يُشكّل الأتراك الأذربيجانيون أكبر أقليةٍ عرقية في إيران، ولكنّهم يحتجون بشكلٍ متزايد تأييداً لأذربيجان في صراعها المستمر مع أرمينيا. وهو الأمر الذي من شأنه أن يُقلق طهران.

ضربت الاحتجاجات المؤيدة لأذربيجان عدة مدن في إيران من بينها العاصمة طهران ومدينة تبريز الشمالية الغربية.

ومع تصاعد الاشتباكات بين أذربيجان وأرمينيا، توجد مؤشرات على أنّ السكان الأتراك الأذربيجانيين يُمكن أن يكونوا مصدراً للتوتر في البلاد، بخاصة بالنظر إلى تصوُّر أنّ إيران تُساعد أرمينيا.

وأظهرت مقاطع الفيديو على الإنترنت المتظاهرين وهم يُشاركون في احتجاجات الشارع، مع إلقاء بعضهم المقذوفات الحارقة على قوات الشرطة.

ويُمكن سماع بعض المحتجين يهتفون باللغة الأذربيجانية: "قره باغ من حقنا، وستظل ملكنا"، في إشارةٍ إلى منطقة ناغورنو-قره باغ المحتلة من أرمينيا.

وقد يبدو للوهلة الأولى أنّه في ضوء وجود أكثر من 20 مليوناً من الأتراك الأذربيجانيين داخل إيران، يُمثّلون أكبر جماعةٍ عرقية في البلاد وغالبيتهم من الشيعة، سيكون تعاونٌ مشترك مع أذربيجان التي غالبية سكانها من الشيعة أيضاً.

لكن الواقع على الرغم من ذلك معقّدٌ بعض الشيء، في ظل نظرة كلتا الدولتين إلى الأخرى ببعض الريبة.

وتاريخياً، كان السكان الأتراك الأذربيجانيون في إيران يُعتبرون أكثر المجتمعات ولاءً للدولة، وبخاصة بسبب كونهم من الشيعة.

ففي عهد الإمبراطورية الصفوية -التي انتهت في القرن الـ18- والإمبراطورية القاجارية ذات الأصل التركي -التي دامت حتى عام 1925-، أسهم أولئك السكان في النخبة الحاكمة أو حكموا فعلياً الأراضي التي صارت لاحقاً تُشكّل دولة إيران.

وأسفر صعود القومية والدولة الوطنية عن إعادة اكتشاف وتخيّل لبعض الأتراك الأذربيجانيين داخل إيران لهويتهم، واعتبار مجتمعات القوقاز والأناضول بمثابة الأشقاء لأول مرة.

وبدأت طهران تنظر إلى مجتمع الأتراك الأذربيجانيين في شمال غربي إيران، على الحدود مع أذربيجان، من منظور نموذجٍ أمني. فماذا لو قرّرت المنطقة أنّها ترغب في الانفصال عن إيران؟

توجد سابقةٌ لهذا الأمر. فقبل الانسحاب عام 1945، أنشأ الاتحاد السوفيتي جمهورية أذربيجان الشعبية، التي سقطت سريعاً في غياب تفويضٍ شعبي. ومنذ ذلك الحين كانت طهران حريصةً على كبح جماح أي شعورٍ قومي.

اقرأ أيضاً:
لماذا تعجز مجموعة مينسك عن التعامل مع صراع أرمينيا وأذربيجان؟

وبالعودة إلى زمننا الحاضر، فإنّ حرباً مُطوّلة وممتدة بين أرمينيا وأذربيجان قد تزيد المشاعر القومية وسط السكان الأتراك الأذربيجانيين، الذين يتعاطفون بشدة مع أبناء عمومتهم.

إذ قال محللٌ أمني للشرق الأوسط: "في حال حكمت إيران بأنّ الصراع في أرمينيا وأذربيجان يُؤدّي إلى أي نوع من عدم الاستقرار في إيران أو يُؤجّج التوترات العرقية، فسوف تتحرّك سريعاً للوصول إلى وقف إطلاق النار عبر العمل مع أنقرة وموسكو".

ووصفها البعض بمسألة الأتراك الأذربيجانيين الإيرانية، وهي المسألة التي حاولت طهران التعامل معها عبر الانخراط في سياسات الاستيعاب.

ومع هجرة ملايين الأتراك الأذربيجانيين إلى طهران وغيرها من المناطق الصناعية في البلاد، فإنّ "الافتقار إلى التعليم بلغتهم الأم، وبعض الوصمات الناجمة عن كونهم أذربيجانيين يتحدثون التركية في إيران" قد أسفر عن اندماج أعدادٍ كبيرة منهم في الثقافة الفارسية حسب تقريرٍ بحث في المسألة.

وقد انطلقت سياسات استيعاب الأتراك الأذربيجانيين في عهد الشاه السابق، لكنّها تواصلت في عصر الجمهورية الإسلامية.

بينما أدّى إنشاء أذربيجان في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، وما أعقبه من حرب مع أرمينيا وتوترات دامت 30 عاماً، إلى خلق صداعٍ في رأس إيران.

واستمرار الحرب القائمة حالياً بين يريفان وباكو قد يمتد إلى إقليم الأتراك الأذربيجانيين، مهدداً عقوداً من سياسات الاستيعاب التي سعت إدارات طهران المتعاقبة لترسيخها.

وقد دعت طهران علناً حتى الآن إلى وقفٍ فوري لإطلاق النار، لكن في حال استمرار الحرب، فمن المرجح أن تواصل التوترات داخل البلاد إلى ذروتها في ظل سعي الأتراك الأذربيجانيين لمساعدة أشقائهم عبر الحدود.

المصدر: TRT عربي