عُرض قانون زجر الاعتداء على القوات المسلحة، على البرلمان التونسي لمناقشته لأول مرة سنة 2015، وكان ذلك فترة حكومة الحبيب الصيد. وكان من بين أهم دوافع القانون، تواتر الاعتداءات والعمليات الارهابية التي تعرض لها أعوان المؤسسة الأمنية في تونس ومقراتهم.

يثير قانون زجر الاعتداء على القوات المسلحة، كلما طُرح جدلاً واسعاً على الساحة السياسية والحقوقية في تونس، بين مندد لهذا القانون وداعم له.

ومع انطلاق السنة البرلمانية الجديدة من المرجح أن يُعرض مشروع القانون على الجلسة العامة في أكتوبر/تشرين الأول 2020 للنظر في فصوله والتصديق عليه. وقد وردت مراسلة في وقت لاحق من رئاسة الحكومة تدعو للتأجيل في النظر في القانون "نظراً لأهميته، ولتهيئة الظروف الملائمة لمناقشته، وللإعداد الجيد له" وفق تصريحات أدلت بها زينب البراهمي التي تشغل منصب مساعدة رئيس مجلس النواب التونسي المكلفة بشؤون التشريع. وقد أكدت البراهمي أن المجلس قد وافق على الطلب.

ويتطلب التصديق على القانون تصويت 109 نواب من أصل 217. وإلى الآن لم يصرح بعض الكتل النيابية بالبرلمان بموقفها الرسمي من الصيغة المعدلة لمشروع القانون.

وكان للشارع التونسي رأيه وموقفه من جديد تزامناً مع اقتراب انعقاد الجلسة العامة، فانطلقت الاحتجاجات المنددة والرافضة للقانون الذي اعتبره الناشطون مسّاً للحريات وتهديداً لمكتسبات الثورة التونسية.

دوافع مبادرة قانون زجر الاعتداء على القوات المسلحة

عُرض قانون زجر الاعتداء على القوات المسلحة، على البرلمان التونسي لمناقشته لأول مرة سنة 2015، وكان ذلك فترة حكومة الحبيب الصيد.

وكان من بين أهم دوافع القانون، تواتر الاعتداءات والعمليات الارهابية التي تعرض لها أعوان المؤسسة الأمنية في تونس ومقراتهم.

يتكون مشروع القانون من 15 فصلاً، تتناول شروط وآليات الحماية، وفصولاً في حماية الأعوان وذويهم من الاعتداءات، وفصولاً أخرى في حماية القوات والمقرات والمنشآت والتجهيزات التابعة لها من الاعتداءات، إضافة إلى أحكام أخرى انتقالية.

ولكن القانون في صيغته المطروحة على لجنة التشريع العام سنة 2015 قوبل بالرفض والمطالبات بسحبه من قبل المنظمات الحقوقية، كما اعترضت على صيغته النقابات الأمنية التي وإن كانت ترى ضرورة ملحة لسرعة تمريره فإنها تطالب بتعديل بعض فصوله.

فعلقت اللجنة النظر في القانون لإعادة صياغته، ثم استؤنف النظر فيه في فبراير/شباط 2020 بطلب من مكتب البرلمان.

وتلقى المجلس طلباً من الحكومة لاستعجال النظر في مناقشة القانون في صيغته المعدلة وعرضه على الجلسة العامة للتصديق عليه، وكان ذلك إثر أحداث سوسة الأخيرة، فتم التصديق من قبل أغلب أعضاء البرلمان على عقد الجلسة بداية أكتوبر/تشرين الأول 2020.

مواقف الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية من القانون

تباينت وتعددت مواقف الكتل البرلمانية من مشروع القانون وبنوده. وفي تصريح خاص لـTRT عربي قال النائب عن كتلة التيار الديمقراطي،زياد الغنايإن التيار لا يرى بدّاً من وجود قانون خاص لأي إطار كان، بخاصة في ظل وجود المجلة الجزائية التي تنصّ على أغلب القوانين. واعتبر القانون انتصاراً لجهة معينة داخل المجتمع على حساب جهة أخرى، وأنه مجرد تسوية سياسية يوظفها بعض الأطراف.

وأكّد حزب التيار الديمقراطي الموقف ذاته من القانون في بيان رسمي صدر عن مكتبه السياسي، الذي كان يرى غياب الجدوى من إصدار قوانين خاصة تشمل قطاعات دون غيرها تكرّس التشتت التشريعي وتجذّر القطاعية، ويدعو إلى تفعيل الترسانة القانونية الجاري بها العمل وتنقيح الأحكام الموجودة في القوانين التونسية على غرار المجلة الجزائية وقانون مكافحة الإرهاب وغسل الأموال لضمان الحماية الشاملة لكل من يهمهم هذا القانون وعائلاتهم.

