وزير الخارجية الفرنسي في بيروت لبحث مصير المبادرة الفرنسية (Aziz Taher/Reuters)

لا تزال اللهجة الاستعمارية طاغية على خطاب فرنسا مع لبنان وقضاياه، والتعامل معه بصفته دولة لا تزال تتبع فرنسا سيادياً، تحت غطاء الحرص على مصلحته.

لودريان أعلنها صراحة، قائلاً إن ضريبة عدم التزام المبادرة الفرنسية ستكون عقوبات على مسؤولين لبنانيين، وصفهم بـ"معرقلي الحل السياسي"، وهي لن تكون الأخيرة حسب قوله، بل البداية.

فالزيارة التي بدأت بالتهديد والوعيد، كانت متوقعة الملامح، ولعل سياقها ينبئ عن نتيجتها وما ستؤول إليه الأمور بعدها.

فقد استقبل الرئيس اللبناني في قصر بعبدا الوزير الفرنسي في لقاء لم يتجاوز نصف ساعة، وغادر بعدها لودريان دون الإدلاء بأي تصريح، ثم توجه إلى عين التينة حيث التقى رئيس المجلس النيابي نبيه بري وغادر أيضاً دون الإدلاء بأي تصريح.

رئيس الحكومة اللبناني المكلف سعد الحريري استبق زيارة وزير الخارجية الفرنسي بدراسة الاعتذار عن مهمة تشكيل الحكومة التي مضى على تكليفه إياها أكثر من 6 أشهر، وذلك بعد خلافات حادة مع الرئيس ميشال عون، إضافة إلى رفضه لقاء جبران باسيل.

الانزعاج الفرنسي من الحريري بدأ عندما رفض الأخير لقاء باسيل، المدعوم فرنسياً، لمّا كانت دوائر الإليزيه تحضر للقاء سابق بينهما، وهو ما كشف عن فتور في العلاقة بين باريس والحريري.

فالحريري يريد من فرنسا، التي تدعم جبران باسيل وحزبه، الضغط عليه للتخلي عن الثلث المعطل وعن تمسكه بتسمية الوزراء المسيحيين جميعاً، وهو ما سبب انزعاجاً لدى فرنسا، فقد بدا كأنه لا يريد مراعاة الفرنسيين والتنازل لهم لعقد اللقاء.

وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان يلتقي رئيس مجلس النواب اللبناني في عين التينة (AFP)

ردّ الحريري على التصريحات الفرنسية بأنه قدّم كل التنازلات والتسهيلات المطلوبة لتشكيل الحكومة، ولا يمكن لفرنسا أن تتعاطى وفق سياسة "كلن يعني كلن"، حسب وصفه، وتحميل المسؤولية للجميع، لأنها لا تريد أن تتخذ موقفاً واضحاً تحدد فيه المعرقلين.

دولة وصيّة لا صديقة

ظاهر التصريحات الفرنسية تجاه لبنان ينمّ عن حرص على الاستقرار ودعم لن يتوقف، وباطنها إملاءات لا تقبل الرفض، وإلا فالعقوبات هي الحل، وهو خطاب دولة وصيّة لا صديقة كما تدعي فرنسا.

ففرنسا، التي استعمرت لبنان أكثر من عقدين، اتخذت من انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/آب، مطيّة لها للعودة إلى المشهد في الشرق الأوسط، ولكن من بوابة لبنان هذه المرة، خصوصاً أن باريس باتت تشعر بسعي بعض السياسيين اللبنانيين إلى سحب البساط من تحت أقدامها وهي تحاول العودة إلى المنطقة بقوة.

وتعتبر فرنسا نفسها الممثل الأوروبي في الشرق الأوسط المزاحم للدور الأمريكي والروسي الكبير، وتقول إن الوضع في لبنان مسألة أوروبية وإقليمية، وهو ما تظهره تصريحات لودريان التي أعلنها عشية زيارته بيروت، فقد قال إنّ "الوضع في لبنان إنما هو قضية إقليمية، وقضية متوسطية، ومسألة أوروبية".

وتابع لودريان: "لقد بدأنا مناقشات مع شركائنا الأوروبيين حول الأدوات المتاحة لنا لزيادة الضغط على اللاعبين في النظام السياسي الذين يعرقلون مخرجاً من الأزمة".

خيبة أمل جديدة؟

تعرضت المبادرة الفرنسية لخيبات متلاحقة منذ أعلنها الرئيس ماكرون، خصوصاً مع تغافل الطبقة السياسية في لبنان عنها، وهو ما شكّل استفزازاً لباريس.

لذلك يرى متابعون أنّ زيارة لودريان جاءت لمنح المسؤولين اللبنانيين "فرصة أخيرة"، فإما أن يرجع بجواب إيجابي يتمخض عنه تشكيل حكومة بأسرع وقت ممكن، وإما أن تُضطر باريس إلى الانتقال إلى خطة العقوبات التي عدّها البعض "الطلقة الأخيرة" في جعبة فرنسا.

لكن على فرض تنفيذ هذه العقوبات، فإن المتضرر الأكبر منها هو المبادرة الفرنسيّة نفسها والجهود المبذولة منذ ما يقارب السنة، خصوصاً أنّ الرهان على نجاح العقوبات في ما عجزت عنه الدبلوماسية يبدو بعيد المنال.

وإذا ما فشلت المبادرة، فإن ذلك سيرجع الأزمة اللبنانية إلى نقطة الصفر، وسيجعل المبادرة الفرنسية في مهبّ الريح، مما يعني أن المساعي الفرنسية في المنطقة قد مُنيت بخيبة أمل جديدة.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً