مع استمرار الحراك الشعبي في الجزائر، يحاول النظام إدارة الموقف وتخفيف الاحتقان، هذه المرة بالاستعانة ببعض الإسلاميين.

بقدر ما شكلت تزكية سليمان شنين رئيساً للبرلمان الجزائري مفاجأة مدوية في المشهد السياسي الجزائري ووُصفت بالصفقة السياسية، بقدر ما كشفت أيضاً عن حجم الشرخ وسط الأحزاب الإسلامية والإخوان المسلمين أنفسهم.

جاءت تزكية شنين المتحدر من مدرسة الإسلام السياسي مفاجئة في خضم التطورات المتسارعة التي تشهدها الجزائر منذ إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة استقالته في أبريل/نيسان.

وينتمي رئيس البرلمان الجديد سياسياً إلى حركة البناء الوطني التي تأسست عام 2013 من قبل قياديين انشقوا سابقاً عن حركة مجتمع السلم المحسوبة على الإخوان المسلمين بعد أزمة داخلية.

وهذه الحركة الجديدة لا تزال إلى اليوم تنازع حركة مجتمع السلم (الحركة الأم) شرعية تبني ميراث الشيخ المؤسس محفوظ نحناح (1942-2003)، وكذلك تمثيل تيار الإخوان المسلمين في البلاد.

المحلل عبد الحفيظ شعباني قال في تصريح لـTRT عربي إن اسم شنين لم يكن متداولاً كمرشح لمنصب رئيس البرلمان، إلى غاية صباح موعد جلسة الانتخاب، مشيراً إلى أن "مظاهر التسيير بالهاتف متواصلة على الرغم من مشاهد حبس العصابة وأذرعها".

صفقة سياسية

أثارت تزكية النائب الإسلامي على رأس البرلمان استغراب المتابعين للشأن السياسي، وبخاصة أن المنصب ظل حكراً على الأحزاب الموالية للنظام منذ إقرار التعددية الحزبية في 1989.

وحظي شنين بتزكية من حزبي الأغلبية بالمجلس وهما جبهة التحرير الوطني الحاكم سابقاً، وحليفه التجمع الوطني الديمقراطي، إلى جانب كتل أخرى صغيرة، إذ لا تملك المجموعة النيابية التي ينتمي إليها سوى 15 عضواً من بين 462 يحصيهم المجلس.

تنازل أحزاب الموالاة عن رئاسة البرلمان، هي التي تملك غالبية بـ300 نائب، جعل الطبقة السياسية تتساءل عما حدث في ربع الساعة الأخير، بعدما سحب كل حزب مرشحه، لتعود إلى الأذهان مظاهر تسيير الدولة عبر "الأوامر بالهاتف" التي كانت سائدة في العهد السابق.

وذهبت حركة مجتمع السلم إلى وصف ما جرى بالصفقة السياسية، وفي تصريح لـTRT عربي قال ناصر حمدادوش البرلماني عن حركة حمس "إن ترشّح شنين لم يسبق الإعلان عنه إلى غاية يوم انتخابه، في تطوّر سريع ومفاجئ للجميع"، مؤكّدًا أنه "لم يُتصل به إلى غاية يوم تعيينه، وهو ما جعل مراجعة قرارهم أمراً صعباً".

ويرى حمدادوش، أن اختيار شنين هو صفقة سياسية أو تقارب بين السلطة والتيّار الإسلامي على حساب الحراك الشعبي، مستطرداً أن الشعب الجزائري له من الوعي السياسي ما يميّز به بين الألوان السياسية، إذ لا يؤمن بهذه التصنيفات الأيديولوجية على حدّ قوله.

لكن بن قرينة وجه رسائل قوية لحركة مجتمع السلم، حول مصطلح الصفقات السياسية بين الإخوان والسلطة خلال العقود الماضية.

وخاطب رفاقه السابقين في ندوة صحافية قائلاً إن "الصفقات يعقدها الكبار وحركة البناء صغيرة وحزب جديد في الساحة السياسية مقارنة بالمؤسسات السياسية الموجودة فيها، فهل المؤسسة العسكرية تعقد صفقة مع الصغير؟ كونوا شجعاناً وقولوا من هذه الجهة التي عقدنا معها الصفقة المزعومة".

