منذ حصولها على الاستقلال في خمسينات القرن الماضي أصبحت الانقلابات العسكرية في بلدان القارة الإفريقية حدثاً شائعاً وجزءاً من الحياة السياسية، ولكن وتيرتها ارتفعت كثيراً خلال السنوات الأخيرة.

تعد الانقلابات العسكرية والاستيلاء القسري على السلطة في الدول الإفريقية من أهم تركات القوات الاستعمارية الغربية التي أنهكت تلك البلدان واستنزفتها طيلة عقود، ثم فرضت عليها قبل انسحابها حدودا لا تتوافق مع المجموعات العرقية والقبلية المختلفة التي تسكنها.

هذا التناقض جعل تلك الدول مرتعاً للصراع والتحارب وعرضة لتحولات السلطة العنيفة، حتى باتت تتصدر الترتيب العالمي، بأكثر عدد من الانقلابات تجاوزت حدود المائتي انقلاب، منها أربعة انقلابات وقعت خلال العام الجاري فقط، بدءاً بإفريقيا الوسطى وانتهاءً بغينيا حتى الآن.

وعلى الرغم من أن الانقلاب الأخير الذي قادته القوات الغينية الخاصة الأحد 5 سبتمبر/أيلول الجاري على الرئيس الغيني ألفا كوندي، وما تبعه من حل مؤسسات الدولة، ليس حدثاً فريداً في إفريقيا، فإنه يسلّط الضوء على ارتفاع وتيرة الانقلابات العسكرية مجدداً، بعد أن قلّ عددها نسبياً خلال فترة وجيزة سابقة.

ويرى مراقبون أن الاستيلاء العنيف للجنرالات على السلطة، سيظل سمة متأصلة في الجغرافيا السياسية الإفريقية، ما دامت مبرراته ودواعيه قائمة.

انقلابات من شمال القارة إلى جنوبها

بينما كانت البلدان الإفريقية تسعى إلى تحقيق الوحدة إبّان حصولها على الاستقلال، فإن أغلبها بتشارك اليوم، في مسارات الحياة السياسية التي لا تزال تعصف بها الانقلابات العسكرية. وتكاد لا تستثني قطراً أو بلداً من القارة السمراء.

ومع ذلك فإن محاولات الانقلاب تختلف حدتها ووتيرتها من بلد لآخر، نتيجة عدة ظروف مختلف.

السودان

يقف السودان على قائمة ترتيب البلدان الإفريقية التي شهدت أكثر عدد من المحاولات الانقلابية التي بلغت 15 محاولة منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1956، وباء أغلبها بالفشل، فيما نجحت منها 4 انقلابات كان آخرها في أبريل/نيسان 2019، عندما أطاح الجيش عقب انتفاضة شعبية بحكم عمر البشير الذي كان بدوره قائداً لانقلاب عسكري في يونيو/حزيران 1989، على حكومة رئيس الوزراء حينها الصادق المهدي.

ولا يزال السودان إلى اليوم يحاول تحقيق الاستقرار بينما تتجاذبه الصراعات الداخلية والتدخلات الأجنبية.

بورندي

بسبب الخلافات المستمرة بين جماعتَي الهوتو والتوتسي، تعرّضت جمهورية بورندي الواقعة في قلب منطقة البحيرات الإفريقية الكبرى، لنحو 11 انقلاباً منذ عام 1993، ما أغرق البلاد في حروب ونزاعات دموية استمرت أكثر من 12 سنة.

بوركينا فاسو

لا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة إلى بوركينا فاسو التي شهدت 10 محاولات انقلابية تقريباً منذ استقلالها عام 1960، كان آخرها عام 2015 حين أُطيح بالرئيس ميشيل كافاندو في انقلاب قاده حرسه الرئاسي، بعد أقل من عام على سقوط الرئيس بليز كومباوري بعد ثورة شعبية.

ولكن أكثرها دموية وقع عام 1987 حين قاد الكابتن بليز كومباوري انقلاباً ضد الرئيس اليساري الكابتن توماس سانكارا.

مالي

وفي غرب القارة الإفريقية عرفت جمهورية مالي عدة محاولات انقلاب.

ففي 2012 أطاح عسكريون بنظام أحمد توماني توري، وأعلنت لجنة عسكرية بقيادة أحمد هايا سانوغو حلّ المؤسسات. وبعد سنوات قليلة من استمرار التوتر السياسي، أطاح الجيش المالي عام 2020 بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا، إلا أن العقوبات الدولية حالت دون تسلّم العسكر السلطة.

وعاد الجيش المالي للمحاولة والتخطيط من جديد، فوقف الرئيس ورئيس الوزراء عام 2021، ونصّب الكولونيل أسيمي غويتا رئيساً انتقالياً جديداً، وقد تعهّد العسكريون بتسليم السلطة لمدنيين منتخبين مطلع 2022.

غينيا

على وقع أزمة سياسية واقتصادية حادة تمر بها الدولة الواقعة في غرب إفريقيا والفقيرة رغم مواردها المعدنية، اعتقل ضباط القوات الخاصة الغينية الرئيس ألفا كوندي وأعلن عن حل مؤسسات الدولة الأحد، 5 سبتمبر/أيول الجاري.

وفي 2008 أيضاً استولت مجموعة عسكرية بقيادة موسى داديس كامارا حينها على السلطة، بعد مرور ساعات قليلة على إعلان خبر وفاة الرئيس لانسانا كونتي.

الأسباب الكامنة وراء الانقلابات

رغم تنديد المجتمع الدولي ورفضه الاعتراف بأي سلطة جرى الاستيلاء عليها قسرياً وبشكل غير ديمقراطي، فإن الانقلابات العسكرية لا تزال أمراً واقعاً ومتكرراً في القارة الإفريقية، تختلف وتيرته من دولة إلى أخرى ومن إقليم إلى آخر ويتأثر بعضها البعض.

ويعزو خبراء ومحللون الأسباب الرئيسية لذلك إلى الحدود التي ورثتها البلدان الإفريقية عن مستعمريها والتي لا تتوافق مع المجموعات العرقية والقبلية المختلفة التي تسكنها، فتؤدي إلى صراع وتناحر مستمر بين الأطراف الساعية إلى الحفاظ على سلطتها بالقوة لأنهم لا يستطيعون الحكم من خلال صندوق الاقتراع.

إضافة إلى ذلك تواصل القوات الغربية التدخل في مسارات سياسات البلدان الإفريقية والدفع بحلفائها في بعض الأحيان لتصدر المشهد السياسي، ما يؤدي إلى رفض شعبي للتدخل الأجنبي يؤجج القوة العسكرية لافتكاك السلطة، فيلقى ترحيباً وتأييداً لا يستمر بالرغم من ذلك فترة طويلة، ويعود البلد إلى حلقة الانقلاب من جديد.

كما تلعب في الوقت نفسه الظروف الاقتصادية والفساد المستشري وسوء المعيشة دوراً هاماً في تأجيج الصراع، وإثارة الاحتقان على السلطة، وزعم الجنرالات تقويم المسار بافتكاك السلطة من الحاكمين الحاليين.

وتتضافر كل هذه العوامل في جعل الانقلابات العسكرية سمة المشهد السياسي في بلدان القارة الإفريقية، ولكنها في الوقت نفسه تحدث بوتيرة أقل في دول الجنوب مثل ناميبيا وجنوب إفريقيا وبوتسوانا، ما يمنح أملاً في الوصول إلى الاستقرار في بقية أقاليم القارة.

TRT عربي