أشعلت عملية قتل المواطن الأمريكي جورج فلويد الشارع الأمريكي جرّاء المعاملة العنصرية التي مازال يحظى بها الملونون في الولايات المتحدة، وما يا يبعث على التساؤل حو الأسباب والدوافع وراء هذه المعاملة التمييزية.

أمريكا "لا تستطيع التنفس"، فبعض الحقوق مشروطة باللون، والعنصرية باتت تفوق أحياناً دعاوى الحرية، واليوم رقبة رئيسها تحت ركبة شعبه الغاضب، والتمييز هو السبب والنتيجة. فدرجة قتامة بشرتك تهمة غير معلنة، قد تدان بها وتحاكم وتعدم، أحياناً في الشارع، بل وربما تحت أقدام رجال الأمن.

في 25 من مايو/أيار لفظ جورج فلويد آخر أنفاسه ممدداً على الأرض، وفوق عنقه ركبة شرطي أبيض.ظل فلويد يصيح ويستنجد: "لا أستطيع التنفس"، حتى غادرت روحه جسده، ضحية لـ"وباء العنصرية"، كما يقول محامي أسرته. وما هي إلا ساعات حتى انفجرت شوارع العديد من الولايات الأمريكية بالغاضبين، ليسمع العالم ما لم يستطع ذلك الشرطي سماعه.

"لدي حلم"

لم يكن الزعيم الحقوقي الأمريكي ذو الأصول الإفريقية "مارثن كينج" يعلم أن حلمه سيتحول إلى كابوس بعد أكثر من نصف قرن من الزمان.

فكينج أشهر زعماء النضال ضد التمييز العنصري في أمريكا والذي مازالت خطاباته وآماله وأحلامه ببلد تساوي بين مواطنيها بغض النظر عن العرق والدين والجنس تتردد أصداؤها في جنبات الأرض كلما ذكرت حقوق الإنسان، لم يكن يدري أنه لن يحظى حتى بميتة عادلة.

أشباه فلويد

صحيح أن جهاد الزعيم الأسود في خمسينيات القرن الماضي قد تمخض عن انتزاع السود قانون الحقوق المدنية، وحق الانتخاب، وقانون إنهاء التمييز العنصري ضد اللون أو الدين والمعتقد والجنس إلا أن التمييز لم ينقطع، ولجورج فلويد أشباه كثر.

ففي عام 1991 ضجت الولايات المتحدة بالاحتجاجات وأعمال الشغب بعد تبرئة المحاكم الأمريكية لضباط شرطة لوس أنجلوس الذين أبرحوا مواطناً أسود ضرباً دون وجه حق.

"لقد تخلى عنا القضاء"

ولا تكاد حادثة تهدأ حتى تثور أخرى، وما خفي ربما كان أعظم. ففي 2010 قالت أم الشاب الأسود أوسكار غرانت وهي تبكي بحرقة: "لقد تخلى عنا القضاء"، عندما عوقب رجال الشرطة الذين قتلوا ابنها، بعامين فقط في السجن، لكن "محكمة الشارع" كان لها رأي آخر، إذ ضجت البلاد بالمتظاهرين المطالبين بإنصاف الضحية.

وبقيت كلمات الكاتبة الأمريكية أوسيت لويس، آنذاك، وصمة عار على جبين القضاء الأمريكي، حين قالت "لقد غدت سترة الحارس السوداء كفناً، لأن العدالة قد دُفنت في حكم البراءة، واليوم ليس رثاء للضحية وحسب، بل للعدالة في أمريكا أيضاً. فلم يكن الشرطي هو الوحيد الذي يحاكم. وإنما أمريكا كلها، كانت تحاكم".

عنصرية فوق الإنكار

لا يمكننا إنكار أن الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية حصلوا على العديد من الحقوق التي لم تكن متاحة لهم سابقاً، فيمكننا أن نراهم اليوم يتقلدون المناصب الرفيعة والمتميزة، لكن تبقى الفروق بينهم وبين نظرائهم من ذوي البشرة البيضاء قائمة وصارخة.