وتصريح بن قرينة كان بصدد تذكير زعيم حركة حمس عبد الرزاق مقري، بمشروع التوافق الوطني الذي أطلقته الحركة خلال الأشهر التي سبقت اندلاع أحداث الحراك الشعبي، وهو المشروع الذي كشف في ما بعد عن اتصالات كانت جارية بين قيادة الحركة والرجل القوي في النظام السابق سعيد بوتفليقة، في إطار صفقة سياسية، أراد بن قرينة، تذكير مقري بها، لمّا تحدث الأخير عن صفقة بين حركة البناء والسلطة برعاية المؤسسة العسكرية.

في هذا السياق يعتقد الناشط السياسي عدة فلاحي أن تاريخ الإسلاميين في العمل السياسي يُظهر أنهم يُستخدمون في كل مرة، إما "كظهر يُركب أو فزاعة للتخويف"، مشيراً في تصريح لـTRT عربي إلى أن "شنين ورقة استُعملت من السلطة لشقّ ما تبقى من صفوف التوافق النسبي داخل بيت المعارضة الناعمة، المشكّلة من الإسلاميين وبعض أحزاب التيار الوطني".

جدل بين الإسلاميين

لم يكن اسم شنين الذي ترعرع في حركة مجتمع السلم في زمن مؤسسها الراحل الشيخ محفوظ نحناح، متداولاً كمرشح لخلافة معاذ بوشارب إلى غاية صباح موعد جلسة الانتخاب.

وشكّل طرح اسم سليمان كمرشح إجماع للمنصب إحدى المفاجآت السياسية التي تحدث في قلب الحراك الشعبي.

وفي أولى ردود الفعل على تزكية شنين النائب عن تحالف برلماني يضم جبهة العدالة والتنمية وحركة البناء وحركة النهضة، وصفت حركة مجتمع السلم أكبر حزب إسلامي في الجزائر التزكية بأنه "نتاج هِبة منحتها أغلبية برلمانية مزورة تابعة للسلطة المؤقتة".

وحسب بيان للمجموعة النيابية لمجتمع السلم، فإن مقاطعتها جلسة التزكية "جاء تنفيذاً لقرار سابق من مجلس شورى الحركة بالتناغم مع مطالب الحراك الشعبي.

ودافع بن قرينة عن تزكية سليمان شنين بالأغلبية قائلاً أن ذلك جاء "تلبية لمطالب الحراك وتحقيق للإرادة الشعبية".

بينما أعلن رئيس حزب العدالة والتنمية عبد الله جاب الله وحسن عريبي، براءة حزبهما من انتخاب شنين على رأس البرلمان.

ويبدو أن الضحية الأولى للصفقة المثيرة للجدل، سيكون التحالف بين النهضة والعدالة والبناء، الذي كان سليمان شنين، أحد أعضائه ووقع بيانات وتصريحات باسمه في العديد من المناسبات، بخاصة منذ اندلاع أحداث الحراك الشعبي.

ويؤكد الكاتب والإعلامي عادل صياد أن "التيار الإسلامي يقدم اليوم غطاءً سياسياً للجيش، وهو ما يعني تكراراً لتجربة التسعينيات ذاتها، عندما قدمت حركة حمس غطاء مهماً للسلطة في حربها على الجبهة الإسلامية المنحلة، بالمشاركة في إعادة بناء واجهة تعددية لنظام حكم تضررت مصداقيته بعد الانقلاب على الإرادة الشعبية".

وأوضح صياد في تصريح لـTRT عربي أن "ما يجري الآن هو محاولة لوضع الإسلاميين في الواجهة، بعد أن أصبحت أحزاب التحالف الرئاسي غير صالحة للعرض أمام جمهور مصرّ على تغيير جذري للنظام".

لجأ النظام في 1991 إلى نسج تحالفات مع حركة حمس لفك العزلة عنه بعد توقيف المسار الانتخابي وها هو التاريخ يعيد نفسه على ما يبدو إذ استنجدت السلطة بحركة البناء للخروج من الانسداد السياسي بسبب الحراك الشعبي المتواصل.

المصدر: TRT عربي