كيف تؤجِّج سياسات ماكرون غضب الفرنسيين؟ (AFP)

في الوقت الذي قرَّرت فيه مجموعة "الدول السبع الكبرى" فرض ضرائب على الشركات المتعددة الجنسية، في إجراء للحد من تهرب هذه الشركات من الضرائب، وبحد أدنى لقيمتها حدِّد بـ15% من الأرباح لكل شركة تجاوز هامش ربحها 10%. في خطوة ستؤدي إلى تدفق مليارات الدولارات إلى الحكومات، هي بحاجة إليها من أجل سداد الديون المتكبَدة خلال أزمة كوفيد 19.

كان لحكومة ماكرون رأي آخرُ، هو على العموم موقف الرئيس الثابت منذ أن سكن وحرمه الإيليزيه، أي ميلانه الدائم نحو تخفيض الضرائب على الشركات الكبرى مقابل زيادتها على الطبقات المتوسطة والعاملة من الشعب، كما عمله على خوصصة القطاعات الحيوية لهذه الشرائح من الشعب بدعوى أنها تثقل كاهل ميزانية الدولة.

فلماذا إذاً لم يخفف الضغط على تلك الميزانية بتطبيق ما اتفق عليه دولياً من سياسات ضريبية على أمازون، التي تعد من أكثر شركات العالم ربحاً، إذا لم تكن أكثرها؟ الجواب هو في ما ورد من قبل، بأن سياسة الرئيس وحكومته هي أن يأخذ من الفقراء ليغدق على الأغنياء، الأمر الذي يؤجج غضب الفرنسيين الذين سبق أن انتفضوا عليه في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 في ماعرف منذ ذلك الحين بـ"حركة السترات الصفراء".

أمازون.. بأقل نسبة من الضرائب

في حديث له على راديو RMC، قال وزير الاقتصاد الفرنسي، برونو لومير: إن "فرنسا ستحرص على أن أقل نسبة من الضرائب المفروضة دولياً". شركة أمازون، أو العملاق الدولي للتجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل، والتي فاقت قيمتها المالية ترليون دولار في سابقة على مر التاريخ، يرى لومير أنها لا تحقق أرباحاً كفاية لفرض ضرائب كبيرة عليها.

وقال لومير مبرراً: "إن مشكلة في أمازون هي أن بعض فروعها الاستثمارية لا تحقق نسبة الأرباح المشترطة في 10% كهامش سنوي". فمثلًا خدماتها المعلوماتية، وتطوير أنظمة الحوسبة ومعالجة المعطيات، من أكثر الفروع دراً للأرباح على الشركة الأم، مقابل فروع أخرى. هنا يتعهَّد لومير بالقول: "سأحرص أن يتم فرض الضرائب على تلك الفروع"، دون الأخرى وهو الشيء الذي تفادى ذكره.

كورونا تعمم الهشاشة والغضب على الفرنسيين

على أرض الواقع فالشعب الفرنسي يعاني التبعات الثقيلة للأزمة الصحيَّة، بأزيد من مليون عامل فقدوا مناصب شغلهم ويعيشون على الإعانات، وبمشاهد الطلبة وهم يصطفون جوعاً على طاولات المساعدات الخيرية، وبنسب العاطلين عن العمل التي تواصل ارتفاعها المهول، وبالمنظومة الصحيَّة التي انهارت طوال أزمة كورونا.

كل هذا ولم تقم حكومة ماكرون بأي إجراء إزاء التخفيف من هذا الواقع، بل بالعكس، اصطفَّت إلى جانب أرباب العمل عبر قرارها بـ"عدم إلزامية المشغل بدفع تعويضات للعمال المسرّحين، إذا لم يستطع الالتزام بالحفاظ على مناصب الشغل في الشركة التي يملكها"، وبالتالي تسهيل عملية تسريح العمال وجعلها الحل الأول للمشغِّل بدل أن كانت الحل الأخير، لما يتبعها من مترتبات مادية ثقيلة أعفته منها حكومة كاستيكس الجديدة.

كما مارست حكومة ماكرون "سياسة الآذان الصماء" إزاء صرخات الطلبة الذي نظموا احتجاجات وإضرابات، والذين حرمتهم كورونا من مصادر رزقهم وهم يعيشون أسوأ أزمة حصلت لطلبة البلاد، بحيث أقر ما نسبته 58% بأنهم لا يستطيعون توفير المواد الأساسيَّة بما يكفي لمعيشهم، و 46% يعانون من آثار نفسية لهذه الوضعية وليس لهم المال لمعاينة الطبيب، ما يجعل مستقبلهم الدراسي على حافة الفشل.

بالمقابل ما يجول في دماغ ماكرون، وهو على مقربة من السباق الانتخابي، هو الإجهاز على ما تبقى من المكتسبات الشعبية، هكذا قرر إعادة قراره بـ"إصلاح نظام التقاعد"، والذي مرره بشكل دكتاتوري ودون إخضاعه للتصويت البرلماني، إلى طاولة النقاش، لا لشيء إلا لتسريع عملية تطبيق في مناورة لا تزيد وضعية عمال فرنسا إلا بؤساً.

ومع هذا لم يجد بداً من محاباة الشركات الكبرى وتنعيمها بامتيازات ضريبية، والتي من جهة أخرى يفرضها على الطبقات الشعبية. كما كان الحال سنة 2018، عندما أثقل بحجة إنقاذ البيئة وتقليل انبعاثات الكربون، كاهل الفرنسيين بضرائب، دفعتهم إلى الثورة التي ملأت شوارع البلاد مداً أصفر، إلى الآن لم يستجب لمطالبها، بل مارس ضدَّهم نفس سياسة الاحتواء، وتصريف المشاكل الأساسية والمعيشية الفرنسية في نقاشات جانبية عنصرية ضد الجالية المسلمة، وضعت البلاد بأسرها تحت خطر العنف اليميني المتطرِّف.

TRT عربي
الأكثر تداولاً