نجحت الوساطة الإثيوبية في إعادة المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير إلى طاولة الحوار بعد أيام من التوتر بسبب فض اعتصام القيادة العامة، ورغم تعليق الأخيرة للعصيان المدني فإن فرضيات التصعيد تظل قائمة إذ لم يتم الكشف عن المتورطين في قتل المعتصمين.

السودانيون يواصلون احتجاجاتهم من أجل تسليم المجلس العسكري السلطة للمدنيين 
السودانيون يواصلون احتجاجاتهم من أجل تسليم المجلس العسكري السلطة للمدنيين  (Reuters)

منذ اقتحام ميدان اعتصام القيادة العامة في العاصمة السودانية الخرطوم، يشهد السودان حالة من الشلل على المستوى السياسي، بخاصة مع توقف قنوات الحوار بين المجلس العسكري الانتقالي المتهم بفض الاعتصام بالقوة، وقوى إعلان الحرية والتغيير التي اختارت التصعيد بعد ما وصفته بـ"تعنت العسكر في تسليم السلطة للمدنيين".

حادثة الاقتحام التي تسببت في مقتل وجرح العشرات من المدنيين، حرّكت ركود الأوساط الإقليمية والدولية، بدأت مع تجميد الاتحاد الإفريقي لعضوية السودان لإقامة سلطة مدنية، إلى تدخل وساطات خارجية كانت آخرها التي قادتها إثيوبيا والتي قد تعيد المسار لأوله.

لكن يبقى ذلك حسب قوى إعلان الحرية والتغيير رهين الكشف عن ملابسات حادثة فض الاعتصام ومحاسبة المتورطين فيها وجدية الجيش في التوصل إلى اتفاق ينتهي بتسليم السلطة للمدنيين، فيما لا يزال بعض الدول يراهن على المجلس العسكري من أجل قيادة المرحلة الانتقالية بسبب علاقاته التاريخية معه.

العودة إلى طاولة الحوار

إلى حد كبير نجحت قوى إعلان الحرية والتغيير في دعواتها إلى العصيان المدني التي شملت البلاد يومي الأحد والإثنين الماضيين، الأمر الذي دفع القوى الإقليمية للتدخل لضمان عدم التصعيد من المجلس العسكري.

المبادرة الإثيوبية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد بدأت الأسبوع الماضي بكثير من الحذر مع الحرص على رأب الصدع بين الطرفين، لتنجح بعد جهود كبيرة في إقناعه الأطراف بالعودة للحوار مجدداً حسب كلام محمود درير المبعوث الخاص لرئيس الوزراء الإثيوبي إلى السودان.

وقال المبعوث الإثيوبي إن المجلس العسكري السوداني وقوى إعلان الحرية والتغيير اتفقا على استئناف المحادثات بشأن تشكيل مجلس انتقالي، في الوقت الذي عُلّق فيه العصيان المدني والإضرابات.

وأشار درير في حديث للصحفيين إلى إن المجلس العسكري وافق أيضاً على إطلاق سراح سجناء سياسيين كبادرة لبناء الثقة.

في السياق، دعا قادة الاعتصام السودانيين إلى "استئناف العمل الأربعاء" بعد أكثر من ثلاثة أيام من الشلل شبه التام للحياة في العاصمة الخرطوم حيث أغلق معظم المتاجر أبوابها.

التحقيق في فض الاعتصام

لا تزل حادثة فض الاعتصام تشكل نقطة الخلاف الكبرى بين المعارضة السودانية والمجلس العسكري، إذ وصفتها قوى إعلان الحرية والتغيير بـ"الخيانة"، ورغم تهرب المجلس العسكري من الحادثة وإنكاره ارتكابها، ينتظر الجميع التفاصيل ومحاسبة المتورطين فيها.

في غضون ذلك، كشفت صحيفة الغارديان البريطانية عن تسجيل أكثر من 70 حالة اغتصاب خلال فض الاعتصام قبل نحو أسبوع.

