ساهمت إسرائيل في دعم قبرص الرومية في مسعاها للاستيلاء على الموارد الطبيعية في منطقة شرقي البحر المتوسط، والتي تقول تركيا إنها تتبع لجرفها القاري، ومؤخراً بدأ الجيش الإسرائيلي مناورات عسكرية مع نظيره القبرصي في ظل استمرار المناورات العسكرية التركية.

تركيا اعلنت عن نيتها إجراء عمليات تنقيب عن الغاز في منطقة من البحر المتوسط
تركيا اعلنت عن نيتها إجراء عمليات تنقيب عن الغاز في منطقة من البحر المتوسط (AA)

بعد مرور أقل من يوم واحد على توقيع اتفاقية لتقاسم الموارد الطبيعية في منطقة قبرص، بين مصر واليونان وقبرص الرومية عام 2014، خرج رئيس الوزراء اليوناني آنذاك نطونيس ساماراس ليتهم تركيا بالقيام بعمليات "استفزازية" من خلال إرسالها سفناً حربية إلى المياه الإقليمية لدولته، في إشارة إلى مياه شرق المتوسط.

الصراع التركي اليوناني على قبرص لم يكن وليد اللحظة، فهو صراع ممتد منذ عشرات السنوات، بيد أن الصراع على الموارد الطبيعية بدأ يطفو على السطح خلال السنوات الأخيرة بشكل واضح، تُحرّكه أياد إسرائيلية ويدعمه النظام المصري بزعامة السيسي، الذي أجج استيلاؤه على الحكم عنوة عقب الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي أزمة مع تركيا التي لم ترحب به.

مع نهاية عام 2014، وفي 10نوفمبر/تشرين الثاني تحديداً، عقدت أوّل جلسة بين مصر وقبرص الرومية واليونان، لوضع معالم الصراع مع تركيا، كما ذكرت مجلة "جلوبس" الإسرائيلية، التي رأت أن تشكيل جبهة موحدة بين هذه الأقطار، هدفه التصدي "للاستفزازت التركية".

وذكرت المجلة في حينه، أن إسرائيل تعمل في الظل أيضاً جنباً إلى جنب مع قبرص الرومية من أجل "توفير الحماية لآبار الغاز"، وأشارت إلى أن وزير الخارجية السابق أفيغدور ليبرمان زار مطلع شهر نوفمبر/تشرين الثاني قبرص الرومية وأجرى مباحثات في الشأن ذاته.

لم يفت وزير الخارجية الإسرائيلي خلال تلك الزيارة أن يبدي دعمه لقبرص الرومية غير مرّة، إذ أشار إلى أن إسرائيل تدعم قبرص الرومية في نزاعها مع تركيا بشأن التنقيب عن النفط والغاز في البحر المتوسط، ولعلّه كان أوّل تصريح إسرائيلي رسمي بهذا الخصوص.

وفي الوقت الذي أصرّت فيه تركيا على مواصلة التنقيب عن الغاز في الجرف القاري التركي في البحر المتوسط، والذي تزعم قبرص الرومية أحقيتها فيه، تواصلت الاجتماعات بين المسؤولين الإسرائيليين واليونانيين والمصريين.

عام 2016 زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليونان، حيث عقدت قمّة إضافية، كانت معالمها أوضح هذه المرّة، إذ كانت المرّة الأولى التي تعقد فيها قمّة بمشاركة زعماء الدول الثلاث، اليونان، وإسرائيل، وقبرص الرومية، وقد كان محورها الأساسي هو دعم التحالف الاستراتيجي في مجال الأمن والطاقة.

ويشير موقع واللا الإسرائيلي إلى أن الهدف من تشكيل هذه القوة هو حماية مصادر الغاز في قبرص الرومية.

وأشار مصدر إسرائيلي إلى أن التطور الكبير والمتسارع في العلاقات بين إسرائيل وقبرص الرومية ليس مفاجئاً، "للدولتين أهداف مشتركة على صعيد التنقيب عن الغاز، وكذلك تجمعهما المخاوف المشتركة على صعيد أمني، ولديهما علاقات متأزمة مع تركيا، بينما تجمعهما العلاقات الجيدة مع مصر".

جاوش أوغلو حذر من إجراء أية أبحاث علمية غير قانونية أو بدء عمليات التنقيب عن النفط والغاز في الجرف القاري التركي
جاوش أوغلو حذر من إجراء أية أبحاث علمية غير قانونية أو بدء عمليات التنقيب عن النفط والغاز في الجرف القاري التركي (AA)

تصاعد التوتر

في ظل هذا التقارب بين قبرص الرومية ومصر وإسرائيل واليونان، لم تتنازل تركيا عن حقها في التنقيب عن الغاز في منطقة الجرف القاري التركي عند خطوط الطول 32 و16 و18 درجة، فيما قال وزير خارجيتها مولود جاوش أوغلو إن بلاده تقدمت بطلب لرفض اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر وقبرص الرومية، بوصفها "تنتهك الجرف القاري التركي".

وحذر جاوش أوغلو من إجراء أية أبحاث علمية غير قانونية أو بدء عمليات التنقيب عن النفط والغاز في الجرف القاري التركي والمناطق البحرية المتداخلة فيه، وذلك بعد أن اعترضت تركيا في فبراير/شباط 2018، سفينة تابعة لشركة إيني الإيطالية لاستكشاف النفط، كانت في طريقها للتنقيب عن الغاز المكتشف في مناطق متنازع عليها مع قبرص الرومية.

