أمام التقهقر الغربي عن مد يد المساعدة لا يجد الأفارقة أمامهم طريقاً إلا إلى بكين. (AFP)

طوال ما يزيد على عام ربما كان اكتشاف لقاح كورونا الحدث الأبرز عالمياً بعد ظهور الوباء نفسه، وبعد أن كان الأخير مجال صراع جيوسياسي حول سردية ظهوره، بدأ توزيع اللقاح هو أيضاً بالدخول في هذه الحلبة.

محدودية القدرة على إنتاج اللقاح مقابل العدد الهائل لسكان كوكبنا فرض أسئلة محرجة حول التوزيع وأولوياته ومقدار العدالة المتوقعة فيه، ومع استئثار الدول الغربية بالدفعات الأولى من الإنتاج، التقطت الصين الفرصة وبدأت بالترويج لنشر لقاحها محلي الصنع عالمياً في حملة علاقات عامة جديدة.

من كتابة السردية إلى صناعة الصورة

تضرر صورة الصين في الخارج كان أحد "الآثار الجانبية" لظهور الوباء في ووهان، حيث أثار موجة من كراهية الأجانب والعنصرية المعادية للصين في اليابان وفيتنام وأستراليا ودول في أوروبا، كما شككت التغطيات الإخبارية في جميع أنحاء العالم في معايير الصحة العامة في الصين.

أمام هذه الانتكاسة الموجعة للدبلوماسية الصينية بدأت بكين في "هجمة مضادة" على أكثر من مستوى، حيث عمل المسؤولون الصينيون على تصوير البلاد كرائدة العالم في مكافحة فيروس الكورونا، حتى إن دائرة الدعاية المركزية للحزب أعدت كتاباً بعدة لغات يشيد بدور الرئيس الصيني شي جين بينغ في توجيه البلاد خلال الأزمة.

ولم تكتف بكين بهذا حيث أعلنت تقديمها مساعدات طبية لكثير من دول العالم، بدءاً بالمعدات الطبية وانتهاء باللقاحات المضادة للفيروس، مفتتحة ما وصفه الرئيس الصيني بطريق الحرير الطبي.

وتناول الرئيس الصيني في مايو/أيار الماضي حاجة البلدان النامية إلى اللقاحات، وعرض تقديم اللقاح الصيني "باعتباره منفعة عامة" بسعر مناسب، كما كرر تعهده في اتصال هاتفي مع الملك المغربي محمد السادس في أكتوبر/تشرين الأول الماضي مؤكداً أن الأولوية توزيع اللقاح ستمنح للدول النامية، وخاصة في إفريقيا بمجرد تطوير أحدها واستخدامه.

تأتي هذه الجهود الصينية استمراراً لحملة المساعدات الطبية حيث قامت مؤسسة جاك ما من مارس/آذار إلى منتصف أكتوبر/تشرين الأول بتسليم أكثر من 400 طن من الإمدادات الطبية في جميع أنحاء إفريقيا ، بما في ذلك التسليم الشهري لثلاثين مليون مجموعة اختبار وعشرة آلاف جهاز تهوية ، وثمانية ملايين قناع جراحي.

فحص مصابي كورونا في مايو/أيار الماضي بجنوب إفريقيا. (AP)

الصين تملأ الفراغ

هذه الخطوات الصينية جاءت لتملأ الفراغ الذي أحدثه غياب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن ساحة التوزيع الدولي للقاح، حيث كان المعسكر الغربي ولا سيما واشنطن في مقدمة المتبرعين لجهود الصحة العالمية.

هذا الغياب الأمريكي لم يكن نتيجة الآثار الكارثية للوباء فحسب، حيث تسجل الولايات المتحدة أرقاماً قياسية في أعداد الإصابات والوفيات، بل كان لسياسة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الانسحابية نحو "أمريكا أولاً" حيث لم يكتف بتجميد دعم منظمة الصحة العالمية فقط بل انسحب منها أيضاً لاحقاً، قبل أن تعود واشنطن إليها في أول أيام حكم جو بايدن.

كذلك لم تكن أوضاع الاتحاد الأوروبي الصحية أحسن حالاً، وهو ما انعكس على إجراءاتها المتخذة حيال اللقاحات، حيث أبدت منظمة الصحة العالمية أواخر يناير/كانون الثاني الماضي قلقها من خطة أوروبية لمنع تصدير لقاحات كوفيد -19.