ونقلت الصحيفة عن أحد الأطباء في العاصمة السودانية وصفته بأنه "مطلع على البيانات التي جمعتها لجنة أطباء السودان المركزية"، تأكيده أن مستشفيات الخرطوم سجلت أكثر من 70 حالة اغتصاب في الهجوم الذي شنته القوات السودانية يوم الاثنين 3 يونيو/حزيران الجاري، وما تلاه من أعمال عنف.

كما نسبت الصحيفة إلى طبيب في مستشفى "رويال كير" قوله إنه عالج ثماني ضحايا اغتصاب: خمس نساء وثلاثة رجال، في حين قال مصدر طبي إنه عولجت حالتا اغتصاب في مستشفى في جنوب الخرطوم، فيهما حالة تعرضت للهجوم من أربعة عناصر تابعين لقوات الدعم السريع.

وأشارت غارديان إلى أن العديد من ضحايا الاغتصاب لم يتقدموا للعلاج الطبي، إما بسبب الخوف من الانتقام، وإما لانعدام الأمن في المدينة، وإما بسبب محدودية الرعاية، ووصف نشطاء حقوق الإنسان والخبراء تقارير العنف الجنسي بأنها "موثوقة".

وأكد الأطباء للصحيفة أن قوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو الملقب بحميدتي، هي التي ارتكبت عمليات اغتصاب في الأيام الأخيرة من الاعتصام.

الرهان على حميدتي

وبالحديث عن حميدتي، الذي أصبح القائد الأبرز في المجلس العسكري، فإن دوره لم يعد خفياً على أحد في السودان، بخاصة علاقته الوطيدة بالسعودية والإمارات ومصر.

تأكيداً لذلك، قالت صحيفة نيويورك تايمز إنها وثَّقت بعض أوجه الدعم السعودي الإماراتي لقوات الدعم السريع، مشيرة إلى علاقة الفريق أول حميدتي، الذي يشغل كذلك منصب نائب رئيس المجلس العسكري، بقادة السعودية والإمارات.

وتحدثت الصحيفة، في تقرير لها عن تطورات الوضع في السودان بعد فض الاعتصام، قائلة إن قائد قوات الدعم السريع، حميدتي، يعتبر الرجل الأقوى في السودان الآن، رغم رئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان للمجلس العسكري.

وأضافت أن قادة السعودية والإمارات أغدقوا المال والسلاح والنصائح عليه رغم كونه متهماً بارتكاب جرائم إبادة جماعية في دارفور.

وأشارت الصحيفة في هذا السياق إلى انتشار عربات مصفحة إماراتية الصنع في شوارع الخرطوم تتبع قوات الدعم السريع، كما نقلت عن طيار سوداني سابق، قوله إن طائرات شحن سعودية وإماراتية أنزلت معدات وشحنات أسلحة في مطار الخرطوم.

وحديث الصحيفة سبقه تأكيد مجلة ديلي بيست الأمريكية، أن السعودية تدعم حميدتي للقفز إلى السلطة في السودان بعلم واشنطن وموافقتها، رغم أنه كان أحد القادة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في دارفور.

وأكدت المجلة في تقرير للكاتب ديفيد لينش، أن القائم بالأعمال الأمريكي في الخرطوم ستيفن كوتسيس أعرب خلال اجتماع لمراقبي السودان في العاصمة الأمريكية، مؤخراً، عن تعاطفه مع المجلس العسكري الانتقالي بالخرطوم، وقال إن على أمريكا أن تتماشى مع مصالح السعودية ومصر والإمارات.

وعلَّق لينش بأن ما قاله كوتسيس في ذلك الاجتماع كان غامضاً ومربكاً لكثيرين بالغرفة، إلى درجة أن أجبره صمت الحاضرين المندهشين على أن يسألهم عن مدى اعتقادهم أن المصالح الأمريكية تختلف عن تلك التي للبلدان الثلاثة.

المصدر: TRT عربي