قبل أن يتوقف قرع طبول الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي كانت جبهة أخرى قد بدأت بالتوتر على الحدود الإثيوبية السودانية على خلفية الصراع المزمن على مثلث الفشقة (Reuters)

مع ارتفاع حدة النزاع السوداني الإثيوبي كان من اللافت مطالبة الولايات المتحدة للقوات الإرترية بالانسحاب من إقليم تيغراي الإثيوبي الأسبوع الماضي.

ولم يساهم الصمت الرسمي الإرتري عن الرد على المطالبة الأمريكية إلا في طرح العديد من التساؤلات حول الدور الإرتري في الحرب الإثيوبية وانعكاساته الإقليمية.

أسمرة وخريطة تحالفات جديدة

قبل أن يتوقف قرع طبول الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي كانت جبهة أخرى قد بدأت بالتوتر على الحدود الإثيوبية السودانية على خلفية الصراع المزمن على مثلث الفشقة.

وبين 5 و29 ديسمبر/كانون الأول الماضي خاضت القوات المسلحة السودانية عملية عسكرية في منطقة الفشقة المحاددة لإثيوبيا، وتمكنت من استعادتها بعد 25 عاماً من هيمنة الجانب الإثيوبي عليها.

ورغم التأكيدات الإثيوبية لسلمية الحل بين أديس أبابا والخرطوم فإن الحشود العسكرية على طرفي الحدود تفصح عن أشياء أخرى حول طبيعة السيناريوهات المتوقعة.

حيث نقلت بلومبيرغ في 28 يناير/كانون الثاني المنصرم عن دبلوماسيين غربيين قولهما إن الجيش الإثيوبي نشر مؤخراً أسلحة ثقيلة بينها دبابات وبطاريات مضادة للطائرات في المنطقة الحدودية، في حين أكد نائب رئيس هيئة الأركان السودانية الفريق ركن عبد الله البشير في اليوم التالي أنه "لن يكون هناك ترسيم آخر للحدود فهي معروفة لكل الجيران، والجيش لن يفرط في أراضي السودان وسننال كل شبر من أراضينا".

هذه الحشود طرحت تساؤلات حول قدرة الجيش الإثيوبي الفيدرالي على فتح جبهة عسكرية مع السودان لجهة الاطمئنان التام إلى استتباب الأوضاع في إقليم تيغراي، مع استمرار إغلاق مناطق واسعة من الإقليم أمام وسائل الإعلام ما يراه مراقبون مؤشراً على عدم إحكام قبضة القوات الجيش عليها.

ويبدو أن الإجابة ترتبط بتحالفات أديس أبابا الإقليمية، حيث يرى الدبلوماسي الإرتري السابق فتحي عثمان أن آبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي يستطيع الاعتماد على الجيش الإرتري في السيطرة على مناطق الخطر المحتمل في تيغراي، بينما يكون الجيش الإثيوبي منشغلاً بأي اشتباك مع الجيش السوداني.

وتحدثت العديد من التقارير عن انتشار الجيش الإرتري في إقليم تيغراي وعن الدور الرئيسي الذي لعبه بجانب كل من الجيش الإثيوبي ومليشيات إقليم الأمهرة في اتخاذ الحرب المنحى الذي سارت فيه، وفي السيطرة على الإقليم بعد إعلان أديس أبابا انتهاء العمليات العسكرية فيه.

يرى مراقبون أنه لا يمكن الفصل بين جملة ملفات متشابكة تضم الحرب في إقليم تيغراي والخلاف الحدودي والانسداد في ملف التفاوض على سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا، بالاستناد إلى التأكيد الإثيوبي على وجود طرف ثالث مستفيد من النزاع بين الخرطوم وأديس أبابا، فيما يُفسر على أنه إشارة إلى القاهرة.

وبالنظر إلى التحالف الإثيوبي الإرتري في ملف تيغراي فيمكن القول إن العلاقات المصرية الإرترية تمر بامتحان عسير في ظل التقارب المصري السوداني الملحوظ وتأثير ذلك المحتمل على الأوضاع داخل إثيوبيا، ولا سيما مع توارد أنباء عن اقتراب موعد حملة عسكرية للسيطرة النهائية على إقليم تيغراي.

هذه الأحداث المتتابعة منذ بدء الحملة العسكرية على الإقليم مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الماضي تشي بتشكل خرائط جديدة لتحالفات مستقرة منذ قرابة عقدين في المنطقة، حيث يزداد التباعد بين أديس أبابا والخرطوم، وتحيط التساؤلات بمستقبل العلاقات السودانية الإرترية من جهة والإرترية المصرية من جهة أخرى.

وعلى إثر الحرب الحدودية (1998-2000) بين إرتريا وإثيوبيا أقرت لجنة تحكيم دولية بتبعية أراض تحتلها إثيوبيا لإرتريا، وهو حكم لم تمتثل أديس أبابا في عهد حكم التيغراي لتنفيذه، وظل سبباً للعداء المستمر بين الطرفين طيلة عقدين من الزمن.

الجيش الإرتري ينتشر في تيغراي

يكاد يجمع المراقبون على أن الدور الإرتري كان محورياً سواء في الاستعدادت للحرب أو في مجرياتها، من خلال التحالف بين الرئيس الإرتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، حيث تناغم الخطاب السياسي للطرفين في الهجوم المستمر على الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وإرثها في إدارة إثيوبيا المتمثل بشكل رئيسي في الفيدرالية العرقية.

ومنذ الأيام الأولى للحرب تحدثت تقارير إعلامية عن مشاركة إرترية في القتال إلى جانب الطرف الإثيوبي نقلاً عن اللاجئين الذين فروا إلى السودان.

ورغم النفي الإثيوبي الرسمي لمشاركة قوى أجنبية في المعركة فقد صرح رئيس الوزراء الإثيوبي نفسه في برلمان بلاده، في 30 نوفمبر/تشرين الثاني، أن الجنود الإثيوبيين الذين فروا بعد هجوم جبهة التيغراي على مقرات عسكرية رسمية، في بداية الحرب، التجؤوا إلى الجارة إرتريا حيث تم إعادة تجميعهم وتسليحهم وإرسالهم إلى المعركة من جديد.

غير أن أوضح التصريحات أتت من قائد القيادة الشمالية في الجيش الإثيوبي الجنرال بيلاي سيوم في 6 يناير/كانون الثاني المنصرم الذي كشف مشاركة القوات الإرترية في الصراع داخل بلاده، وهو ما يعد تأكيداً لما ذكره أتاكلتي هايلسيلاسي، عمدة مدينة مقلي المؤقت، من وجود ومشاركة القوات الإريترية في الصراع المسلح في تيغراي في 4 من الشهر نفسه.

وفي 27 يناير/كانون الثاني أرسل 4 سفراء أمريكيين سابقين في أديس أبابا رسالة مفتوحة إلى ريس الوزراء الإثيوبي، كان ممّا جاء فيها المخاوف المنبثقة عن التقارير حول المشاركة العسكرية الإرترية في تيغراي، وفي رد رسمي نادر في سياق هذه الأزمة هاجم بيان صادر عن السفارة الإرترية في واشنطن الرسالة، لكن اللافت للنظر أنه لم ينف المشاركة العسكرية الإرترية في سياق الحرب.

تزامنت الرسالة مع مطالبة للخارجية الأمريكية بالانسحاب الفوري للقوات الإرترية من تيغراي وردت في رسالة إلكترونية من المتحدث باسم خارجية بلاده إلى أسوشيتيد برس، مشيراً إلى "تقارير موثوقة عن أعمال نهب وعنف جنسي واعتداءات في مخيمات اللاجئين وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان"، مضيفاً أن "هناك أيضاً أدلة على قيام جنود إريتريين بإعادة اللاجئين الإريتريين قسراً من تيغراي إلى إريتريا".

وبخلاف نفي رسمي إرتري للمشاركة في الأيام الأولى للحرب فقد التزمت أسمرة الصمت حيال التعليق على الموضوع حتى بعد القصف المتكرر الذي تعرضت له من قبل الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي.

أفورقي والطموح القديم المتجدد

بانضمام أسمرة إلى أديس أبابا في تحالف الحرب في تيغراي كانت أكبر الرابحين حيث بدأت في التحول إلى لاعب رئيسي على المستوى الإقليمي، وهو طموح قديم متجدد للرئيس الإرتري أسياس أفورقي.

فالعملية العسكرية التي يراهن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بمستقبله السياسي عليها تمت بمثلث يتألف من الجيش الإثيوبي الفيدرالي والحليفين أسمرة والمليشيات الأمهرية، ممّا منح الأخيرين نفوذاً هاماً على أحمد، تترجمه الضغوط الأمهربة على رئيس الوزراء في ملف الفشقة التي يرى القوميون الأمهرة أنها تتبع تاريخياً لإقليمهم.

وهذا ممّا يضيق مساحة المناورة أمام أحمد، ويزيد من اضطراره إلى الاعتماد على ضلع المثلث الإرتري في حال بلوغ التوتر مع السودان مداه باشتباكات عسكرية بين الطرفين من جهة، ومن جهة أخرى يزيد من تأثير أسمرة الراغبة في تصفية الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في رفض مسارات الحل والتفاوض التي يطالب العديد من الأطراف الدولية أديس أبابا بسلوكها.

ولئن مثّل السودان الممر الخلفي الذي اعتمدت عليه الجبهة المذكورة للحصول على إمداداتها اللوجستية في حربها مع نظام الدرق الحاكم في إثيوبيا (1975-1991)، وهو ما تخشى أديس أبابا من انفتاحه مرة أخرى، فإن أسمرة الآن باتت عاملاً رئيسياً في تحديد قرار الحرب والسلم ليس داخل إثيوبيا فحسب بل وفي حدودها مع السودان كذلك.

وهكذا يمكن تفسير المطالبة الأمريكية الأخيرة بانسحاب الجيش الإرتري في إطار مقاربة جديدة للإدارة الديمقراطية التي أعلنت بعد أسبوع فقط من تولي زمام الأمور في البيت الأبيض ممارستها ضغوطاً على إرتريا للانسحاب الفوري، وهو ما ينذر باحتمال إيقاع عقوبات على كل من أسمرة وأديس أبابا في حال عدم الاستجابة، ويساهم بشكل غير مباشر في نزع فتيل الحرب الإثيوبية السودانية المحتملة.

TRT عربي
الأكثر تداولاً