الفريق عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني (AP)

أيام عصيبة تشهدها الحدود السودانية الإثيوبية بتحشيد عسكري غير مسبوق على ضفتيها بعد بسط الجيش السوداني سيطرته على منطقة الفشقة وطرد المليشيات الأمهرية منها.

وبين 5 و29 ديسمبر/كانون الأول الماضي خاضت القوات المسلحة السودانية عملية عسكرية في منطقة الفشقة المحاددة لإثيوبيا، وتمكنت من استعادتها بعد 25 عاماً من هيمنة الجانب الإثيوبي عليها.

ولم يكن الكمين الذي تعرضت له القوات السودانية من المليشيات الأمهرية في 16 ديسمبر/كانون الأول الاحتكاك الوحيد من نوعه في المنطقة، حيث شهدت الأشهر الأخيرة اشتباكات بين الطرفين كان
أبرزها ما جرى في 28 مايو/أيار الماضي، والذي أدى إلى مقتل نقيب سوداني وجرح عدد من العسكريين والمدنيين.

الحدود السودانية الإثيوبية مرآة العلاقة بين البلدين

لطالما اتسمت العلاقات السودانية الإثيوبية بموجات من المد والجزر تحركها ملفات داخلية وخارجية متعلقة بالأنظمة الحاكمة في البلدين، وفي هذا الإطار يدخل المأزق المزمن حول الحدود ولا سيما منطقة الفشقة.

وتعود أولى الاتفاقات لترسيم الحدود إلى عام 1902 حيث وقعت بريطانيا المستعمرة لمصر والسودان مع إمبراطور الحبشة منيليك الثاني، حيث تم بموجبها ترسيم الحدود الشرقية للسودان مع إثيوبيا، وهو ما ترسخ بتوقيع اتفاقية 1972 بين السودان المستقل برئاسة جعفر النميري والإمبراطور الإثيوبي هيلاسلاسي.

وفي أعقاب محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك 1993 في أديس أبابا والتي اتهم بها نظام الإنقاذ السوداني، قامت إثيوبيا ببسط سيطرتها على منطقة الفشقة، وتجدد الخلاف ثانية عام 2014 وبعد عامين تم الإعلان عن عملية لترسيم 725 كم من الحدود بواسطة لجنة فنية معنية تحت مظلة تعاون ثنائي مشترك من السودان وإثيوبيا كما اعترفت إثيوبيا بسودانية منطقة الفشقة.

وممّا زاد ملف الحدود تعقيداً ارتباطه بالصراعات بين البلدين، فقد أدى دعم الحكومة السودانية لفصائل الثورة الإرترية المحاربة لإثيوبيا أواخر ستينيات القرن الماضي إلى تبني أديس أبابا التمرد الجنوب السوداني على الخرطوم مما انعكس على وجودها في المناطق الحدودية، كما أن تطبيع العلاقة بين حكومة الإنقاذ وأديس أبابا 1998 أدى إلى غض نظر الحكومة السودانية عن الوجود الإثيوبي في الفشقة مقابل إيقاف أديس أبابا دعمها لجهات معارضة سودانية.

التطورات الأخيرة بين ملفات الداخل والخارج

ألقت الأوضاع الداخلية في البلدين بظلالها على ملف الحدود، حيث شهدت إثيوبيا حرباً بين الحكومة المركزية والجبهة الشعبية الحاكمة في إقليم تيغراي بين نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول، وكان يبدو أن هناك حالة من التوتر المكتوم بين الطرفين إزاء هذا الملف، حيث استقبل السودان، على غير رغبة أديس أبابا، اللاجئين الفارين من الحرب في تيغراي.

وشكلت الأزمة الإنسانية الناتجة عن ذلك ضغطاً سياسياً وإعلامياً على آبي أحمد، الذي أعلن أنه قادر على إعادة استقبال اللاجئين، كما تم لاحقاً نشر قوات إثيوبية على الحدود لقطع الطريق على الفارين.

في المقابل اتهم آبي أحمد في 30 نوفمبر/تشرين الثاني الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بتحريض السودانيين على استرجاع الأراضي "المتنازع عليها"، كما اتهمت لجنة تحقيق إثيوبية في 12 ديسمبر/كانون الأول lأفراد الأمن السودانيين بارتكاب هجمات على المدنيين بعد تلقي رشى من أعضاء الجبهة الشعبية لتحرير يتغراي.

ويندرج في التعقيدات التي تكتنف ملف الفشقة الصعود البارز للتيار القومي الأمهري في إثيوبيا، الذي يعتبر الحليف الرئيسي لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في المرحلة الحالية، حيث كان من اللافت المشاركة العسكرية لقوات الإقليم في حرب تيغراي، كما أن أحمد عهد بمناصب سياسية وأمنية حساسة لمجموعة من صقور الأمهرة.

وهذا التيار يؤمن بأن مجموعة من أراضي الدول المجاورة تعد من التراب الإثيوبي، وأن الفشقة جزء من أراضي الأمهرة التاريخية، ونفوذ هذا التيار وتحوله إلى أبرز حلفاء رئيس الوزراء الإثيوبي في مرحلة حرجة داخل بلاده، يطرح تساؤلات حول صاحب الكلمة النهائية والفاصلة في هذا الملف.

في حين يرى البعض أن التحرك العسكري السوداني الأخير قد يكون ناتجاً عن الظروف التي تمر بها الخرطوم، حيث تحركت القوات السودانية مع قرب إقرار الكونغرس الأمريكي مشروع قانون يدعم الانتقال الديمقراطي في السودان، ويشدد الرقابة على قوى الأمن والاستخبارات السودانية، ويتضمن تقييماً لإصلاحات القطاع الأمني في البلاد من قبل الحكومة السودانية، وتعزيز السيطرة المدنية على القوات العسكرية.

كما تذهب تحليلات إلى أن ذلك يندرج ضمن صراع مكونَي السلطة الانتقالية في السودان العسكري والمدني، ورغبة العسكريين الذين تربطهم علاقات وطيدة مع مصر في إحراج الحكومة السودانية
الأكثر قرباً من أديس أبابا، وهو ما لوحظ عقب اشتباكات مايو/أيار 2020، حيث هدد المتحدث العسكري الرسمي السوداني بإمكانية شن حرب شاملة إذا لم تنجح المساعي الدبلوماسية لحل الأزمة الحدودية، في حين كان رد الحكومة السودانية أكثر هدوءاً.

وأقرت القمة الاستثنائية لدول الهيئة الحكومية للتنمية الأفريقية "إيغاد" في جيبوتي 20 ديسمبر/كانون الأول استئناف اجتماعات لجنة ترسيم الحدود الإثيوبية السودانية، وهو ما تم بالفعل في الخرطوم بعد أيام وانتهى إلى الفشل.


سد النهضة والتفاوض من خلال فوهة البنادق
الانسداد المزمن في مفاوضات سد النهضة طرح التساؤلات إن كانت القاهرة والخرطوم ستلجآن إلى سبيل آخر غير جلسات التفاوض التي لا تسفر عن نتائج تهدئ مخاوف العاصمتين من الأضرار المحتملة عليهما من السد.
ويربط مراقبون التوترات الحدودية الأخيرة بين الخرطوم وأديس أبابا بفشل الأطراف في التوصل إلى صيغة مرضية تغلق هذا الملف، حيث رفض السودان المشاركة في جولة تفاوض كانت مقررة 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وأكد وزير الري السوداني في رسالة إلى نظيره الإثيوبي "أن الطريقة التي اتبعت في التفاوض خلال الجولات الماضية أثبتت أنها غير مجدية".

في حين عكست البيانات الصادرة عن الأطراف المعنية الثلاثة بعد اجتماع عقد برعاية الاتحاد الإفريقي في 3 يناير/كانون الثاني، استمرار أسباب الخلاف حول السد الذي تبنيه أديس أبابا على النيل الأزرق، قبل أن يعلن السودان تحفظه في اليوم التالي على المشاركة في الاجتماع بسبب تجاهل طلبه عقد اجتماع ثنائي مع الخبراء الأفارقة.

تزامن الرفض السوداني مع زيارة أجراها رئيس جهاز المخابرات المصرية اللواء عباس كامل إلى الخرطوم، حيث التقى خلالها رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان ونائب رئيس مجلس السيادة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ورئيس الحكومة الانتقالية عبد الله حمدوك والمدير العام لجهاز الاستخبارات العامة جمال عبد المجيد، وتناولت الزيارة ملفات التعاون الثنائي ومستجدات سد النهضة.

وفي سياق التشابك بين الملف الحدودي وملف سد النهضة يضع مراقبون التحرك العسكري السوداني الأخير باعتباره رسالة إلى أديس أبابا تضاف إلى المناورتين اللتين شارك فيهما الجيش السوداني "نسور النيل" مع الجيش المصري، و"سيف العرب" مع مجموعة من الجيوش في مصر المنافس الأبرز لإثيوبيا.
وكان الناطق الرسمي باسم الخارجية الإثيوبية السفير دينا مفتي أشار في 22 ديسمبر/كانون الأول إلى وجود طرف ثالث مستفيد من الصراع بين السودان وإثيوبيا، وهو ما كرره رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بعد يومين في رسالة بالعربية موجهة إلى الشعب السوداني، مشيراً إلى جهات لها مصلحة بإيقاع الشكوك والفرقة بين البلدين، دون تحديدها.

لماذا الفشقة؟

تقع الفشقة شرق السودان، ويحيطها نهرا عطبرة وسيتيت، كما تتمتع بهطولات مطرية كبيرة، وتتكون من ثلاث مناطق، وتتبع ولاية القضارف السودانية، وتزرع أراضيها ذات الخصوبة المرتفعة بمحاصيل ذات قيمة نقدية عالية، مثل السمسم والصمغ والحبوب الزيتية، وهو
ممَّا يغري جيرانها على الطرف الإثيوبي من الحدود بالاستفادة منها.

ويجاور الفشقة من الطرف الإثيوبي أقاليم منها تيغراي والأمهرة، ورغم الاعتراف الرسمي الإثيوبي بسودانيتها يعتقد أبناء قومية الأمهرة أن هذه الأراضي تتبع لهم تاريخياً، وهو ما أدى إلى تسللهم إليها منذ منتصف القرن الماضي، حيث يبرز مع كل موسم خريف دور العصابات الإثيوبية المعروفة بالشفتا في الاستيلاء على الأراضي وطرد المزارعين السودانيين بالقوة، ما يؤدي إلى سقوط قتلى في صفوف الأخيرين بشكل متكرر.

ووفقاً لوكالة الأنباء السودانية فإن المساحة التي جرى استغلالها من قبل الإثيوبيين تصل إلى عمق يتراوح بين 15 و25 كيلومتراً على طول الفشقة الصغرى والكبرى، وبمساحة تتجاوز مليون فدان.

التعقيدات المرتبطة بتشابك القضايا الداخلية والخارجية للبلدين تلقي بظلال كثيفة على المنطقة الحدودية التي تُسمع فيها بوضوح دقات طبول حرب جديدة لن ينجو الإقليم من تداعياتها، و لن يوقفها إلا توافق الأطراف المعنية بتفكيك الملفات العالقة بينها، ولا سيما ما يتعلق بترسيم الحدود وتطورات ملف سد النهضة.

TRT عربي
الأكثر تداولاً