لا تزال دولة الإمارات العربية المتحدة تشكل بوتيرة متزايدة وجهة مغرية للساسة الفاسدين والأفراد الخاضعين لعقوبات أو المطاردين بقضايا تتعلق بنهب الأموال في دولهم، ويسعون في الوقت ذاته لإيجاد ملاذ لهم واستثمار تلك الأموال المنهوبة.

ملك إسبانيا السابق كان آخر الهاربين إلى أبو ظبي
ملك إسبانيا السابق كان آخر الهاربين إلى أبو ظبي (Getty Images)

لا تزال دولة الإمارات العربية المتحدة تشكل بوتيرة متزايدة وجهة مغرية للساسة الفاسدين والأفراد الخاضعين لعقوبات أو المطاردين بقضايا تتعلق بنهب الأموال في دولهم، ويسعون في الوقت ذاته لإيجاد ملاذ لهم واستثمار تلك الأموال المنهوبة.

آخر أولائك الفارين كان ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس الذي وصل إلى أبو ظبي على طائرة خاصة، بعد أن حامت حوله شبهات وتهم فساد.

صحيفة (إيه.بي.سي) الإسبانية قالت إن الطائرة كانت في طريقها من باريس إلى أبو ظبي وتوقفت في مدينة بيجو بشمال غرب إسبانيا لنقل خوان كارلوس وأربعة من حراس الأمن وشخص آخر.

وعلى الرغم من أن خوان كارلوس لعب دوراً مهماً في انتقال الديمقراطية في إسبانيا نهاية الحكم الفاشي، فقد هوت شعبيته إلى الحضيض في الشهور الأخيرة، بعد تورطه في فضيحة تتعلق بمدفوعات غير قانونية من اتحاد شركات إسبانية من أجل تشييد خط قطار سريع في السعودية، بالإضافة إلى فتح تحقيقات في الداخل والخارج بشأن قضايا فساد تتعلق به.

تمتع خوان كارلوس (82 عاماً) بالحصانة من الملاحقة القضائية طيلة أربعة عقود، إذ تولى السلطة في إسبانيا من نوفمبر/تشرين الثاني 1975، إلى أن تنازل عن العرش لابنه فيليبي في يونيو/حزيران 2014.

لكنه استطاع منذ ذلك الحين الاحتفاظ بلقب الملك، وكان يتقاضى راتباً سنوياً قدره 198 ألفاً و845 يورو.

بيئة للفاسدين

الإمارات عملت خلال سنوات على استقطاب الفارين من العدالة والمتهمين بقضايا فساد، وهو ما أكدته منظمة الشفافية الدولية ببرلين في مايو/أيار الماضي، عندما اعتبرت دولة الإمارات جزءاً من منظومة عالمية لغسل الأموال، بحيث يستطيع الفاسدون والمجرمون شراء عقارات فخمة من دون أي قيود، ما يؤكد ارتباطها بفضائح فساد كبرى عابرة للحدود، حسب المنظمة.

وأشارت المنظمة إلى أن السلطات في الإمارات لا تتعاون مع الشركاء الدوليين، ما يجعلها مركز جذب وملاذاً آمناً للمجرمين، وأنها لاتزال تسلك ما وصفه التقرير بـ"نهج فوضوي" في تسجيل الشركات، ما يصعّب الوصول إلى من يقف وراء الشركات الوهمية بها.

ويأتي هذا التقرير عقب تقرير مشابه نشر نهاية أبريل/نيسان الماضي، لمجموعة العمل المالي في باريس (فاتف) يؤكد أن الهيئة العالمية المعنية بمراقبة الأموال غير القانونية، ستضع الإمارات تحت المراقبة لمدة عام، وأوضح أنه في حال أخفقت الإمارات في إدخال تحسينات على آلية مكافحة غسل الأموال، فقد تجد نفسها إلى جانب دول مثل سوريا واليمن وباكستان، التي تعاني من "مواطن قصور استراتيجية".

وعلى الرغم من الانزعاج الدولي من سياسة الإمارات في التعامل المشبوه مع الأموال المهربة بواسطة الساسة المطاردين ورجال الأعمال الفاسدين، لا تزال أنباء عن لجوء ساسة جدد بأموالهم إلى الإمارات كان آخرهم ملك إسبانيا خوان كارلوس.

الإمارات ملاذ لـ"الفاسدين"

لا يعد الملك خوان كارلوس الشخصية الأولى التي استنجدت بالإمارات لإنقاذ نفسها من الملاحقات القانونية، بل سبقته عدة شخصيات عربية وأجنبية، استغلت أبو ظبي فيما بعد نفوذهم الاقتصادي والسياسي للعب دور في بلدانهم والتأثير على المسار السياسي فيها.

فمنذ اندلاع الثورة السورية في 2011، وعلى الرغم من المجازر التي ارتكبها نظام الأسد بحق الشعب السوري، انحازت الإمارات إلى عائلة نظام الأسد، ثم تلاها اختيار أفراد من عائلته الإمارات كملجأ لهم.

كان من أبرز رموز العائلة بشرى الأسد شقيقة بشار الأسد، التي أقامت في مدينة دبي عقب اغتيال زوجها آصف شوكت في منتصف عام 2012، وكان ركناً رئيسياً من أركان النظام السوري.

بالإضافة إلى إقامة محمد مخلوف في دبي أيضاً، وهو نجل رامي مخلوف ابن خالة بشار الأسد، الأمر الذي استدعى بالضرورة وجود استثمارات هائلة للعائلة في الإمارات مقابل تضييق الخناق على السوريين المؤيدين للثورة، بل وتعمد ترحيل نشطائهم ومعارضيهم على خلفية موقفهم المعارض للنظام.