فلا تقتصر مشاكل مجتمع الملونين الذي يشكل حوالي 13%؜ من سكان الولايات المتحدة على التهميش والعنصرية فقط، وإنما يعاني من عدة ظواهر مقلقة أيضاً لعلَّ أبرزها الفقر. إذ يعيش 24.7% من السود تحت خط الفقر، أي ما نسبته 12.7% على المستوى القومي الأمريكي.

وتمر الأعوام وتتبدل الأزمنة، لكن القناعات العنصرية تأبى أن تسكن الماضي أو أن تتغير. فبالرغم من تربع أمريكي أسود هو باراك أوباما، على عرش البيت الأبيض -الذي يحمل بالمناسبة شيئاً من العنصرية في اسمه- وحتى مع شعبيته الكبيرة، يبدو أن ذلك لم يغير من الأمر الكثير.

وهذا ما يؤكده الاعتراف الأخير الذي صرح به وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر، حين قال "إن التمييز العنصري ظاهرة حقيقية في الولايات المتحدة". فبهذه الجملة يوثق الوزير الأبيض حقيقة جلية لطالما حاولت السياسة الأمريكية إخفاءها أو تجميلها.

فما تعيشه الولايات المتحدة اليوم قد يبدو وكأنه خرج من كتاب التاريخ الذي تنبأ بمستقبل بلاد الحرية منذ نحو 70 عاماً، حين خطب المناضل مارتن كينج في الناس قائلاً "إن أعمال الشغب هي لغة غير المسموعين، فليس هنالك شيء اسمه نضال لأجل حق صغير، أو ظرفي أو مؤقت، بل هناك النضال الدائم لأجل إنسان، خلقه الله حراً ويجب أن يعيش حراً وكريماً".

يحكي أندرو، وهو أحد ناشطي منظمة Black lives matter، عن حادثة حفرت مكانها في ذاكرة طفولته في بداية السبعينيات بكاليفورنيا في منطقة خاصة بالسود.

يقول أندرو في معرض حديث مع TRT عربي: "اصطحبتني أمي في نزهة خارج منطقة الحدود المسموحة لنا إلى مسرح "فوكس"، وبعد وقت وجيز داهمت الشرطة المكان وأوسعت الأمريكيين من أصل إفريقي ضرباً وحشياً، وكانت أمي تخبئنا خلف الأعمدة حتى لا نتأذى. صحيح أنني وقتها كنت طفلاً، لكنني كنت شاهداً على كل ذلك وأكثر".

ويكمل حديثه "تعلمنا هذا اليوم ألا نتجاوز المنطقة المسموح لنا بالتنقل فيها، لأننا لو فعلنا ذلك مجدداً فقد لا نعود سالمين إلى المنزل أبداً".

لكن قصص الطفولة المرة لا تنتهي. يقول أندرو: "أتذكر أيضاً يوماً من الأيام أن نجل رئيس الشرطة والذي كان ضابطاً أيضاً، داهم منزلاً في منطقتنا وقتل صاحبه، نعم.. الشرطة كانت تتعامل معنا كأننا بلا قيمة، يطلقون النار أولاً ويستجوبوننا لاحقًا، وإلى الآن ما زلنا نعاني أسوأ أشكال العنصرية".

لم نمض بعيداً عن الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة العنصرية 21 من مارس/آذار، حتى شهد العالم تتويجها في بلاد الحريات.

ويبدو أن الجمهوري الأشقر الذي ألصق به معارضوه كثيراً من الصفات السيئة من الطبقية والنرجسية إلى الاختلال، كان على وعي كبير بطبيعة المرحلة التي قرر فيها أن يخوض غمار السياسة.

فوجود الرئيس الأسبق أوباما ذي البشرة السمراء في الحكم لم يكن مرضياً لشريحة من الشعب الأمريكي، وأولهم ترمب، الذي عمد كثيراً إلى مهاجمة سلفه بالتذكير بأصوله الإفريقية، واتهامه بإخفاء حقيقة ديانته، خاصة بعد تعيينه مسلمة محجبة من أصول عربية، مستشارة له للشؤون الإسلامية، وهو الأمر الذي مثّل أرضاً خصبة لتقبل المجتمع التصريحات التحريضية خلال حملته الانتخابية، حيث شكلت أساساً استطاع أن يبني عليه شعبية واسعة حين وصف المهاجرين المكسيكيين "بالمجرمين".

ووفقاً لدراسة أعدها مركز الفقر الجنوبي القانوني (SPLC) "فإن كلاً من خطابات العنصرية وضغوطات اليمين المتطرف على أصحاب التوجهات الأخرى في الولايات المتحدة شهدت زيادة مع تسلم ترمب للحكم".

"القوم في السر غير القوم في العلن"

تهمتك في أمريكا ليست لونك فحسب بل عرقك أحياناً أو دينك، تروي الأمريكية تالات حمداني -باكستانية الأصل- في حديثها مع TRT عربي، كيف فقدت ابنها سلمان ضحية هجمات 11 سبتمبر على برجي التجارة الدولية بنيويورك، وتقول إن نجلها اعتبر حينها أحد المشتبه بهم، بالرغم من ذهابه مسرعاً عند وقوع الهجوم ليساعد الناجين، كونه حاصلاً على تدريب فني طوارئ طبية في وقت سابق، ولكن عرقه وضعه موضع الاشتباه الجنائي، في نظر السلطات.

وبصوت حزين تسترجع حمداني الذكريات قائلة "لقد ضحى ابني بنفسه من أجل واجبه الإنساني، ولم تشفع له ثلاث سنوات من التدريب في شرطة نيويورك"، إلا أنها واصلت الكفاح حتى ثبتت براءته، لكنها تشعر بالأسف لأن الحادثة "لم توقف توجيه التهم إلى المواطنين وفق أصولهم العرقية".

ترمب.. أكثر من لغة للعنصرية

وعن المسلمين، فإن لترمب سجل طويل من الأزمات العنصرية، فلا يمكن لأحد أن ينسى موقفه من خطاب خضر خان، الذي فقد ابنه في حرب 2004 حينما أشار لوالدة الشاب قائلاً باستنكار: "هل يسمح لها بالكلام من الأساس؟!

ولا تُنسى أزمة انتقاده لنائبات ديمقراطيات في مجلس النواب من أصول أجنبية هنّ الكسندريا اوكاسيو-كورتيز من نيويورك، والهان عمر من مينيسوتا، وايانا بريسلي من ماساشوستش، ورشيدة طليب من ميتشيغان، وطلبه منهن أن يعدن إلى بلادهن في إشارة إلى الأصول الإفريقية وديانة البعض منهن، والسجال بينه وبين النائبة إلهان عمر مثالاً لا ينتهي. ناهيك عن تهديده بين الحين والآخر بمنع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة.

وقد زادت سلوكيات ترمب من حدة العنصريين البيض، وساهمت في طرد مهاجرين، وحظر مواطني دول ذات غالبية مسلمة من دخول الولايات المتحدة. وهو ما حذر منه الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر وقتها، قائلاً "إن ترشح ملياردير العقارات النيويوركي للرئاسة عن الحزب الجمهوري أزال الغطاء عن مستودع من العنصرية".

ديانتك تهمة غير مباشرة

الأمر أشبه بدخولك فيلم خيال، ولا تستطيع أن تجد نفسك وسط هذه الشوارع والبيوت"، هكذا وصفت الطبيبة المسلمة هاجر درجام لـTRT عربي، كيف كانت حياتها هي وزوجها في الولايات المتحدة منذ قدومهما إليها قبل تسع سنوات.

تقول درجام: "كنت أتعرض لمضايقات طيلة الوقت بسبب التزامي بالزي الإسلامي وكذلك الحال مع زوجي الملتحي". وتروي الطبيبة المسلمة حادثة مروعة عاشتها جراء العنصرية: "أتذكر ذلك اليوم جيداً عندما كنت أشتري بعض المستلزمات من المتجر المقابل للبيت حين وجه أمريكي أبيض سكيناً نحوي".

وتصمت للحظات ثم تستكمل: "كان معي طفلي وطلب مني المهاجم الرحيل عن البلاد ووصفني بالإرهابية، وخيرني في حال أردت البقاء بترك حجابي، وعند قدوم زوجي للدفاع عني طعنه الرجل الأبيض ثلاث طعنات".

وتصف هاجر فترة تولي ترمب الحكم بالمؤسفة: "هي أسوأ فترة مرت علينا نحن المسلمين، فوتيرة وجرأة الاعتداءات علينا تفاقمت بشكل كبير جداً".

التمييز بأمريكا قديم متجدد

من وجهة نظر أخرى ينفي ميشيل سبرينجمان المحلل السياسي والدبلوماسي الأمريكي السابق في تصريح خاص لـTRT عربي، وجود علاقة بين انتخاب ترمب وتصاعد العنصرية، فالعنصرية في أمريكا موجودة منذ الماضي، على حد قوله.

ويتابع الدبلوماسي الجمهوري، والمدافع القوي عن ترامب، القول "إن التظاهرات الحالية ستنتهي، بالرغم من التأجيج الذي تمارسه وسائل الإعلام بوصفها ما يحدث (بالاحتجاجات)"

كما ينفي سبرينجمان أي ارتباط بين العنصرية وعهد ترمب، متهماً الديمقراطيين بالترويج لذلك، وهو "ما سيضعف فرصهم القادمة" على حد وصفه.

ويتعجب سبرينجمان من إلصاق هذه التهمة بترمب، متسائلاً عن تجاهل الديمقراطيين لـ8 سنوات من حكم الرئيس السابق أوباما، دون القضاء على العنصرية.

وبسؤاله عن محاولة ترمب تحويل البلاد لدولة بوليسية، أجاب مبرراً "لقد رأيت تقارير تفيد بأن ترمب يسعى لزيادة بيع أو التبرع بالمعدات العسكرية لقوات الشرطة الحكومية والمحلية، ولكن الرؤساء السابقين فعلوا الأمر ذاته".

لماذا احتدت الأزمة هذه المرة؟

ويشير الخبراء إلى أن التمييز والعنف ضد السود ليس بجديد، والعنصرية تجاه العرق والدين رائجة، فالحوادث نسخ والضحايا كثر، والجاني واحد، لكن حادثة جورج فلويد لها وقع آخر كونها جاءت في تقاطع مع أزمتين:

الأولى: انتشار جائحة كورونا وتصدر الولايات المتحدة رقم الوفيات (ما يزيد عن100 ألف وفاة) والإصابات عالمياً، في أزمة تكشف هشاشة المنظومة الصحية في البلاد، الذي يعاني منه الفقراء وأغلبهم من السود، وما نتج عنه من ترهل الوضع الاقتصادي لكثير من الأمريكيين والسود بشكل خاص. إضافة إلى تضخم نسبة البطالة وفقدان الملايين لوظائفهم جراء الإغلاق الكامل للعديد من الولايات.

وما يزيد الوضع سوءاً، الانتقادات التي وجهت لترمب بسبب ما وصفه البعض بفشل إدارته للأزمة وتهوينه لها في البداية، وقراره بتخفيض ميزانية البحث العلمي والقطاع الطبي، وهو ما كان سبباً في أن يؤول الوضع إلى ما هو عليه الآن.

والثانية: كون الحادث جاء في عام الانتخابات، التي يتحول كل شأن فيها إلى ورقة سياسية، وتنازع تصورات بين الديموقراطيين والجمهوريين على قضايا الحريات وحقوق الإنسان واستغلال الأزمة كل لطرفه.

وقد أضاف وجود ترمب أو "الرئيس التغريدة"، كما تصفه بعض وسائل الإعلام، نكهة خاصة للأزمة فقد تورط أو تسرع في الاستنتاج والوصف والإدانة وحوّل الأمر إلى أزمة مع الديموقراطيين.

كابوس كينغ

حلم "كينغ" أحالته أمريكا-ترمب إلى كابوس مرير، كما يرى الكثيرون حول العالم ممن يتابعون أزمة فلويد، ومظاهر العنصرية هناك خارج القانون تارة، وفوق السلطة أحياناً، فاللون جناية، والدين تهمة، والعرق شبهة، والوقائع تروي حجم المسافة بين الشعارات المعلنة والواقع المعاش، غير أن الشارع الأمريكي قال كلمته بصوت عالٍ ومازال صداها يحاصر "البيت الأبيض".

TRT عربي