اتخذت الحروب طيلة عقود أشكالاً مختلفة، غير مستثنية في ذلك أي وسيلة لمجابهة خطر الخصوم أو الهجوم عليهم. وعلى غرار الحروب التقليدية التي تستخدم المعدات العسكرية، ظهر السلاح البيولوجي كخطر فتاك يهدد أمن الشعوب، وحاول المجتمع الدولي حظره لكن دون جدوى.

كشف جهاز الأمن الفيدرالي الروسي مؤخراً عن وثائق سرية يُدعي فيها أن اليابان خططت في نهاية الحرب العالمية الثانية، كحليف مقاتل إلى جانب ألمانيا، لشن هجوم بيولوجي ضد الاتحاد السوفييتي، لحسم المعركة، منتهكة بذلك اتفاقية الحياد المتبادل المبرمة في موسكو في أبريل/نيسان عام 1941.

وتضمنت الوثائق محاضر استجواب لقادة عسكريين وأسرى يابانيين، أفادوا خلال جلسات التحقيق والاستجواب بأن قادة الجيش عام 1944 أصدروا أوامر بزيادة إنتاج السلاح البكتريولوجي. ثم أجريت في الأثناء اختبارات وتجارب بيولوجية على أسرى الحرب الكوريين والصينيين والسوفييت، الذين تعرضوا للإصابة ببكتيريا الطاعون والجمرة الخبيثة والكوليرا والتيفوئيد والغرغرينا الغازية، حتى الموت.

وتدعي موسكو أن الهدف من ذلك كان العمل على تطوير قنبلة بيولوجية تحسم المعارك وتجهز على الخصم والعدو خلال الحروب.

وقد أعادت هذه الوثائق السرية، التي أميط عنها اللثام، بغض النظر عن مدى صحتها، الجدل حول تهديدات الأسلحة البيولوجية على مر التاريخ، على أمن الشعوب في العالم. ولا تزال إلى اليوم تمثل هاجساً وقلقاً لبعضها، خاصة أنه لا يكلف الدول الكثير لتطويره ليصبح سلاح حرب فتاكاً.

قنبلة الرجل الفقير

تتمثل الحروب البيولوجية أو الحروب الجرثومية أو البكتيرية في استخدام بكتيريات أو فيروسات سريعة الانتشار بشكل خفي وبالغة الضرر، ولا يمكن مجابهتها إذ يتم الكشف عنها بعد أن تغزو الجسم بشكل كامل وفتاك، خاصة أن هناك مجموعة كبيرة من البكتيريا والفيروسات معدلة وراثياً لمقاومة المضادات الحيوية، التي يمكن استخدامها بدورها كأسلحة بيولوجية أيضاً.

ولذلك صنفت الأسلحة البيولوجية ضمن أسلحة الدمار الشامل. ورغم أنها الأقل تكلفة ويمكن تطويرها عبر كادر بشري متخصص يستخدم معدات بسيطة في مخبر صغير، فإنها أكثر تدميراً من الأسلحة التقليدية، ويمكن أن تلجأ إليها الدول الفقيرة التي بسبب ظروفها الاقتصادية السيئة لا يمكنها صناعة المعدات العسكرية الثقيلة، وذلك لتغيير معادلة بعض الحروب أو شن هجوم فتاك على الخصوم، وبشكل خفي.

وقد أطلق عليها خبراء تسمية "قنبلة الرجل الفقير"، حيث أشارت تقديرات وإحصائيات رسمية، إلى بلوغ التكلفة إلى 2000 دولار لكل كيلومتر مربع مع الأسلحة التقليدية، و800 دولار مع الأسلحة النووية، و600 دولار من أسلحة الغازات العصبية، ودولار واحد من الأسلحة البيولوجية.

ومع أن هذا السلاح قد أحرز تطوراً خطيراً مع التقدم في تقنيات الهندسة الوراثية خلال السنوات الأخيرة، فإنه لا يعد سلاحاً جديداً على الساحة الدولية، حيث تعود أصول استخدامه إلى بدايات الحرب العالمية الأولى.

سلاح تاريخي قديم

كشف كتاب “الحرب الكيميائية والبيولوجية” اتهام ألمانيا، وذلك خلال فترة الحرب العالمية الأولى، بنشر ميكروبات زراعية أفسدت المحاصيل الزراعية في فنلندا الروسية، كما سممت الخيول في كامل الأراضي الروسية، وأرسلت بالإضافة إلى ذلك كله الجمرة الخبيثة عبر البريد، وذلك إلى العديد من مسؤولي الحكومات في الأرجنتين والولايات المتحدة.