ملاذ لعائلة علي عبد الله صالح

وعلى عكس سياسة السعودية، أبقت أبو ظبي على علاقاتها الجيدة مع عدد من رموز نظام الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح، بعد اندلاع الثورة اليمنية عام 2011، وكان من أبرزهم نجله أحمد علي عبد الله صالح الذي كان يعمل سفيراً لليمن في الإمارات.

اعتبرت الإمارات المركز المالي الاقتصادي الأول لعائلة صالح، فالعائلة تمتلك عدة أبراج في مدينة دبي، بالإضافة إلى الكثير من الأموال التي حُوِّلت بعد عام 2011 إلى بنوك دبي، إذ هُرِّبت تلك المبالغ على متن الخطوط الجوية اليمنية إلى دبي، حسب تقارير إعلامية.

وبينما كانت الإمارات تشارك التحالف القتال باليمن، كان نجل صالح مستمراً في توسيع استثمارات أسرته في الإمارات مستفيداً من التسهيلات التي منحها النظام المصرفي له بتوجيه من حكام البلاد.

فساد ممتد إلى ماليزيا

تحدثت تقارير دولية أن نجيب رزق رئيس الوزراء الماليزي السابق طلب المساعدة من ولي عهد الإمارات محمد بن زايد آل نهيان، بهدف تزوير أدلة تتعلق بمليارات الدولارات في فضيحة "شركة ماليزيا واحدة للتنمية" (1MDB).

وعلى الرغم من أن تلك التقارير اعتمدت على مقاطع صوتية كشف عنها مسؤولون ماليزيون في مكافحة الفساد، نفى نجيب رزق هذه الاتهامات، فيما لم يعلق المجلس الوطني الإعلامي التابع للقصر الحاكم في الإمارات عليها عندما طلب منه التعليق.

من جانبها منحت لجنة مكافحة الفساد الماليزية (MACC) تسعة مقاطع صوتية لوسائل الإعلام، منها محادثات هاتفية تعود لعام 2016، وتعتقد أنها مرتبطة بفضيحة الصندوق السيادي المعروف باسم "شركة ماليزيا واحدة للتنمية" (1MDB).

ويقال أن في أحد التسجيلات، طلب نجيب رزق من ولي العهد المساعدة في ابتداع اتفاقية قرض لإثبات أن ابن زوجة نجيب المعروف برضا عزيز قد تلقى تمويلاً من شركة الاستثمارات البترولية الدولية (IPIC) الممولة من الدولة الإماراتية، وليس من أموال سُحبت من "شركة ماليزيا واحدة للتنمية" (1MDB).

دحلان الهارب.. رجل بن زايد

منذ عام 2011، يمكث محمد دحلان القيادي في حركة فتح ورئيس جهاز الأمن الوقائي للسلطة الفلسطينية السابق في الإمارات، عقب طرده من حركة فتح وصدور حكم بحقه بالسجن من قبل السلطة الفلسطينية، ما دفعه إلى الهرب إلى الإمارات، ليعين بعد ذلك مستشاراً أمنياً لولي العهد الإماراتي محمد بن زايد.

ويعرف دحلان بتورُّطه في قضايا فساد في الداخل الفلسطيني، كما أنه مخطط جيد ومستشار أمني لمحمد بن زايد في هندسة سياسة منطقة الشرق الأوسط.

وفضلاً عن اتهامات السلطة الفلسطينية، توجه تركيا لدحلان تهم القتل والفساد والتجسس الدولي والضلوع في محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي شهدتها تركيا منتصف يوليو/تموز 2016.

كما أدرجته وزارة الداخلية التركية في 13 ديسمبر/كانون الأول الجاري، ضمن "القائمة الحمراء"، وهي أخطر قوائم الإرهابيين المطلوبين في تركيا.

شخصيات مصرية لاذت بالفرار إلى الإمارات أيضاً

من أبرز الشخصيات المصرية التي وجدت ملاذاً آمناً لها في الإمارات العربية المتحدة الفريق أحمد شفيق، الذي شغل منصب وزير الطيران المدني في حكومة مبارك، وتولى رئاسة وزراء مصر إبان اندلاع ثورة يناير/كانون الثاني عام 2011، وهو مرشح رئاسي سابق أيضاً لرئاسة الجمهورية المصرية في أول انتخابات لمصر بعد الثورة عام 2012.

فبعد خسارة الفريق شفيق في سباق الانتخابات وفوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين الدكتور الراحل محمد مرسي، فرَّ شفيق مباشرة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة للإقامة فيها.

بعدها طالبت النيابة العامة بضبطه وإحضاره على إثر تورطه بقضايا إهدار المال العام وغسل للأموال خلال توليه منصب وزير الطيران المدني، مكث الفريق شفيق في الإمارات ولم يعد إلى مصر بعدها إلا مرةً واحدة في عام 2018 قبل انتخابات الرئاسة، حيث أعلن شفيق ترشحه لها عبر فيديو مسجل من الإمارات.

لكنه عاد وتخلى عن ترشحه ودعم الرئيس عبد الفتاح السيسي لدورة ثانية لرئاسة الجمهورية.

وفي عام 2016، فر المستشار أحمد الزند وزير العدل السابق، هو وأسرته إلى الإمارات بعد إقالته من منصبه وتحويله للتحقيق بسبب إساءته إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك ظهرت له عدة قضايا من بينها الاستيلاء على أراضي الدولة بطرق غير شرعية مستخدماً في ذلك سلطته.

المصدر: TRT عربي - وكالات