانية وجود بدائل عن الناتو، فيما راجت في أوساط السياسة الفرنسية أفكار من قبيل إعادة الانسحاب من القيادة العسكرية للناتو، بعدما عادت فرنسا إليها عام 2009 إثر غياب دام 43 عاماً. فما قصة هذا الانسحاب، وهل يُعيد ماكرون ما فعله ديغول قبله؟

ديغول وقصة الانسحاب من القيادة

كانت فرنسا أحد الأعضاء المؤسسين لحلف شمال الأطلسي واستضافت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي أوّل مقر دائم للحلف في باريس، غير أنّ ذلك سيتغيّر في النصف الثاني من الستينيات.

ففي عام 1966، انسحبت فرنسا من قيادة حلف الناتو إبان عهد الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول واقتصرت على العضوية فقط، بمبررات كان أبرزها خشيته من انجرار فرنسا دون إرادتها إلى الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، بالإضافة إلى مخاوف فرنسية من الهيمنة الأمريكية.

قبل ذلك، كان ديغول يطالب منذ عام 1958 على الأقل، بمزيد من الاستقلالية لفرنسا بعيداً عن بقية حلفائها، خاصة في مجال التسلّح النووي، مذكّراً بالصلاحيات التي كانت تتمتع بها كل من بريطانيا والولايات المتحدة في هذا الصدد.

بعد أشهر من إعادة انتخابه رئيساً، تواصل ديغول مع نظيره الأمريكي ليندون جونسون في 7 مارس/آذار 1966 وأخبره بقرار فرنسا مغادرة القيادة الموحدة للناتو وإنهاء تبعية القوات الفرنسية للمهمات الدولية، وطالب برحيل القوات الأمريكية والكندية عن الأراضي الفرنسية.

ورغم أنّ الولايات المتحدة أنقذت فرنسا من الغزو (النازي)، إلا أنّ فهم ديغول للسيادة الوطنية كان ضد إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية الأمريكية في العالم الغربي منذ 1945 وما بعده، حسب الباحث الدبلوماسي أكين أوزسير.

في الواقع، كان ديغول يخشى من تصاعد النفوذ الأمريكي داخل الحلف وحول العالم، وكرّر مراراً أنه يريد الحفاظ على استقلالية بلاده لا أن تكون تابعاً لتحالف سياسي بدا أنه أحادي القيادة (الأمريكية). كما أنّ فرنسا التي باتت وقتها ضمن الدول النووية أرادت أن تكون حرّة في اتخاذ القرار بشأن أسلحتها النووية.

نُقل مقر الناتو إلى بروكسل في بلجيكا، غير أنّ فرنسا من حيث أرادت الحفاظ على استقلالية قرارها، أصبحت هامشية دولياً وفقدت تأثيرها السياسي داخل حلف الناتو بعد التنازل عن مقعدها في القيادة الموحدة.

في المقابل، ظلّت فرنسا الرسمية منكرة لهذا التأثير المفقود، إذ يشير موقع الدبلوماسية الفرنسية إلى أنّ "هذا القرار (الانسحاب) لم يمسّ مطلقاً بالتزام فرنسا بالمشاركة في عمليات الدفاع الجماعية للحلف، إنما كانت هذه الخطوة، وفق عبارة الجنرال ديغول، تعديلاً لصيغة تحالفنا بلا تغيير مضمونه".

هل يُلغي ماكرون عودة ساركوزي؟

بعد نهاية الحرب الباردة وخلال بداية عقد التسعينيات، ارتفعت في فرنسا أصوات منادية بالعودة إلى القيادة العسكرية للحلف وسط التغييرات الجذرية التي بات العالم على أبوابها سياسياً واستراتيجاً بعد نهاية ما كان يُسمّى نظام القُطبين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي).

فحينما بدأ الناتو عمليات "حفظ السلام" في البلقان في التسعينيات، عادت القوات الفرنسية للمشاركة الفعلية ميدانياً فيما عادت فرنسا إلى المشاركة في اللجنة العسكرية للناتو بالتبعية، كما عاد موظفون فرنسيون ليُعيّنوا في مقار الناتو ببروكسل ومدن أخرى بشكل مؤقت، حسب موقع الناتو الرسمي.

كانت فرنسا بعد عام 2001 مهتمة بالانضمام إلى جهود "مكافحة الإرهاب" التي بدأت تطفو على سطح الأوليات الفرنسية والعالمية بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، غير أنها بعد سنتين ستعود لتدخل في خلاف مع الأمريكيين بعد أن رفض الرئيس الفرنسي جاك شيراك آنذاك المشاركة في غزو العراق تحت إدارة الرئيس السابق جورج بوش عام 2003.

عام 2004، هدأت الأمور مجدداً، وقررت فرنسا تعيين موظفين دائمين في مقار الناتو، قبل أن يُعلن الرئيس نيكولا ساركوزي آنذاك عودة فرنسا إلى القيادة العسكرية لحلف شمال الأطلسي رسمياً عام 2009.

جرت الموافقة على قرار ساركوزي في الجمعية الوطنية (البرلمان)، لكنه لقي في المقابل انتقادات شديدة داخل أوساط فرنسية عديدة خصوصاً في جهة اليسار، معتبرين أن "ذلك من شأنه أن يُفقِد فرنسا استقلاليتها"، وأنّ "الكلمة الأخيرة فيما يتعلّق بالقرارات العسكرية والاستراتيجية ستكون للولايات المتحدة"، حسب تعبير جون مارك آيرو البرلماني الاشتراكي آنذاك.

هذه المخاوف لا تزال مستمرة إلى اليوم، وعززها قدوم ماكرون إلى السلطة، والذي يُعدّ من أكثر الرؤساء الفرنسيين تشكيكاً في فاعلية الناتو تاريخياً، حتى قبل الإعلان عن اتفاقية "أوكوس" الثلاثية.

في المقابل، يريد ماكرون إيجاد بديل من الناتو، أوروبي بالدرجة الأولى، وتبدو الأزمة الأخيرة فرصته في تحقيق ذلك، وهو ما عبّر عنه بالفعل اجتماع الاتحاد الأوروبي في العاصمة السلوفينية ليوبليانا، في 5 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، حيث كانت قضية تمتع أوروبا بـ"استقلال ذاتي استراتيجي في مجال الدفاع" البند الرئيسي على جدول الأعمال.

من جهة أخرى، وعلى الرغم من استعصاء إيجاد بديل أو خوف ماكرون من هذه الخطوة، قد يكون لمرشحين آخرين يتنافسون على مقعد ماكرون خلال الأشهر القادمة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية رأي آخر أكثر تشدداً، إذ قدّمت اليمينية المتطرفة مارين لوبان واليساري الراديكالي جان لوك ميلينشون وعوداً بسحب فرنسا من الجناح العسكري لحلف الناتو.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً