مظاهرات في ألمانيا ضد التضخم. (DPA)
تابعنا

مع اقتراب شتاء أوروبا القاسي، سيتعين على قطاع واسع من مواطني الاتحاد الاختيار بين الغذاء أو تسديد فواتير التدفئة التي تتضخم أسعارها بوتيرة متسارعة. هو الواقع الاجتماعي الذي يخط معالم دخول اجتماعي زاخم، تواجه فيه دول القارة مخاوف احتجاجات واسعة.

وقد انطلقت شرارة هذه الاحتجاجات نهاية الأسبوع الماضي، يوم السبت، حين خرج آلاف التشيكيين إلى شوارع العاصمة براغ، مطالبين الحكومة بإيجاد حل للظروف الاقتصادية الصعبة الناتجة عن أزمة الطاقة التي تعرفها البلاد. ولحقت كل من ألمانيا وإيطاليا بركب الموسم الاحتجاجي، في وقت تجمع استطلاعات رأي على أن كلاً من بولندا وفرنسا مرشحتان بقوة للانضمام.

خريف احتجاجي ملتهب بأوروبا

شهدت العاصمة التشيكية، براغ، يوم السبت، مسيرات حاشدة تنديداً بإدارة حكومة البلاد لملف الطاقة، وما يشوبه مؤخراً من أزمة خانقة ارتباطاً بإيقاف روسيا صادراتها الطاقية إلى الدول الأوروبية. كما هتف المتظاهرون بشعارات مناهضة للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وأن تكون "التشيك أولاً"، حسب ما أشارت إليه لافتات عديدة رُفعت خلال المسيرة.

وحسب تقديرات الشرطة التشيكية، بلغ تعداد المتظاهرين 70 ألف شخص. وكان من أبرز الداعين للمظاهرة أحزاب أقصى اليمين والحزب الشيوعي التشيكي، والذين طالبوا باستقالة الحكومة اليمينية الوسطية، متهمين إياها بخذلان طموحات الشعب التشيكي منذ توليها السلطة في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، كما حمَّلوها مسؤولية التضخم المتسارع الذي تعرفه البلاد والذي يهدد القدرة الشرائية لعموم المواطنين.

وفي ألمانيا، ليست الأوضاع الاقتصادية أفضل من جارتها الشرقية، هذا ما دفع شعبها إلى اللجوء للشارع تعبيراً عن غضبهم. وخرج آلاف الألمان للتظاهر في مدينة لايبزيج، مساء الاثنين، في وقفة احتجاجية كان قد دعا إليها حزب اليسار بأحد الساحات المركزية في المدينة.

وندد المتظاهرون الألمان، على غرار نظرائهم التشيكيين، بارتفاع أسعار فواتير الطاقة. كما طالبوا الحكومة الفدرالية، بقيادة الاشتراكي أولاف شولتز، بإعادة فتح خط أنابيب "نورد ستريم 2" واستئناف استقبال صادرات الغاز الروسي عبره.

فيما عاشت نابولي الإيطالية، يوم الجمعة، أحد أعنف الاحتجاجات، إذ أحرق المتظاهر الغاضبون من أسعار الطاقة فواتير الكهرباء والغاز في الشارع العام، مرددين شعارات "لن ندفع الثمن!". كما حاصروا مبنى بلدية المدينة، مطالبين بإيجاد حل للبطالة والفقر المتفشيان فيها، واللذان تزداد وطأتهما مع أزمة الطاقة.

الاحتجاجات مستمرة

يصر المتظاهرون الأوروبيون على أن هذه الاحتجاجات ليس لحظية، بل موجة غضب مستمرة ما لم تجد الحكومة حلولاً ناجعة لتخفيف تبعات الأزمة الجارية. هذا ما يؤكد ائتلاف نقابي تشيكي، بإعلانه عن مظاهرة ثانية في 8 أكتوبر/تشرين الأول القادم.

وقال جوزيف ستريدولا، رئيس الاتحاد التشيكي لنقابات العمال، في حديثه لوسائل الإعلام المحلية: "لسنا متطرفين، أو أي شيء من هذا القبيل، نحن فقط غير سعداء بالوضع الحالي". وأضاف داعياً: "نحن أناس خائفون من مستقبل الناس (...) فهلموا نظهر لهم ما نفكر به!".

وحسب استطلاع لمؤسسة "YouGov"، فإن نسب الامتعاض الشعبي من الأوضاع الاقتصادية ترتفع بشكل متسارع في عدد من الدول الأوروبية. وفقاً له حلت بولندا في رأس التصنيف كأكثر البلاد تهديداً باندلاع اضطرابات اجتماعية، حيث 75% من مواطنيها مستعدون للاحتجاج ضد الأوضاع المعيشية، و63% مستعدون لخوض إضرابات.

وحلت فرنسا في المرتبة الثانية بين دول الاتحاد، حيث يبدي 69% استعدادهم للتظاهر و65% للإضراب، ثم ألمانيا ثالثاً بـ64% للتظاهر و44% للإضراب.

كيف تواجه أوروبا هذه الاحتجاجات؟

من الناحية السياسية، وفي اختلاف عن سابقاتها، تضع هذه الاحتجاجات مراكز السلطة في الاتحاد الأوروبي في مأزق عويص، ذلك لارتباطها بشكل مباشر بالموقف الغربي من روسيا، وبشكل غير مباشر بالموقف من الحرب في مجملها. كما أنها كفيلة بتوحيد قوى المعارضة ضد القوى الحاكمة، وتؤثر على مسار الانتخابات في الدول التي تعرف استحقاقات قريبة.

من هذا المنطلق اتخذ بعض زعماء تلك الدول، من بينهم رئيس وزراء التشيك بيتر فيالا، اتهام المتظاهرين بـ"الموالاة لموسكو" وسيلة دفاع سياسي ضد الموجة الاحتجاجية. وقال فيالا إن المظاهرة نظمها "أشخاص موالون لروسيا قريبون من مواقف متطرفة، وتتعارض مصالحهم مع مصالح جمهورية التشيك"، وأنه من "الواضح أن حملات الدعاية والتضليل الروسية موجودة على أراضينا، وبعض الأشخاص يصغون إليها ببساطة".

وكتبت صحيفة "دي فيلت" الألمانية، أن السياسيين في برلين يخشون بشدة من توحيد قوى اليسار واليمين المتطرفين، المتمثلة في "حزب اليسار" و"البديل من أجل ألمانيا"، غير الراضين عن السياسة الطاقية للحكومة الألمانية و"تفضيلها الترويج لمصالح كييف على حساب المواطنين الألمان" حسب اعتقادهم.

هذا دون إهمال الأسباب المباشرة للأزمة السياسية التي أطاحت بحكومة ماريو دراغي في إيطاليا، شهر يوليو/تموز الماضي، والتي اندلعت عندما رفض حزب "5 نجوم" المصادقة على حزمة إعانات موجهة لتخفيف وطأة أزمة الطاقة وارتفاع الأسعار.

وحسب ما يرى مراقبون، فإن الوضع الاجتماعي الحالي في أوروبا يحتاج إلى إدارة سياسية دقيقة، تأخذ بعين الاعتبار الوضع الداخلي للبلدان دون أن تنحصر فقط في الرهانات الاستراتيجية الخارجية. هذا بالإضافة إلى إجراءات التخفيف الاقتصادية، والإعانات الاقتصادية للمتضررين من وطأة التضخم.

TRT عربي