وأكد النائب عن كتلة حركة النهضةسمير ديلووالوزير السابق لحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية في تصريح لـTRT عربي، أن حركة النهضة لم تصدر بعد موقفاً رسمياً من القانون وأن الكتلة تتناقش وتتفاعل حول بنوده.

ويرى سمير ديلو أن بعض الفصول يتسم بالضبابية ويشدّد العقوبة دون مُوجِب قانوني، ويمنح صلاحيات اعتبرها تأليهاً للمؤسسة الأمنية، ويحيل بالضرورة إلى التساؤل عن كيفية تطبيق القانون الذي يمكن أن يمسّ من كرامة المواطن ويهدّد حريته في التعبير.

موقف الناشطين ومنظمات المجتمع المدني من القانون

رغم التعديلات المتكررة التي أدخلها نواب البرلمان على فصول القانون فإنه لقي رفضاً شعبياً وحقوقياً واسعاً باعتباره يهدّد الحقوق والحريات المكتسبة من "ثورة جانفي 2011".

وأصدرت في هذا الإطار الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بياناً رسمياً تدعو فيه إلى إسقاط مشروع القانون واعتبرته يتعارض مع الدستور ويتضمّن عقوبات قاسية لجرائم غير واضحة المعالم.

كما عبرت منظمة العفو الدولية عن رفضها قانون زجر الاعتداء على القوات المسلحة الذي من شأنه أن يعزز إفلات رجال الأمن من العقاب ويحميهم من أي مسؤولية جنائية عن استخدام القوة المميتة.

ومع تعدد الممارسات القمعية في صفوف الأمنيين تجاه المواطنين، التي وثّقتها وسائل التواصل الاجتماعي والمنظمات الحقوقية، تعزز رأي الناشطين السياسيين بالتنديد بالقانون والدعوة إلى سحبه.

وفي تدوينة له عبر صفحته على فيسبوك اعتبر الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي أن القوانين لا يجب أن تتحول إلى وسيلة لترضية أي جهة أو لضمان ولائها ، ومن الضروري سحب مشروع هذا القانون انسجاماً مع روح الدستور ونصه.

كما رأى الباحث والناشط السياسي سامي براهم أن القانون يفتح الباب على مصراعيه لتجريم حريّة التّعبير التي تتناول الانتهاكات، من طرف الصحفيين والإعلاميين والمدوّنين، في مقابل ذلك تفتح الباب لارتكاب الانتهاكات ونفي المسؤوليّة القانونيّة عن مرتكبيها وإفلاتهم من العقاب.

ولكن في المقابل كان للمؤسسة الأمنية موقف مغاير، إذ تعتبر مشروع القانون حماية لها من الاعتداءات المحتمَلة، ولا يعني بالضرورة تقويضاً للحريات.

وصرحعماد الحاج خليفة الأمين العام باسم الاتحاد الوطني لنقابات قوات الأمن الداخلي، عبر إذاعة شمس Fm، بأنه كان من الحري بمؤسسات المجتمع المدني دعم هذا القانون باعتباره قانوناً إصلاحياً، وأن المؤسسة الأمنية في حاجة إلى قانون أساسي جديد يضمن حقوق الأمنيين، لا كطرف مقابل للمواطن بل كفرد من المجتمع وكموظف يتعرض للاعتداء في أثناء تأديته مهامَّه، ورأى أن القانون في حاجة إلى إضافة بعض الفصول لحمايتهم من التعليمات السياسية وأخرى تحميهم مادياً واجتماعياً إثر أي اعتداء.

تزامن هذا التفاعل مع مشروع قانون زجر الاعتداء على القوات المسلحة من طيف واسع من السياسيين ومنظمات المجتمع المدني، مع تحركات ووقفات احتجاجية أمام البرلمان نظمها ناشطون وفاعلون يدعون فيها النواب إلى عدم التصويت على هذا القانون، ورفضه.

وقوبلت الوقفات الاحتجاجية بانتهاكات وممارسات قمعية من الأمنيين مما أجج احتقان الشارع التونسي وعزز موقف منظمات المجتمع المدني في الدعوة إلى سحب القانون الذي يتضمن خروقات شديدة لحقوق الإنسان وتهديده للديمقراطية

وبين تمسُّك النقابات الأمنية بتمرير القانون، ورفض المنظمات الحقوقية له، يتواصل الجدل على الساحة السياسية والحقوقية في تونس، ليحسم الموقف النهائي تحت قبة البرلمان الذي ستحدده خارطة التحالفات السياسية الجديدة.

المصدر: TRT عربي