على الرغم من مرور عشر سنوات على سقوط نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، فإن الحكومات المتعاقبة فشلت في استرجاع أموال الشعب التونسي المهربة إلى الخارج من عائلة المخلوع وأقاربه.

قضية الأموال المنهوبة عادت إلى الواجهة في تونس بعد أن أعلن الرئيس قيس سعيد عن تكوين لجنة رئاسية للإشراف على هذا الملف، حرصاً منه على عدم خسارة تلك الأموال، وضمان ضخها للخزينة العامة للدولة التي تشكو عجزاً فادحاً، قبل انقضاء الآجال القانونية لاسترجاعها خصوصاً من بعض الدول الأوروبية.

مبادرة رئاسية

الاتحاد الأوروبي كان قد راسل منذ أيام مؤسسة رئاسة الجمهورية ليعلمها بأن آخر أجل لرفع التجميد عن الأموال التونسية المنهوبة في دول أوروبية سيكون نهاية يناير/كانون الثاني 2021، في حين سارع رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال لقائه بوزير الخارجية البرتغالي إلى دعوة الاتحاد الأوروبي لمساعدة تونس في استرجاع أموالها المنهوبة، ولا سيما أن البرتغال ستتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي الدورية خلال النصف الأول من سنة 2021.

صعوبة استرجاع تونس للأموال المنهوبة رغم مضي كل تلك الفترة، وصدور أحكام قضائية بإدانة أقارب الرئيس السابق، فسرها الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي في تصريح لـTRT عربي بوجود تعقيدات مالية وإجرائية في عملية تحديد مكان تلك الأموال، "خاصة أن الرئيس السابق اعتمد سياسة التضليل عند إيداع الأموال بالخارج في حسابات بنكية، أو من خلال سياسة تبييض تلك الأموال والعقارات في شركات وهمية"، حسب قوله.

الشكندالي أقر بأن الحكومات المتعاقبة بعد الثورة "فشلت فشلاً ذريعاً" في استرداد أموال التونسيين المنهوبة والمهربة بالخارج، لافتاً بالمقابل إلى أن السنوات الأولى بعد الثورة، عرفت محاولات جادة لبعض الحكومات في متابعة الملف، ونجحت فعلياً في استرداد بعض الأموال، لكن سرعان ما تم إهمال هذا الملف، وتباطأت الجهات المسؤولة بحجة أن الأموال المهربة لا ترتقي إلى مستوى المطالبة باسترجاعها.

غياب أرقام رسمية

ولا توجد أرقام رسمية لحجم الأموال التي نهبها النظام السابق والمودعة في أكثر من عشر دول عربية وغربية حيث اختلفت التقديرات، غير أن تصريحات من هنا وهناك لمسؤولين محليين ودوليين تؤكد أن حجم الأموال المنهوبة خلال فترة نظام الرئيس السابق بن علي تقدر بنحو 33.9 مليار دولار، في حين حددت منظمة "أنا يقظ" المحلية للشفافية المالية تلك الأموال بنحو 23 مليار دولار، كما تؤكد المصادر ذاتها أن حجم الأموال التي وقع استرجاعها ظل مخيباً للآمال.

وزير أملاك الدولة السابق مبروك كورشيد صرح سابقاً أن تونس استرجعت خلال السنوات السابقة طائرتين ويختين، كانت على ملك أقارب الرئيس السابق وأصهاره، ومبلغاً مالياً لا يتجاوز 250 ألف دولار بمساعدة من الحكومة السويسرية، كما تمكّنت تونس من الحصول على نحو 10 ملايين دولار من لبنان كانت محجوزة على ملك زوجة بن علي.

وفي الإطار ذاته، اتهم الرئيس السابق لهيئة مكافحة الفساد شوقي الطبيب، خلال ندوة دولية سابقة، الحكومات المتعاقبة بالتقصير في ملف الأموال المنهوبة، مشيراً إلى وجود عدة أسباب أدت إلى فشل استرداد الأموال، منها ما يتعلق برفض بعض الدول التعامل مع تونس، وارتكاب القائمين على هذا الملف أخطاء إجرائية بسبب نقص الخبرة والكفاءة.

تعقيدات إجرائية

ويقر رئيس "لجنة التحاليل المالية" بالبنك المركزي التونسي لطفي حشيشة في حديثه مع TRT عربي، بوجود تعقيدات قانونية وإجرائية على علاقة بالدول التي أودعت فيها الأموال المنهوبة، والتي تفرض شروطاً مجحفة على تونس لاسترجاع أموالها.

ويرفض حشيشة الاتهامات التي طالت مجهودات الدولة بالتقصير في استرجاع الأموال المنهوبة طوال تلك السنوات، مذكراً بنجاح تونس في استرداد مبالغ مالية هامة على غرار حسابات لبعض أقارب بن علي في بنوك لبنانية تمت إعادتها إلى تونس.

وسبق أن أصدر القضاء التونسي أحكاماً تراوحت بين الغيابية والباتة ضد أصهار الرئيس السابق وأقاربه، على غرار الشقيق الأصغر لأرملة بن علي عماد الطرابلسي الموجود في السجن منذ سنة 2011، إضافة إلى أحكام أخرى غيابية على أصهار بن علي الهاربين إلى دول أخرى كبلحسن الطرابلسي الموجود في فرنسا رغم تقديم السلطات التونسية طلبات رسمية لجلبه، وصخر الماطري الزوج السابق لابنة بن علي الكبرى والذي يعيش حالياً في السيشل.

الفرصة الأخيرة

وتخشى منظمات شفافية وأحزاب في تونس من خسارة الدولة التونسية فرصها في استرداد الأموال المنهوبة لضعف الكفاءة القانونية في التعامل مع ملفات دولية كهذه، أو ربما لعدم وجود رغبة حقيقية لدى الدولة أو بعض "المتنفذين" فيها في استرداد تلك الأموال، وهو ما يذهب إليه رئيس لجنة الحوكمة ومكافحة الفساد في مجلس النواب والنائب عن حركة الشعب بدر الدين القمودي في حديثه لـTRT عربي.

القمودي قال إن هناك أطرافاً متنفذة ولوبيات لاتزال تربطها مصالح مع النظام السابق ومع أصهار بن علي، تحاول تعطيل مسار استرجاع تلك الأموال المنهوبة، وذلك بناء على ادعاءات مزعومة حول التعقيدات المتعلقة بمسار التقاضي، ورفض الدول التعاون مع تونس، معرباً عن أمله في أن تكون المبادرة التي طرحها الرئيس قيس سعيد بتشكيل لجنة لاسترجاع تلك الأموال الفرصة الأخيرة.

الحديث عن استرجاع الأموال المنهوبة يأتي في وقت تشهد فيه البلاد أعنف أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية منذ الاستقلال، وعجزاً في الموازنة للعام القادم قدر بنحو 20 مليار دينار (نحو 6 مليارات دولار)، في وقت يرفض فيه البنك المركزي توفير السيولة اللازمة لتمويل فارق العجز، مغبة السقوط في فخ التضخم وارتفاع الأسعار.

TRT عربي