البرهان يقول إن: القوات المرابطة داخل الحدود السودانية أكدت التزامها بالدفاع عن أرض البلاد ومكتسبات شعبها (AA)

تزداد حدّة التوتر في المناطق الحدودية الإثيوبية السودانية بشكل متواصل، مخلفة ضحايا عدّة، إضافة إلى رفع مستوى التأهب العسكري ما يجعل من فرضية اندلاع حرب باتت وشيكة بين الطرفين غير مستبعدة.

ويأتي ذلك وسط فشل مفاوضات سد النهضة الإثيوبي، وطلب الخرطوم تدخل الاتحاد الإفريقي في الأزمة عقب عدم توصلها إلى تفاهمات مع أديس أبابا التي يبدو أنها ماضية في مشروعها رغم اعتراض جارتيها مصر والسودان، إلى جانب فشل مفاوضات جرت بين البلدين طيلة الأيام الماضية لتشجيع المزارعين الإثيوبيين على الانسحاب من منطقة الفشقة السودانية الحدودية، التي يزرعون فيها الأراضي منذ سنوات.

تصعيد إثيوبي

وازدادت حدّة التوتر، واتضحت النّية الإثيوبية بشكل رسمي من التصعيد على الحدود إثر تصريحات أدلى بها السفير الإثيوبي لدى السودان بيتال أميرو، الأربعاء، اتهم من خلالها الجيش السوداني بالاستيلاء على 9 معسكرات داخل الأراضي الإثيوبية خلال الشهرين الأخيرين.

وأضاف: "ينبغي إيقاف هجوم الجيش السوداني على إثيوبيا لإيجاد حل بالوسائل السلمية"، مشيراً إلى أن "اللجنة الخاصة بترسيم الحدود بين السودان وإثيوبيا عام 1972 لم ترفع تقاريرها حول حل مشكلة الزراعة والاستيطان، كما أن المزارعين الإثيوبيين لا يمكن إزاحتهم من هذه المنطقة".

وفي ظل التوتر، زار وفد سوداني رفيع المستوى العاصمة المصرية القاهرة لبحث أزمة الحدود مع إثيوبيا هناك، وهو ما يشير ربما إلى اتساع رقعة الصراع وتأثيره على دول المنطقة.

وفد سوداني بمصر.. هل يطال الانفجار القاهرة؟

ويرى الباحث السياسي طلال إسماعيل أن "أي محاولة من قبل إثيوبيا لفتح ملف الحدود سيؤدي بما لا يدع مجالاً للشك إلى اندلاع مشاكل كبيرة يمتد أثرها إلى دولة جنوب السودان، وربما دول الجوار أيضاً".

ويضيف لـTRT عربي "إذا فتح ملف الحدود فإن ذلك سيؤدي إلى انفجار كبير بالمنطقة كلها".

ولعل ما يقوله الباحث، يفسر الزيارة التي يجريها الوفد السوداني إلى مصر في ظل اتساع رقعة التوتر، خاصة في ظل التوتر المصري الإثيوبي المتعلق بسد النهضة والذي ارتقى إلى التهديد المتبادل بين الطرفين، إذ تخشى مصر من اندلاع جولة صراع آخر مع إثيوبيا بالمنطقة يمتد إليها في ظل أجواء مشحونة تنذر باندلاع صراعات واسعة النطاق.

ويشير الباحث إلى أن "احتمال اندلاع حرب بات قائماً في ظل التوتر الجاري، وذلك على الرغم من شعارات التهدئة التي بدأت تبرز مؤخراً من قبل الطرفين"، لكنه يلفت أيضاً إلى أن "جولة المحادثات المقبلة بين السودان وإثيوبيا لن تصل إلى أي اتفاق خاصة في ظل تنصل إثيوبيا من الاعتراف باتفاقيات ترسيم الحدود بين البلدين والتي تمّت عام 1902".

التوتر بين إثيوبيا والسودان، في منطقة القضارف الحدودية وبخاصة منطقة الفشقة ارتفعت وتيرته عقب هجوم مسلح استهدف قوة للجيش السوداني في جبل "طورية" منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي.

ونفذت القوات السودانية بعملية عسكرية استعادت من خلالها المنطقة بعد أكثر من 25 عاماً على احتلالها من قبل الجانب الإثيوبي.

ومن حين إلى آخر تشن مليشيات تابعة لعرق الأمهرة الإثيوبي والمدعومة من القوات النظامية هجمات على مواقع وقوات سودانية، كما قتلت عدداً من المواطنين في هجوم مسلح الشهر الماضي.

تصعيد عسكري

ويوم الأربعاء الماضي، تحطمت مروحية عسكرية سودانية محملة بالأسلحة والذخيرة، بعد وقت قصير من إقلاعها من مطار في إقليم على الحدود مع إثيوبيا.

وقال مسؤولون سودانيون إن مروحية مقاتلة من طراز أباتشي انفجرت بعد تحطمها في مطار ود زايد ببلدة الشواك بمحافظة القضارف لكن طاقمها المكون من ثلاثة أفراد نجوا من الحادث.

ونشر الجيش السوداني خلال الشهرين الماضيين قوات في المناطق الحدودية مع إثيوبيا، مشيراً إلى أنه استعاد الأراضي التي سيطر عليها المزارعون الإثيوبيون والمليشيات لسنوات عديدة.

