تشهد الحدود السودانية الإثيوبية تحشيداً عسكرياً غير مسبوق على خلفية الصراع على منطقة الفشقة. (Others)

تطور لافت شهدته ساحة التصعيد السوداني الإثيوبي في الأيام الماضية ينذر بدخول الأزمة منعطفات جديدة.

ومع تشابك الصراعات على ملفي سد النهضة وأراضي الفشقة ووغياب أي آفاق للتسوية يبدو أن الأطراف المعنية تسعى لاستخدام كل أوراقها قبل انطلاق "الرصاصة الأولى".

مليشيات ومتمردون على الضفتين

في تصعيد جديد بين أطراف الأزمة ذكر بيان صادر عن البرلمان الإثيوبي، في 6 مارس/آذار، أن اللجنة الخاصة بالتحقيق في أعمال العنف بمنطقة متكل التي شكلها البرلمان قدمت تقريراً بشأن مهمتها، موضحة أن تلك الأعمال "تم دعمها من قبل السودان ومصر وفق نتائج التحقيق التي ذكرتها اللجنة".

وأضاف رئيس اللجنة عبد الله حمو أن التحقيقات التي أجروها بإقليم بني شنقول حول هذه الأعمال أثبتت أيضاً تلقي المسلحين المتورطين في أعمال العنف تدريبات وأسلحة غير مشروعة على الحدود السودانية.

وليس هذا الاتهام الإثيوبي لمصر الأول من نوعه حيث ذكر مسؤول رفيع في الخارجية الإثيوبية، رفض التصريح باسمه، في 24 يناير/كانون الثاني الماضي أن القاهرة تدعم هجمات مليشيا غوموز الوحشية على الأقليات العرقية في ولاية بني شنقول-غوموز بغرب إثيوبيا، حيث يقع سد النهضة.

مضيفاً أن الهدف الوحيد لمليشيا غوموز، التي تحاول إغلاق الطريق الرئيسي المؤدي إلى السد، هو إشعال حرب أهلية في المنطقة وخارجها وفي النهاية تأخير أو إحباط بناء السد.

وفي اليوم التالي مباشرة أعلنت وكالة الأنباء السودانية (سونا) أن الحكومة الأثيوبية قدمت دعماً لوجستياً لقوات جوزيف توكا بالنيل الأزرق عبارة عن أسلحة وذخائر ومعدات قتال، حيث وصل الدعم إلى منطقة يابوس بتاريخ 27 فبراير/شباط 2021، وكان في استقبال الدعم القائد جوزيف توكا وبعض قادة قواته.

مضيفة في خبر نشرته في 7 مارس/آذار أنَّ الحكومة الأثيوبية تهدف لاستخدام القائد جوزيف توكا لاحتلال مدينة الكرمك قرب الحدود الإثيوبية بإسناد مدفعي إثيوبي، وذلك بغرض تشتيت جهود الجيش السوداني على الجبهة الشرقية.

ويقود جوزيف توكا قوات الحركة الشعبية/قطاع الشمال بقيادة عبد العزيز الحلو، التي تقاتل الحكومة السودانية في ولايتي جنوب كردفان (جنوب) والنيل الأزرق (جنوب شرق) منذ عام 2011، وهي بجانب حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور آخر حركتين مسلحتين رئيستيين في السودان لم توقعا اتفاق سلام مع الحكومة الانتقالية في الخرطوم.

هذه التطورات المتلاحقة فسرها مراقبون أنها قد تكون تمهيداً لحرب وكالة بين البلدين، وأن كل طرف يسعى إلى توفير الغطاء الذي يبرر العمل على نقل المعركة من الحدود السودانية الإثيوبية إلى مواقع أخرى داخل الجارتين، وهي سياسة لطالما صبغت العلاقة المتوترة بين الخرطوم وأديس أبابا تاريخياً.

السودان وإثيوبيا.. سنوات مضطربة

يشهد السودان في الفترة التي أعقبت سقوط الرئيس عمر البشير الكثير من التحديات الأمنية، منها ما كان موروثاً ومنها ما استجد خلال الفترة المذكورة، فعاش شرق السودان قرابة عامين من جولات الصراع الإثني بين العديد من مكوناته، في كبرى مدنه بورسودان وكسلا والقضارف.

أدت هذه الجولات إلى اختلال الأوضاع الأمنية في الإقليم الحيوي المجاور جزئياً إثيوبيا، كما أنها شكلت شروخاً كبيرة بين الفئات المذكورة في ظل تساؤلات حول عجز الحكومة المركزية والحكومات الولائية عن وضع حد للتفلتات الأمنية والاقتتال الأهلي.

كذلك وجدت السلطات الجديدة في الخرطوم نفسها في مواجهة تركة نظام البشير في صراعات دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، حيث دخلت في جولات تفاوض بجوبا جنوب السودان مع الفصائل المسلحة في المنطقتين.

وبعد عام من التفاوض وصلت الأطراف إلى اتفاق السلام بجوبا في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2020، وهو ما مثل فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة بعد عقود من القتال الدامي، وقد عالج مسائل رئيسية كالمشاركة في السلطة، وتوزيع الموارد والعدالة الانتقالية والأراضي وحل أوضاع المشردين والأمن.

وعلى الرغم من توقيع العديد من الفصائل السودانية الرئيسية على الاتفاق فلم تنضم كل من حركة التحرير الشعبية-شمال جبهة بقيادة عبد العزيز الحلو وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، إلى هذا الركب، وهما من الفصائل المسلحة الهامة في دارفور وجبال النوبة.

جوبا.. من احتفالات التوقيع النهائي على اتفاق “سلام السودان” (Reuters)

ولم يكن الوضع في إثيوبيا أفضل حالاً، حيث شهدت البلاد منذ 2018 موجات من العنف بين المكونات العرقية المختلفة، ميزتها اشتباكات دموية بين مليشيات محلية مسلحة.

غير أن نوفمبر/تشرين الثاني 2020 حمل تغيراً دراماتيكياً بإعلان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الحرب على الجبهة الشعبية الحاكمة لإقليم تيغراي، ورغم إعلان الحكومة المركزية انتصارها في الحرب وسيطرتها على عاصمة الإقليم مقلي، فإن الأنباء الواردة من الإقليم تؤكد وجود مقاتلي الجبهة الشعبية في الأرياف وخارج المدن، وأنهم يعمدون إلى تنظيم صفوفهم والبدء بحرب عصابات ضد المركز.

كما يعيش إقليم بني شنقول المحاذي للسودان اضطرابات مستمرة تصاعدت وتيرتها منذ مطلع العام الماضي، نتيجة لتحالف تكتيكي نشأ بين جبهة تحرير بني شنقول المعارضة لآبي أحمد وبين عناصر منشقة من جبهة تحرير أورومو لاستهداف مسؤولي حكومة الإقليم المتحالفة مع الحكومة الفدرالية، بجانب سكان الإقليم من الأمهرا الذين ينظر إليهم باعتبارهم "محتلين".

واتخذت الأوضاع في الإقليم منحى أكثر خطورة في ديسمبر/كانون الأول الماضي حين شن مسلحون تابعون لقومية غوموز هجوماً مسلحاً على سكان من جماعة أمهرا في منطقة ميتكيل مما أسفر عن مقتل 207 من السكان ونزوح أكثر من 10 آلا من الأمهرة من منطقة ميتكيل.

وفي استعادة لمشاهد تاريخية سابقة فلطالما شكلت هذه الأوضاع الأمنية المضطربة، ووجود فصائل مسلحة متمردة في كلا البلدين، البيئة المثالية لاندلاع حروب الوكالة التي كان لها تأثير عميق على التاريخ السياسي للجارين اللدودين.

أدت الاضطرابات في إثيوبيا إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين (AFP)

تاريخ من حروب الوكالة

كأكثر الدول الإفريقية اتسم التركيب السياسي للسودان وإثيوبيا بمشكلات بنيوية عميقة مرتبطة بالتشكل غير الطبيعي للدولة الحديثة في البلدين نتيجة التدخل الاستعماري في تشكيلها ورسم حدودها.

وهو ما عانى منه البلدان مبكراً وأدى إلى ظهور أشكال متنوعة من حركات التمرد على السلطة المركزية فيهما، واستغلال الجارين المتنافسين لنقاط الضعف هذه في الضغط على الآخر.

وفي هذا السياق تحولت أديس أبابا إلى ساحة لإيصال الدعم الإسرائيلي لحركة أنيانيا المتمردة في جنوب السودان التي بدأت نشاطاتها منذ 1955، وكان هذا ضمن الأسباب التي أدت بالسودان بعد انقلاب إبراهيم عبود 1964 إلى دعم الثورة الإرترية ضد الاحتلال الإثيوبي.

وعلى الرغم من توقيع اتفاقيات أديس أبابا 1975 بين الحكومة السودانية وقادة حركة أنيانيا، فإن السيناريو نفسه تكرر مرة أخرى مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي عند اندلاع الحرب الأهلية الثانية في السودان بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان.

ورغبة من حاكم إثيوبيا حينها العقيد منغستو هيلي مريام في الضغط على الخرطوم لإغلاق حدودها أمام الثوار الإرتريين الذين أرهقوا أديس أبابا، فقد دعم منغستو الحركة الشعبية بزعامة جون قرنق ما وفر للأخير إمدادات هائلة من الأسلحة والدعم، في حين حولت الحكومة السودانية حدودها الشرقية إلى قاعدة خلفية للإرتريين وللحركات الإثيوبية المتمردة بالعمل بتقديم العديد من التسهيلات التي أعانتها على إسقاط منغستو عام 1991.

وشهدت العشرية الأولى من حكم نظام الإنقاذ (1989-2019) في الخرطوم والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (1991-2018)) في أديس أبابا، موجة جديدة من حروب الوكالة دعمت فيه إثيوبيا التحالف الوطني الديمقراطي المعارض للخرطوم، في حين دعمت الأخيرة الحركة الشعبية لتحرير بني شنقول الإسلامية، إلى أن أدت الحرب الإثيوبية الإريترية 1998-200 إلى بداية عهد جديد بين إثيوبيا والسودان.

اتسمت العلاقات بين البلدين طوال العقود الماضية بموجات من المد والجزر، وكانت الفترة بين 1998-2018 إحدى أكثر المراحل دفئاً بين أديس أبابا والخرطوم، وهو ما لبث أن شهد تغيراً كبيراً في الشهور الأخيرة نتيجة الخلاف العميق بين الطرفين على الترتيبات المتعلقة بسد النهضة ومنطقة الفشقة، وهو ما قد يضعنا على أعتاب مرحلة من حروب الوكالة التي لم تنقطع إلا لتبدأ من جديد بين الطرفين.

TRT عربي
الأكثر تداولاً