تصعيد لفظي حاد شهده الأسبوع الفائت في إقليم تيغراي الإثيوبي، حيث شن قادة من الإقليم حرب كلمات موجهة للرئيس الإرتري أسياس أفورقي، في خضم الاحتفالات بالذكرى الـ45 لتأسيس الجبهة الشعبية الحاكمة في الإقليم.

الرئيس الإريتري إسياس أفورقي يصل إلى مطار آدم عبد الله  الدولي في مقديشو ، الصومال في 13 ديسمبر 2018. (رويترز) / فيصل عمر
الرئيس الإريتري إسياس أفورقي يصل إلى مطار آدم عبد الله  الدولي في مقديشو ، الصومال في 13 ديسمبر 2018. (رويترز) / فيصل عمر (Reuters)

وكان سيوم مسفن وزير الخارجية الإثيوبي الأسبق وأحد قادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) قد استنكر تدخل الرئيس الإرتري في الشؤون الداخلية لبلاده، متسائلاً في خطاب ألقاه في 16 فبراير/شباط: "كيف يستطيع أسياس أفورقي إيجاد الحلول لإثيوبيا والقرن الإفريقي في حين أنه فشل في إرتريا وجعل نصف شعبها من اللاجئين؟!"، قبل أن يضيف واصفاً إياه "بهتلر وموسوليني".

وسبق مسفن في الهجوم على أفورقي الزعيم البارز في الجبهة المذكورة تسيغاي برهاي ، قائلاً يوم 12 فبراير/شباط: "إذا تدخل أسياس في الشؤون الداخلية الإثيوبية فسوف نقطع يديه".

بادمي وحرب الكلمات

الصحفي الإثيوبي في صحيفة أديس ستاندارد الإلكترونية بيلاه جيلان أفاد TRT عربي أن "التصريحات رد مباشر على لقاء أسياس للتلفزيون الإرتري، وردة فعل طبيعية متوقعة من TPLF بالنظر إلى العداوة بين الطرفين".

وكان الرئيس الإرتري قد اتهم، في لقاء مع الفضائية الوطنية في 7 فبراير/شباط، الجبهة الحاكمة في تغراي بأنها تعطل إتمام عملية السلام برفضها تسليم بلدة بادمي إلى إرتريا، مضيفاً أن الوضع في تلك البلدة الآن أسوأ، ومتسائلاً عن توزيع TPLF لأراضي المنطقة على أنصارها.

وبادمي بلدة حدودية ذات رمزية كبيرة إذ كانت محور حرب طاحنة بين إثيوبيا وإرتريا 1998-2000، راح ضحيتها ما يزيد على 100 ألف قتيل، وأقرت المحكمة الخاصة بترسيم حدود البلدين بأحقية إرتريا بها، وبينما وافقت أديس أبابا على تنفيذ بنود اتفاقية الجزائر في اتفاق السلام بين الطرفين عام 2018، ما تزال للجبهة الحاكمة لإقليم تيغراي المحاذي لإرتريا "تحفظات" تطالب بأخذها بعين الاعتبار قبل تسليم البلدة للطرف الإرتري.

ما وراء التصريحات

ووسط احتفالات تميزت بعسكرة واضحة وغاب عنها المسؤولون الفيدراليون، هاجم الدكتور ديبرصيون جبريميكيل، رئيس TPLF ونائب رئيس إقليم تيغراي، في خطاب بمناسبة الذكرى 45 لتأسيس جبهته حزبَ الرفاه الذي شكله مؤخراً رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، مهدداً بانفصال الإقليم عن إثيوبيا.

وكانت لافتة دعوة ديبرصيون، في خطابه بمقلي عاصمة إقليم تيغراي، الإرتريين "وحتى الجيش" إلى القدوم إلى بلاده، قائلاً: "لن نغلق الحدود مع إرتريا، والشعب الإرتري ليس مكانه المعسكرات بل بين إخوته في المدن".

وهاجم أسياس أفورقي في مقابلته المذكورة ما وصفه "بتصاعد أعمال إنشاء "مخيمات اللاجئين"، ومحدداً الهدف منها بـ"استنزاف القوة الإرترية" بالإضافة إلى "خلق معارضة قائمة على الانتماء العرقي والعشائري".

ووفقاً لجيلان في حديثه لـTRT عربي فإنه لا وجود لتسليح أو دعم لمعارضة مسلحة إرترية من قبل قيادة تغراي الآن، مضيفاً: "إثيوبيا تحت حكم رئيس الوزراء الأسبق ميليس زيناوي كانت تدعم تنظيمات مسلحة معادية للنظام الإرتري، لكن مع وفاة ميليس (2012) ووصول خليفته هيلي مريام ديسالين إلى السلطة تقلص الدعم الإثيوبي للتنظيمات المذكورة، وباتفاقية السلام (2018) بين إرتريا وإثيوبيا تم تصفية وجودها في البلاد".