والأربعاء أيضاَ، أعلنت الخارجية السودانية، اختراق طائرة عسكرية إثيوبية لحدود بلادها، ووصفت الأمر بأنه "تصعيد سيتسبب في مزيد من التوتر".

على إثر ذلك أكد رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان عبد الفتاح البرهان قدرة جيش بلاده على حماية الأرض.

وزار البرهان الذي يشغل منصب القائد العام للقوات المسلحة ولاية القضارف المتاخمة للحدود مع إثيوبيا، وقال إن "الجيش سيظل سنداً للشعب، والقوات المرابطة داخل الحدود السودانية أكدت التزامها بالدفاع عن أرض البلاد ومكتسبات شعبها".

الأرض لمن؟

يشير طلال إسماعيل إلى أن أديس أبابا تستند بادعاءاتها حول الحدود بأن السودان كان مجرد مستعمرة بريطانية عندما تم ترسيمها، "لكن السودان لديه ما يثبت أن الأراضي سودانية".

ويؤكد بأن السودان تحرك نحو بعض المناطق لأنه "يدرك بأنها أراضيه وليست لإثيوبيا، ولديه ما يثبت ذلك".

أديس أبابا من جانبها حذّرت مؤخراً على لسان وزارة الخارجية من أنه "ما لم يتوقف السودان عن التوسع في الأراضي الإثيوبية، فإن أديس أبابا ستضطر إلى إطلاق هجوم مضاد".

أزمات إثيوبية

يقول الدبلوماسي السابق والخبير في العلاقات الدولية والإقليمية خالد موسى دفع الله إن "تصريحات الخارجية الإثيوبية هذه تعد رسالة إلى الداخل لتحقيق أهداف من ضمنها توحيد الجبهة الداخلية في ظل حرب تيغراي وكذلك القضاء على التململ السياسي الداخلي في بعض الأقاليم، إذ تريد الدعوة إلى الوحدة مقابل عدو خارجي مفترض".

ويضيف لـTRT عربي: "هناك إرادة إثيوبية كما يبدو لجعل قضية الحدود قضية نزاع، وهذا يتجافى مع الحقائق التاريخية لأن الطرفين اتفقا على أن تكون تلك الحدود مرنة يحتفظ السودان بالسيادة القانونية عليها، وأن يمنح فرصة للمزارعين الإثيوبيين للاستفادة من الأراضي في منطقة الفشقة".

ويرى أن التصريحات الإثيوبية حول التهديد ليست إلا "عبارة عن ردود فعل للأزمة السياسية الخانقة في إثيوبيا نفسها".

ويستبعد دفع الله نشوب حرب بين الجارتين بسبب الحدود "خلال المئة سنة الماضية لم يتسبب أي نزاع حدودي بين السودان وإثيوبيا في إشعال الحرب، لذلك الحل العسكري مستبعد ولم يكن مطروحاً، والتوقعات تشير إلى إمكانية الحل السياسي".

ويقول إنه "جرى الاتفاق على ترسيم الحدود بين السودان وإثيوبيا عام 1902، لكن إثيوبيا تحاول التملص من هذا الاتفاق، ثم جرى الاتفاق مجدداً عام 2008 على أن تبقى السيادة للسودان مقابل السماح للمزارعين الإثيوبيين بدخولها، لكن حكومة آبي أحمد تحاول الآن مرّة أخرى التخلص من هذا الاتفاق".

جهود دبلوماسية.. هل تمنع الحرب؟

بدوره، يقول رئيس تحرير صحيفة "الجريدة" السودانية أشرف عبد العزيز إن "التوتر حول الحدود بلغ أشده عقب تصريحات السفير الإثيوبي في الخرطوم إضافة إلى الطلعات الجوية التي تجريها إثيوبيا في المناطق الحدودية".

ويشير في حديث لـTRT عربي إلى أن "التحشيد العسكري في المناطق الحدودية بات واضحاً خاصة من قبل مليشيات الأمهرة التي يدعمها الجيش النظامي الإثيوبي".

لكن عبد العزيز يرى أيضاً أوضح أن "هناك جهوداً دبلوماسية تبذل في هذه الأثناء لمنع وقوع حرب بين البلدين".

ويوضح أن "إثيوبيا والسودان حتى الآن لم يجتهدا لأن تصل القضية للاتحاد الإفريقي، خاصة وأن السودان يعتبر أنه يسترد أرضاً له احتلتها مليشيات إثيوبية عام 1995".

ويقول إن "السودان تحرك بسبب المخاوف الأمنية في تلك المناطق خاصة في ظل حرب تيغراي واستمرار تدفق اللاجئين من إثيوبيا، إذ تحولت المنطقة إلى منطقة موبوءة بالاتجار بالبشر والسلاح والهجرة غير الشرعية، لذلك كان لا بد من عملية لاسترداد هذه الأراضي التابعة للسودان بالأساس".

وحول علاقة النزاع بسد النهضة، يشير عبد العزيز إلى أنه لا علاقة جدية بين النزاعين وأن ما يجري حالياً لا تأثير له على مفاوضات سد النهضة "السودان أحال قضية سد النهضة إلى الاتحاد الإفريقي في ظل فشل التوصل إلى تفاهمات مع إثيوبيا".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً