5 فبراير 2021  صورة أقمار صناعية في 5 فبراير/شباط 2021 تظهر ميناء فارغاً في القاعدة العسكرية الإماراتية في عصب. ( AP). (Others)

أثار تقرير لأسوشيتيد برس حول تفكيك دولة الإمارات لقاعدتها بإريتريا الكثير من التساؤلات حول هذه الخطوة والسياقات المتعلقة بها.

وكانت الوكالة الأمريكية نشرت تقريراً في 18 فبراير/شباط الحالي كشفت فيه بالاعتماد على صور أقمار صناعية عن تفكيك لمبانٍ ونقل لأسلحة ومعدات عسكرية إلى خارج القاعدة الواقعة في جنوب الساحل الإريتري على البحر الأحمر.

انسحاب أم إعادة تموضع؟

ذهب مراقبون إلى أن الإجراءات الأخيرة مرتبطة بانكماش في الطموحات الإماراتية، وهو ما عبر عنه رايان بوهل، المحلل في شركة ستراتفور للاستخبارات الخاصة، لأسوشيتيد برس قائلاً: إن "الإماراتيين يقلصون طموحاتهم الاستراتيجية، وينسحبون من الأماكن التي كان لديهم وجود فيها... إن نشرهم لهذه القوة الصارمة عرّضهم لمخاطر أكثر مما يرغب الإماراتيون الآن في تحمّله".

في حين رأى آخرون أن هذه التقديرات تفتقد إلى الدقة، وأن ما حدث لا يعدو كونه إعادة انتشار وتموضع للقوات، إذ وفقاً لتسريبات حول الاتفاق بين أسمرة وأبو ظبي عام 2015، فقد تم تأجير الأرض التي أقيمت عليها القاعدة لمدة 30 عاماً مقابل 150 مليون دولار، ما يعني استمرارية الوجود الإماراتي لقرابة 20 عاماً قادمة.

كما أن الصور الملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية تظهر تفكيكاً لبعض المباني داخل القاعدة ونقلاً لمعدات عسكرية بشكل متفرق خلال عام ونصف العام، ما يؤشر إلى أن ذلك ليس مرتبطاً بتغييرات جذرية داخل القاعدة.

ووفقاً لتقرير أسوشيتيد برس فقد قام العمال في يونيو/حزيران 2019، وهو موعد إعلان أبو ظبي انسحابها من العمليات العسكرية في اليمن، بهدم مبانٍ يُعتقد أنها ثكنات بجانب الميناء، كما جمعوا صفوفاً من العتاد شمال الميناء، في انتظار شحنها على ما يبدو.

وفي أوائل يناير/كانون الثاني من هذا العام أظهرت صورة أخرى ما يبدو أنه مركبات ومعدات أخرى يتم تحميلها على سفينة شحن منتظرة، وبحلول 5 فبراير/شباط اختفت السفينة وهذه المعدات.

صورة لأقمار صناعية في 7 يناير/كانون الثاني تظهر ما يبدو أنه مركبات ومواد أخرى يتم تحميلها على سفينة بميناء القاعدة العسكرية الإماراتية في عصب. (Others)

وممَّا يدعم الفرضية القائلة باستمرارية عمل القاعدة أنها رغم ارتباط بنائها بحرب اليمن فإنها تمثل أيضاً نقطة حماية متقدمة للمصالح الإماراتية في القرن الإفريقي والبحر والأحمر، فيما يتعلق بمكافحة القرصنة وحماية أمن الممرات المائية ومكافحة الإرهاب. وهي ملفات تتذرع بها العديد من القوى لضمان وجودها العسكري والأمني في المنطقة، ما حولها إلى ساحة صراع دولي محتدم خلال السنوات الأخيرة.

صورة أقمار صناعية ملتقطة في 5 فبراير/شباط 2021 تظهر ميناء فارغاً في القاعدة. (Others)

هكذا ولدت القاعدة

مع انطلاق العمليات العسكرية ضد الحوثيين أواخر مارس/آذار 2015 سعت الإمارات العربية المتحدة والسعودية إلى استخدام الأراضي الجيبوتية قاعدة خلفية لتحرير عدن، لكن الخلاف الإماراتي الجيبوتي حول ميناء دوراليه اضطر الحليفين الخليجيين إلى الاتفاق مع إريتريا المجاورة والمنافسة الإقليمية لجيبوتي.

أسفر ذلك عن توقيع اتفاق عسكري أمني منح دول التحالف حق إقامة قواعد داخل إريتريا التي كان يعاني نظامها من العزلة الخانقة، على خلفية عقوبات دولية متعلقة بتورطه في الأزمة الصومالية، ووجد في الاتفاق أداة لبناء تحالفات جديدة تعيده إلى "الأسرة الدولية"، وهو ما تم تدريجياً برعاية الرياض وأبو ظبي.

وابتداء من سبتمبر/أيلول 2015 قامت الإمارات ببناء ميناء ووسعت مهبطاً للطائرات في عصب الإريترية على ساحل البحر الأحمر، بالإضافة إلى ثكنات ومظلات للطائرات وأسيجة عبر المنشأة التي تبلغ مساحتها 9 كيلومترات مربعة، ونقلت إليها أسلحة ثقيلة كدبابات "Leclerc" القتالية ومدافع هاوتزر "G6" ذاتية الدفع وعربات القتال البرمائية "BMP-3" في المطار.

لعبت القاعدة دوراً رئيسياً في العمليات العسكرية في حرب اليمن، تضمن الطلعات الجوية وتدريب القوات كما أنشئ داخلها مستشفى ميداني لمعالجة الجرحى، وسجن تم فيه اعتقال الجنود والمعارضين اليمنيين للنشاطات الإماراتية في بلادهم.

صورة الأقمار الصناعية في 7 يناير/كانون الثاني 2021 تظهر مظلات لتغطية الطائرات في القاعدة العسكرية الإماراتية في عصب بإريتريا. (Others)
صورة الأقمار الصناعية في 5 فبراير/شباط 2021 تظهر الأماكن التي كانت تستخدم فيها الستائر لتغطية الطائرات في القاعدة. (Others)

تفكيك القاعدة الجزئي بين حربين

على الرغم من انشغال الإدارة الأمريكية الجديدة بتداعيات كورونا على الداخل الأمريكي، فقد حظيت بعض القضايا الخارجية باهتمام لافت، من أبرزها ملف الحرب في اليمن والأوضاع في إقليم تيغراي الإثيوبي.

حيث كانت اللهجة الأمريكية صارمة في المطالبة بإيقاف الحرب في اليمن، وفي هذا الإطار اتخذت واشنطن قرارات كان منها تعليق صفقة مقاتلات F-35 للإمارات، بالإضافة إلى إلغاء تصنيف مليشيا الحوثي جماعة إرهابية.

وهذا ما دعا مراقبين إلى اعتبار الإجراءات الإماراتية الأخيرة في القاعدة تأكيداً من أبو ظبي لانسحابها من حرب اليمن، وتوافقها مع الاستراتيجية الأمريكية حولها.

لم تقتصر سياسات واشنطن الجديدة على الملف اليمني، حيث شهد التعاطي مع الأوضاع في تيغراي كذلك انعطافة أكثر حدة بمطالبة الحكومة الإثيوبية باللجوء إلى الحوار في الإقليم، ورفع الحواجز أمام وصول المساعدات الإنسانية، وسحب إريتريا لقواتها من الأراضي الإثيوبية.

وفي هذا الإطار كانت اتهامات قد وُجهت للإمارات بمشاركة طائراتها المسيّرة في الحرب الإثيوبية الأخيرة إلى جانب القوات الحكومية، انطلاقاً من قاعدتها العسكرية في عصب الإريترية.

ما دفع مراقبين إلى ربط ما يحدث في القاعدة برغبة إماراتية في النأي بالنفس عن هذا الملف، ولا سيما عند النظر إلى أن من المباني التي فُككت حظائر للطائرات المسيّرة.

وتشهد الأوضاع الإنسانية في إقليم تيغراي تدهوراً كبيراً مع أكثر من 60 ألف لاجئ إلى السودان، وملايين النازحين، مع اتهامات مستمرة بارتكاب جرائم بحق المدنيين من سكان الإقليم واللاجئين الإرتريين، وهو ما استدعى مطالبات دولية للحكومة الإثيوبية بتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين في تيغراي.

تظهر صورة أقمار صناعية التقطت في 12 يونيو/حزيران 2019 ما يبدو أنه ثكنات في ميناء بالقاعدة. (Others)
تظهر صورة أقمار صناعية التقطت في 17 يونيو/حزيران 2019 أن ثكنات قد هُدمت في ميناء بالقاعدة. (Others)

ترتيبات جديدة لأمن البحر الأحمر كان من اللافت في المقابلة السنوية التي أجراها الرئيس الإريتري أسياس أفورقي مع التلفزيون المحلي في 18 فبراير/شباط امتداحه للسعودية، ودعوته لممارسة الرياض دوراً إقليمياً هاماً في منظومة الأمن الجماعي للبحر الأحمر. هذه اللغة الداعمة تعد تحولاً مثيراً في الموقف الإريتري من المبادرة السعودية لإنشاء "مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن"، التي أبدت أسمرة تردداً واضحاً حيالها كما لم تخف انتقاداتها أنها " "تستدعي مراجعة واقعية وشاملة لا تضعفها الأساليب العاطفية أو الافتراضية". ورغم انضمام إريتريا المتأخر إلى المبادرة فقد كان من الملاحظ غيابها عن مناورات "الموج الأحمر 1" (يناير/كانون الثاني 2019) و"الموج الأحمر 2" (سبتمبر/أيلول 2019) ، وهي مناورات بحرية نظمتها وزارة الدفاع السعودية بمشاركة دول المجلس المزمع إنشاؤه. هذا التحول في الخطاب الإريتري الذي ترافق مع الإجراءات الإماراتية الأخيرة عُد مؤشراً إلى تغير في ترتيبات أمن البحر الأحمر ، تقوم فيه الرياض بدور أكبر، وتتقدم فيه أولويات الانتقال من الوجود العسكري الثقيل إلى التحرك الاستخباراتي الأمني العسكري، في مواجهة واقع ما بعد الحرب في اليمن في ظل الجهود الأمريكية لإنجاز هذا الهدف

TRT عربي
الأكثر تداولاً