وفي المقابل يرى السياسي الإرتري عبده شريف في تحليله للتطورات الأخيرة أن هناك مؤشرات على أن هذا التصعيد مرتبط برؤى واستعدادت قادة تيغراي للمرحلة القادمة، رابطاً بينه وبين وجود مجموعة من قيادات المعارضة الإرترية المنشقة عن نظام أسمرة في مقلي الآن، وأن هناك ترتيبات تجري لتكوين جسم معارض يكون بديلاً للنظام الإرتري في حال اتخذت الأمور منحى يقود إلى انفصال تيغراي.

كما تذهب تحليلات إلى أن من دوافع الخلاف على معسكرات اللاجئين المذكورة تخوف أسمرة من استفادة الجسم المزمع إنشاؤه من العسكريين الهاربين من البلاد في تشكيل ذراع مسلح له، قد يشكل خطورة على النظام لامتلاكه قنوات اتصال مع عناصر في الجيش والقوى الأمنية الإرترية بحكم الارتباطات القومية والتنظيمية السابقة للقيادات المذكورة.

وتوجد في إقليم تيغراي المحادد لإرتريا 4 معسكرات للاجئين الهاربين منها، نتيجة الأوضاع السياسية والاقتصادية المتردية وخدمة العلم التي تمتد دون سقف محدد لنهايتها، وفقاً لأرقام أممية بلغ عدد اللاجئين المسجلين في هذه المعسكرات بنهاية عام 2019 ما يزيد على 86500 شخص، كما دخل إثيوبيا عموماً ما يزيد على 70 ألف لاجئ جديد بنهاية العام نفسه أكثرهم من فئة الشباب.

بين الداخل والخارج ملفّاتٌ متشابكة  

تشعر الجبهة الشعبية الحاكمة في تيغراي بقدر كبير من الضغوط الممارسة عليها منذ مغادرتها السلطة التي أحكمت قبضتها عليها لما يزيد على ربع قرن، حيث تم تحميلها كل خطايا المرحلة الماضية، كما يتصاعد شعورها بالاستهداف وبخطر التهميش السياسي الذي تتعرض له، وأن كلاً من أديس أبابا وأسمرة تقفان وراء ذلك.

ووفقاً للباحث المختص في شؤون القرن الإفريقي فإن " شعب ورموز تيغراي يشعرون أنهم مستهدفون محلياً وإقليمياً، مع توجه أفورقي للانتقام من TPLF والرغبة في تدميرهم "، مضيفاً في حديث لـTRT عربي أن جذور هذا التوتر تعود إلى إرث السياسات الإقليمية لما بعد سقوط منغستو هيلاماريم (نظام الدرق)، وبروز نظام آبي أحمد الحالي، ومحاولة كنس إرث حكم الجبهة الثورية الديموقراطية لشعوب إثيوبيا (ائتلاف تهيمن عليه TPLF)، حيث يزداد التداخل مرة أخرى وبشكل أكثر تعقيداً.

ويتابع محمد صالح أنه كرد فعل على ذلك تقاتل "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" على عدة جبهات في آن واحد: إحباط انعكاسات محاولات التقارب الإثيوبي الحالي مع نظام أفورقي، وتصعيد المقاومة بقوة لنظام آبي أحمد، وحشد تيارات الفيدراليين على قاعدة احترام القانون والدستور، وأخيراً تقوية الجبهة الداخلية لشعب التيغراي باعتبارها المظلة التاريخية الأكبر لهذا الشعب.

ويكمل الباحث موضحاً أن خطورة هذه التفاعلات تكمن في أنها قد تستوجب تكتيكات للقوة بدرجات ما، و"بالتالي احتمالات انزلاق هذه الأطراف لسيناريوهات خطيرة لصراع سيكون مدمراً".

ومن الجدير بالذكر أن الحرب الحدودية الدامية بين إرتريا وإثيوبيا (1998-2000) شكلت منعطفاً درامياً في العلاقة بين الجبهتين الحاكمتين في أسمرة وأديس حينها؛ من تحالف استراتيجي امتد لما يقارب ربع قرن بين حكام كانوا ثواراً انتصروا معاً على نظام الدرق (1974-1991) في إثيوبياً، إلى عداوة مستعرة سعى كل طرف فيها إلى تقويض حكم الآخر على مدى 20 عاماً.

وعلى هذا فالتشابك بين الملفات الداخلية والخارجية في العلاقات الملتبسة بين أسمرة وأديس أبابا ومقلي ترسم ملامح مشهد شديد الحساسية ومفتوح على كثير من الاحتمالات لا تستثني التصعيد، في حين تترقب العواصم الثلاثة بقلق ما ستسفر عنه انتخابات الشهر الثامن من هذا العام، والتي تعد أخطر انتخابات في تاريخ إثيوبيا.

المصدر: TRT عربي