سلطت صحيفة وول ستريت جورنال الضوء على ما اعتبرته الخطأ الحقيقي الذي ارتكبته الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان، ومن خلفها بقية البلدان الغربية، في اعتقاد أن القوة العسكرية والاقتصادية لوحدها كفيلة بتغيير العالم الإسلامي بطريقة دائمة.

تحت عنوان العالم الإسلامي لا يُقهَر والغرب فشل في تغييره بالقوة، تحدث مقال رأي في صحيفة وول ستريت جورنال، عن ظروف تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في جنوب آسيا قبل 20 عاماً. حيث إنها ادعت في البداية سعيها لتحقيق العدالة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، لكنها سرعان ما تحولت بعد ذلك إلى رسول للحضارة العالمية.

وذكرت الصحيفة أن الولايات المتحدة شرعت مباشرة في إقامة ديمقراطية ليبرالية، دون أن تدرك حقيقة أن السياسة تكمن في اتجاه مجرى الثقافة، وأن الثقافة بدورها تسير في اتجاه الدين. واعتبرت أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت على ما كانت عليه بسبب المسيحية، وأن أفغانستان كانت على ما كانت عليه بسبب الإسلام.

وفي السياق ذاته أشارت وول ستريت جورنال إلى رأي عالم السياسة صمويل هنتغتون، حين جزم بأن المجتمعات الإسلامية تنتمي إلى حضارة مميزة تقاوم فرض القيم الأجنبية عن طريق القوة. ويبدو بذلك اليوم، أن تريليونات الدولارات وعشرات الآلاف من الأرواح وعقدين من الحرب، أثبتت صحة رأي هنتغتون.

ورغم ذلك يواصل الخبراء الاستراتيجيون والدبلوماسيون في ابتكار ردود أفعال ومسارات سياسية تتجاهل حقيقة الإيديلوجيات المشتركة والجهات الفاعلة التي تربط بين عدة عواصم، تشهد حالة من عدم الاستقرار والفوضى، كالعراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن وليبيا ونيجريا وغيرها.

وتعزو الصحيفة هذا التغافل إلى كونه مدفوعاً بالرغبة في رؤية البشر ككائنات متساوية، لا يعتبر الإيمان والثقافة لديها إلا جزءاً من حوادث الولادة. إلا أن هذه الحوادث تعتبر حقائق غير قابلة للتفاوض بالنسبة إلى مئات الملايين من الناس، الذين يفضلون الموت على التنازل عنها. وبالتالي فإن الفشل في فهم هذه الحقيقة، هو أحد أعراض الفراغ الروحي. حيث إنه بعيداً عن الأصول المسيحية الأمريكية، لا يستطيع الملايين فهم كيف يمكن للإيمان أن يلعب دوراً حيوياً في ربط البشر معاً.

أما المصطلحات والتعبيرات المنمقة مثل مصطلح "الشرق الأوسط الكبير" فتعكس في حقيقتها عدم الارتياح لعالم إسلامي موحد، وذلك بغض النظر عن أن المسلمين أنفسهم يستخدمون المصطلحات ذاتها. كما أن التنوع المحلي بين إندونيسيا والمغرب لا يقوض التماسك الأساسي للأمة، و الذي يقوم أساساً على أركان قليلة، كاعتبار أن القرآن يمثل آخر وحي لله وأنه ملزم للبشرية جمعاء، وأن العقيدة تمثل مسألة خاصة، وأنه من الأفضل أن يعيش الفرد في دولة تمزج بين الدين والسياسة. ويتعين على المسلمين أن يمسكوا بزمام السلطة، حيثما أمكنهم ذلك، لضمان تطبيق الشريعة بشكل صحيح.

وترى الصحيفة في هذا الإطار، أن هذه القواعد والأساسيات هي التي تدفع بطالبان والقاعدة وحماس إلى قتال "اليهود والصليبيين" الذين يطؤون أرضا تنتمي تاريخياً إلى الإسلام.

وبالتالي فإن القرار الأخير لأربع دول مسلمة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل يعد عملاً محفوفاً بالمخاطر وتصرفاً شاذاً في منطقة يرفض فيها المسلمون والعلمانيون بأغلبية ساحقة، الروابط التي تربط بين إسرائيل والولايات المتحدة.

وفي الختام تؤكد وول ستريت أنه لا يمكن للغرب أن يغير العالم الإسلامي، كما أنه لا يمكنه أيضاً تجاهل المجتمع الديني الأسرع نمواً في العالم.

وبالتالي فإن أفضل استراتيجية تقع اليوم على عاتق الولايات المتحدة هي الاحتواء، وإعطاء الأولوية للدفاع عن المصالح الأمريكية والحلفاء. وضرورة تمكين المسلمين الأمريكيين من نفس الحقوق التي يتمتع بها المواطنون الآخرون. وأنه لا بد من الترحيب بأي دولة مسلمة تسعى إلى الصداقة مع الولايات المتحدة، خاصة عندما تتخذ قرارات صعبة من أجل تحقيق السلام.

كما أنه يتعين على الحكومة الأمريكية مواصلة تقديم مساعدات إنسانية لضحايا الحروب بين المسلمين، مع إيلاء اهتمام خاص لغير المسلمين المحاصرين في مرمى النيران.

وترى الصحيفة في السياق ذاته أن الولايات المتحدة الأمريكية تحتاج أحياناً إلى التراجع كأفضل طريقة لاحترام القيم الأمريكية، والتوقف عن إجبارها من يرفضها، وقبول فكرة أن الأغلبية المسلمة هي فقط من يجب أن تحدد خيارات المسلمين وتقرر مستقبلهم.

وقد لا يتغير العالم الإسلامي، وربما يتغير، ولكن في كلتا الحالتين، لم يكن من واجب الغرب أن يقرر ذلك، بل كان يجب عليه أن ينصب تركيزه على علاج المرض الروحي الذي أعماه في المقام الأول، وضرورة استعادته إحساسه بالذات الحضارية وإعادة توجيه أولوياته وفقاً لذلك.

TRT عربي