هل يمكن للشعب المصري أن يطمئنّ لمستقبل أمنه المائي بعد تصريحات السيسي؟ (Tiksa Negeri/Reuters)

حذّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كملة له الخميس، بنبرة حادة قائلاً: "لدينا خيارات متعددة للحفاظ على أمن مصر القومي". كما وجّه رسالة إلى السودان وإثيوبيا بضرورة العمل على التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن سد النهضة، "لكي نعيش في خير وسلام".

جاء ذلك في كلمة خلال فاعليات المؤتمر الأول للمشروع القومي "حياة كريمة" لتنمية قرى الريف المصري، باستاد القاهرة الدولي، الذي حضره سياسيون وإعلاميون، إضافة إلى آلاف المواطنين.

وأضاف السيسي أن "مصر لا تسعى أبداً للتهديد أو التدخل في شؤون الدول، لكنها تسعى دائماً للتعاون والقبول بالتنمية التي ستنتج من توليد الكهرباء للإثيوبيين، مع تأكيد أنه لا مساس بالمياه الخاصة بمصر".

وطمأن السيسي المصريين بأن "الأمور ستكون على ما يرام، وأن خطط الدولة تسير بشكل مدروس"، دون ذكر تفاصيل.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يخرج فيها الرئيس المصري بتصريحات حادة اللهجة إزاء قضية السد الإثيوبي، فقد اعتاد المصريون خلال الأشهر الماضية سماع تلك الكلمات بنفس النبرة. غير أن ما يهمّ هو مسار الأزمة على أرض الواقع، فعلى الرغم من محاولات الحكومة المصرية المتتالية للجلوس إلى طاولات التفاوض، وحشد طاقات الدولة، وتشكيل الجبهات العربية والإقليمية، وتدويل الأزمة، وتدشين الحملات الإعلامية، فإن كل ذلك لم يُفضِ إلى أي مآلات محمودة حتى الآن.

فعلى مدار ست سنوات من اتفاقية إعلان المبادئ، مضت أديس أبابا قدماً بكل سلاسة، في تنفيذ مشروعها القومي الضخم، واستمرت في عمليات الملء بلا اهتام بتصريحات "نارية" يُدلي بها يميناً ويساراً دولتا المصبّ، ومسار تفاوضي "شديد التعرج".

كل ذلك يطرح تساؤلاً عن مدى جدية النظام المصري في حلّ أزمة السد، ومدى إدراك الساسة في القاهرة خطورة ملف حيوي يمسّ "أمن مصر القومي"، وآثاره المترتبة على المستقبل القريب وعلى الأجيال المتعاقبة، حسب مراقبين.

مسار تفاوضي "شديد التعرج"

اتخذ النظام المصري خلال عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي مسار المفاوضات كخيار استراتيجي لا بديل منه.

بدأت بوادر الأزمة مع تجميد الاتحاد الإفريقي عضوية مصر عام 2013، بموجب القانون التأسيسي للاتحاد الذي ينصّ على "عدم قبول عضوية الدول التي تحكمها انقلابات عسكرية"، وكان هذا التجميد جاء في وقت تتمتَّع فيه أديس أبابا بدور مركزي في الاتحاد، لاستضافتها مقر الأخير.

جانب من المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا حول أزمة السد.  (AFP)

وبعد جولات من المساعي الدبلوماسية المصرية، التي تضمنت جولات من التفاوض مع الحكومة الإثيوبية ذاتها، بدأت مؤشرات بدء تشييد سد "النهضة" جليّة أكثر من أي وقت سابق.

وعلى أثر تلك الجولات والمساعي الدبلوماسية الدؤوبة، عادت مصر إلى أحضان الاتحاد الإفريقي عام 2014. لكن هذه العودة لم تُعِن مصر على خلق حلّ لأزمة السد، على الرغم من الاستنجاد بالاتحاد الإفريقي مراراً وتكراراً. وفي العام نفسه أُبرمَ اتفاق بين وزيرَي الري في مصر وإثيوبيا على تشكيل "لجنة وطنية" من 12 مفاوضاً، مقسَّمة على الدول الثلاث، مصر والسودان وإثيوبيا، بغية إيجاد حلّ مشترك حول الاستفادة من مياه النيل بلا خطوات أحادية الطرف.

تلا الاتفاقَ حول تشكيل اللجنة الوطنية إعلانُ المبادئ في الخرطوم عام 2015، وهو الحدث الأبرز في مسار المفاوضات، إذ مَهّد الطريق لأديس أبابا لتشييد سدّها مع الحصول على اعتراف ضمنيّ بشرعية قانونية من القاهرة والسودان بالسد، وعليه حصلت إثيوبيا على تمويل عالمي هائل.

تلا تلك الأحداث حتى يومنا هذا جهدٌ دؤوب للوصول إلى حلّ للأزمة وضمان مصر والسودان حصتيهما السنويتين من مياه النيل، إذ توسط البنك الدولي عام 2017 لحل الأزمة، غير أن أديس أبابا تراجعت.