وكانت شركة سينوفاك الصينية أعلنت أواخر مايو/أيار الماضي توصلها إلى لقاح سينوفارم مؤكدة أن فعاليته تبلغ 99%، وتسلمت إندونيسيا أول دفعة منه في ديسمبر/كانون الأول الماضي تلتلها العديد من الدول منها الإمارات وتركيا والبرازيل وغيرها. ورغم الانخفاض النسبي لعدد الإصابات المبلغ عنها في القارة السمراء فقد توقع مدير المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض (CDC) ، جون نكينجاسونج ، أن القارة ستحتاج إلى 1.5 مليار جرعة من اللقاح لتلقيح 60٪ من السكان، لتحقيق مناعة القطيع. وأن شراء اللقاحات وإنشاء أنظمة توصيل سيكلف ما يصل إلى 10 مليارات دولار. وهو ما يمثل عبئاً ثقيلاً على اقتصاديات دولها التي تعاني من آثار موجتي الكورونا.

سجلت الولايات المتحدة أرقاماً قياسية في ما يتعلق بعدد الإصابات والوفيات بفيروس كورونا (Reuters)

بكين والمكاسب الدبلوماسية

أمام هذا الانسحاب الغربي تبدو حملة بكين قادرة بالفعل على الترويج لصورة الصين باعتبارها "قوة عظمى مسؤولة"، وليس هذا المكسب الوحيد.

فرغم أن الفلسفة الغربية الديمقراطية الليبرالية في الحكم تظل النموذج الأقرب إلى أحلام الأفارقة من من نظام القبضة الأمنية الصينية، فقد ساهمت يد بكين الممدودة للمساعدة في تحسين صورتها كصديق يمكن الاعتماد عليه عند الحاجة.

ومع تطور الحرب التجارية بين المعسكر الغربي والصين، وتزايد السخط على الأخيرة فيما يتعلق بقضايا انتهاكات حقوق الإنسان ولا سيما بالنسبة إلى مسلمي الأويغور، تحاول بكين كسب الدول الإفريقية الـ54 إلى صفها للاستفاد ةمن ثقلها التصويتي الحاسم في المؤسسات الدولية، وعلى سبيل المثال فقد تم عام 2019 انتخاب صيني، شو دونيو، للمرة الأولى مديراً عاماً لمنظمة الأغذية والزراعة الأممية بفضل الدعم التصويتي من دول إفريقيا وأمركيا الجنوبية.

كما أن المساعدة في توزيع اللقاح في إفريقيا ستضمن للصين توسيع حصتها في سوق اللقاحات، بجانب أنها ستوفر كذلك للعمال الصينيين في القارة بيئة عمل أكثر أماناً للحفاظ على الاستثمارات الصينية، حيث تملك بكين إحدى أكبر الجاليات الأجنبية في القارة بما يصل إلى قرابة مليون صيني. وفي يناير/كانون الثاني الماضي قام وزير الخارجية الصيني هينا وانغ يي بأولى زياراته الخارجية في العام الجديد إلى إفريقيا ضمن تقليد مستمر منذ عقود، في جولة ضمت بأديس أبابا حيث سيتم إنشاء جسر جوي بين الأخيرة وإقليم شينغين جنوب الصين يتضمن مرافق التبريد الحيوية لإرسال اللقاح إلى إفريقيا.

"اللقاح" يدعم مبادرة الحزام والطريق

تعد مبادرة الحزام والطريق درة تاج الاستثمارات الخارجية للصين، حيث تهدف من خلاله إلى السيطرة على أهم الممرات وطرق التجارة في العالم.

ويرى "المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية" المرموق أن عروض المساعدة الصينية في توزيع اللقاح جزء من "دبلوماسية المساعدات الطبية" الصينية خلال وباء كورونا، والتي عملت على تفعيل الشبكات المتعلقة بمبادرة الحزام والطريق، وأنها تندرج ضمن رؤية استراتيجية ومرنة تنشط على عدة مستويات حكومية وخاصة.

حيث أخذت الإمدادات الطبية في الغالب المصالح الاستراتيجية الصينية في الاعتبار، فعلى سبيل المثال تضمن قائمة المتبرعين الصينيين بالمواد الطبية للبلدان التي تدير فيها الشركات الصينية المملوكة للدولة مشاريع مبادرة الحزام والطريق (على سبيل المثال في إفريقيا)، البنوك الصينية ذات الصلة بالمشروع بجانب شركات البناء وشركات المواد الخام. ورغم الانتقادات التي تعرضت لها دبلوماسية الصين في هذا المجال فقد قدمت بكين للعديد من الدول نموذجاً للشريك الموثوق به، ممّا دعم الخطاب الصيني في ما يتعلق بتسويق مبادرة الحزام والطريق عالمياً.

TRT عربي
الأكثر تداولاً