ومن جانبها اتهمت المملكة المتحدة في مصادر وكتب تاريخية، كإحدى هذه القوى التي عمدت إلى استخدام الأسلحة الكيميائية لتصفية خصومها، وبسط توسعها. حيث إنه في الفترة الممتدة بين عامي 1763 و1766، وزع الجيش البريطاني على سكان قبائل أمريكية، طروداً للمعونات، احتوت على جرثومة الجدري، ما تسبب في إبادة فظيعة راح ضحيتها نصف مليون أمريكي، سميت بإبادة بونتياك.

وبعد الحرب العالمية الأولى، أصبحت مشاريع البحث والتطوير المتعلقة بالأسلحة البيولوجية تجرى في جميع البلدان الكبرى. وأنشئت لجان مختصة بعلوم البكتيريا، لوضع سياسة لحرب الأسلحة البيولوجية، أو تطوير خطط لصد أي هجوم بكتيري محتمل. ومن بين هذه البلدان فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وغيرها.

وتطورت هذه الأسلحة خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وكشفت مصادر وتقارير خبراء استخدام الكلور والفوسجين، إضافة إلى استخدام عوامل عصبية مثل التابون ومثبط الكولينستيراز والجمرة الخبيثة وقنابل الوباء. ووظف بعضها في حرب فيتنام خلال سبعينيات القرن الماضي.

بدورها كشفت تقارير مفصلة للصليب الأحمر في فلسطين، وشكوك دولية عن استخدام دولة الاحتلال الإسرائيلي لبكتيريا السالمونيلا في إمدادات المياه لمدينة عكا، ممَّا تسبب في تفشي التيفويد بين السكان، خلال حرب 1948.

ووسط تطور مخيف أحرزته عدة مخابر عالمية في هذا المجال مع إنكار حكوماتها ذلك، واستشعار العديد من الدول للتهديد، دقت نواقيس الخطر لدى المجتمع الدولي لوضع حد أمام سلاح الدمار الشامل الذي سيقضي على البشرية، وبشكل مروع.

هل توقفها المواثيق الدولية؟

رغم أنه أقبل على حظر الأسلحة البيولوجية بعد الحرب العالمية الأولى، عاد المجتمع الدولي مجدداً إلى التشديد على ذلك بين عامي 1972 و1993، بعد أن خرقت بعض الدول الاتفاقيات والتحذيرات، وواصلت في تطوير أبحاثها في هذا المجال، والسعي لامتلاك هذا السلاح الخفي الفتاك.

وقد أشرفت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي على إبرام اتفاقية عام 1972 تقضي بفرض منع تطوير ونقل هذه الأسلحة وإنتاجها وتخزينها. ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ سنة 1975 بتوقيع 150 دولة عليها وانضمام 140 دولة إليها بالكامل.

ولكن تغيرات البنية الأمنية وتطور البحث العلمي، أثارا القلق من احتمال تجاهل هذه القيود المفروضة وطويلة الأمد. وبالفعل فشلت هذه الاتفاقية في ردع الدول عن استخدام هذا السلاح.

حيث نقلت وسائل ومصادر إعلامية حادثة هجوم بغاز السارين في شبكة مترو أنفاق طوكيو، أودى بحياة الكثيرين وأسفر عن وقوع آلاف الإصابات. كما مثلت الولايات المتحدة بدورها ضحية لهذا السلاح، حيث إنها في عام 2001 تلقت رسائل تحتوي على الجمرة الخبيثة تسلمها مسؤولون وشخصيات هامة.

وكشف في الإطار ذاته كتاب برنامج الأسلحة البيولوجية السوفييتي، تطوير روسيا لأبحاث لأسلحة بكتيرية، تحت غطاء السرية الفائقة، شارك فيها أكثر من 65 ألف عالم وفني. واستمر البرنامج لفترة طويلة ولم ينته إلا بعد هروب عالم الأحياء المجهرية فلاديمير باسِشنيك إلى بريطانيا في أكتوبر/تشرين الأول 1989.

وبالتالي فإن هذه المحطات التاريخية والتفاصيل التي أميط عنها اللثام في تقارير دولية وفي أثناء محاكمات وجلسات استجواب، تتضافر كلها لتسوق لانتشار وباء فيروس كورونا المستجد على أنه امتداد للحروب البيولوجية التي لا يزال يشوبها كثير من السرية والتعتيم.

ورغم أن بعض الدول والخبراء لا يستبعدون أن تكون كورونا سلاحاً بيولوجياً حديثاً، فإن تبعاته والدمار الذي تسبب فيه امتد على مستوى عالمي دون أن يستثني قطراً، وتقاسمت البشرية مصيراً مشتركاً، ربما قد يفند هذه المزاعم.

TRT عربي