وفي العام التالي عُقد اجتماع الخرطوم المخابراتي بهدف تقريب وجهات النظر، وجرت بالخرطوم محادثات ثلاثية مكثَّفة بين وزراء الخارجية والري ومديري أجهزة المخابرات، إلا أنها باءت بالفشل أيضاً.

وشهد عام 2019 دخول واشنطن على خط المفاوضات بجانب البنك الدولي، فقد حاولا إحداث توافق بقواعد الملء والتشغيل بين إثيوبيا ومصر والسودان. واستضاف البيت الأبيض عام 2020 وفود الدول الثلاث، وخرجت المفاوضات بتوافق مبدئي يُعَدّ خريطة طريق تتضمن 6 بنود، أبرزها فترات الملء خلال الجفاف والجفاف الممتدّ. لكن أديس أبابا اعتذرت بشكل مفاجئ عن حضور توقيع اتفاق واشنطن المتفَق عليه برعاية ترمب.

واستمرت مسارات التفاوض تحت رعاية الاتحاد الإفريقي تارة، ومجلس الأمن تارة أخرى، حتى وصلت مؤخراً إلى طريق مسدود، جعل البعض يتنبأ بأن العمل العسكري أصبح مطروحاً وقد تُضطرّ إليه القاهرة نظراً إلى التعنت الإثيوبي المستمر.

ويعزو بعض المراقبين تعثُّر خطوات النظام المصري في الإتيان بنتائج مُرضية في ملف سد النهضة، إلى انخراط مصر في مواجهة "تهديدات أمنية" تمسّ أمنها القومي من الشريط الحدودي الغربي (ليبيا) والشمال الشرقي (شبه جزيرة سيناء).

غير أن المنصات الإعلامية المصرية المدافعة عن النظام تبتذل الأمر في شعارات وسرديات وطنية على شاكلة "مصر تُحارَب"، وأن عدة جهات خارجية تحاول زعزعة أمنها واستقرارها. وهذا تحديداً ما قال به اللواء محمد الغباشي، الخبير العسكري والاستراتيجي الذي يرى أنها "ليست مصادفة أن مصر تواجه عدائيات في ثلاث جهات استراتيجية مختلفة (...)، مصر الآن تواجه تحديات أمنية في حدودها الغربية، وشمالها الشرقي، إضافة إلى التحدي المائي الجنوبي".

جدليَّة إعلان المبادئ

وضعت اتفاقية إعلان المبادئ دولتي المصبّ في مأزق، فالاتفاقية التي وُقّعت في الخرطوم عام 2015، حملت اعترافاً ضمنياً من مصر والسودان بالسد الإثيوبي، إضافة إلى عدم توفير الاتفاقية ضمانات كافية للقاهرة والخرطوم للحفاظ على منشآتهما المائية واستمرار تدفُّق حصتيهما السنويتين من مياه نهر النيل.

واستمرت الإشكالية الناتجة عن اتفاقية إعلان المبادئ تلوح في مسارات التفاوض المختلفة، إذ باتت المفاوضات تدور في حلقة مفرغة ومنعزلة عن اعتداد أديس أبابا بحقوقها السيادية، ورفضها حقّ التدخل أو الرقابة المصرية والسودانية على أعمال التشييد والملء.

ومنذ ذلك الحين لم تُفضِ الجهود المصرية والسودانية إلى أي نتيجة ملموسة، وظلت التصريحات وأحياناً "التراشق" تخيّم على الأجواء وسط استمرار إثيوبيا في استكمال مشروعها القومي، مما يُظهِر عدم جدوى التصريحات النارية والوعود المقدمة للشعوب بحلّ الأزمة، فيما يُعلَن دورياً عن فشل المفاوضات وعدم التمكُّن من تشكيل أي ضغط يوقف أديس أبابا عن مسارها.

وصولاً إلى اللحظة الأكثر غرابة على الإطلاق، التي خالفت كل الأعراف الدبلوماسية، ولم تشهد العلاقات الدولية مثلها من قبل، إذ طلب الرئيس المصري من رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في لقاء مشترك عُقد منتصف عام 2018، أن يقسم على الهواء مباشرة وباللغة العربية -التي لا يعرف عنها آبي أحمد شيئاً- طالباً منه أن يكرر كلمات: "والله والله، لن نقوم بأي ضرر، للمياه في مصر".

وبعد جهود سودانية ومصرية، عقد مجلس الأمن في 13 يوليو/تموز الجاري جلسة لمناقشة أزمة سد النهضة، أكد خلالها دعم الوساطة الإفريقية لحلّ الخلافات حول السد.

وكان وزير الخارجية المصري سامح شكري أكّد خلال جلسة مجلس الأمن، أن الجهود التي يقودها الاتحاد الإفريقي بشأن الأزمة "وصلت إلى طريق مسدود".

TRT عربي
الأكثر تداولاً