وأعلنت تركيا في 3 مايو/أيار 2019، عن نيتها إجراء عمليات تنقيب عن الغاز حتى سبتمبر/أيلول المقبل في منطقة من البحر المتوسط.

الإعلان التركي أثار جدلاً واسعاً على صعيد دولي، إذ أصدرت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية مورغان أورتاغوس بياناً، أعربت فيه عن قلقها من نية تركيا إجراء عمليات تنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل قبرص الرومية.

وحذّرت الخارجية المصرية، بدورها، في 4 مايو/أيار 2019، من انعكاس أية إجراءات أحادية الجانب على الأمن والاستقرار في منطقة شرق المتوسط، مشيرة إلى أنها تتابع باهتمام وقلق التطورات الجارية حول نية تركيا بدء أنشطة حفر في منطقة بحرية تقع غرب قبرص الرومية.

الخارجية التركية ردّت على هذه المزاعم، بوصفها بأنها "لا تمت للحقيقة بصلة"، فقلق الولايات المتحدة حول التنقيب في أراضٍ غير تركية ليس صحيحاً، ودعوة واشنطن تركيا "لعدم التنقيب في منطقة يدّعي القبارصة الروم أنها لهم، على الرغم من وجود اتفاقية ترسيم حدود سارية، ليست مقارَبة بنّاءة ولا تتماشى مع القانون الدولي".

وصرح وزير الخارجية مولود جاوش أوغلو خلال زيارته قبرص التركية في 4 مايو/أيار 2019، أن بلاده أقدمت على الخطوات اللازمة، وبدأت سفن التنقيب التركية أنشطتها في المناطق التي سمحت جمهورية شمال قبرص التركية بالتنقيب فيها.

من جانبه، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أقار، إن قبرص التركية لها الحق أيضاً في الثروات الطبيعية حول الجزيرة، وأن على الجميع أخذ ذلك بعين الاعتبار.

وكتب المسؤول في وزارة الخارجية التركية جاغطاي أرجيس، في تغريدة على تويتر، أن تركيا ستواصل حماية حقوقها وحقوق جمهورية شمال قبرص التركية في ما يتعلق بالثروات الباطنية، في الجرف القاري وفي المنطقة الاقتصادية الخالصة.

مناورات عسكرية

في ظل تصاعد الخطاب السياسي بين الدول المختلفة، أطلقت تركيا قبل أسبوع، مناورات "ذئب البحر 2019"، وهي الكبرى من نوعها في تاريخ الجمهورية التركية، وتُنفذ بشكل متزامن في ثلاثة بحار.

وتشرف قيادة القوات البحرية التركية على المناورات الجارية بشكل فعلي للمرة الأولى في البحر الأسود وإيجه وشرق المتوسط، بمشاركة 131 سفينة بحرية، و57 طائرة حربية، و33 مروحية.

وفي معرض تعليقه على المناورات قال وزير الدفاع التركي خلوصي أقار إن الغاية منها هي إظهار مدى عزم وإصرار وقدرة القوات البحرية على حماية البلاد وأمن شعبها، والمحافظة على السيادة والاستقلال والحقوق والمصالح البحرية.

وأضاف أقار "نتخذ كل التدابير اللازمة من أجل حماية حقوق بلادنا في شرق المتوسط وقبرص، علاوة على مكافحة الإرهاب داخل البلاد وخارجها".

المناورات التركية هدفها المحافظة على السيادة والاستقلال والحقوق والمصالح البحرية
المناورات التركية هدفها المحافظة على السيادة والاستقلال والحقوق والمصالح البحرية (AA)

قبرص تُصعد وإسرائيل تدخل على الخط

وبينما تواصل سفينتا التنقيب التركية، بربروس وفاتح مهامهما في البحر المتوسط بالقرب من جزيرة قبرص في الجرف القاري لتركيا، قررت إدارة الشطر الجنوبي الرومي من قبرص، إجراء عمليات تنقيب جديدة في المنطقة الاقتصادية الخالصة التي أعلنتها من جانب واحد، الأمر الذي من شأنه تصعيد التوتر مع تركيا.

وقال وزير الطاقة في إدارة قبرص الرومية، يورغوس لاكوتروبيس، إنهم يعتزمون إجراء 8 عمليات تنقيب في المنطقة، في غضون العامين القادمين، حسبما أوردته صحيفة كاثيميريني اليونانية.

وذكر أن أنشطة التنقيب قد تبدأ نهاية العام الحالي أو مطلع العام المقبل، وأن إجراءات منح التراخيص بخصوص الرقعة السابعة في المنطقة الخالصة المزعومة، شارفت على الانتهاء.

ولم تكتف قبرص الرومية بهذا التصعيد، إذ أعلنت وزارة دفاعها، انطلاق مناورات عسكرية مشتركة مع إسرائيل، وذكرت أن المناورات تستمر حتى 29 مايو/أيار الجاري، كجزء من برنامج التعاون العسكري الثنائي السنوي بين البلدين.

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن مروحيات وطائرات وسفناً حربية تابعة للجيش الإسرائيلي ستشارك في التدريبات، مشيرة أن العام الماضي شهد مناورتين عسكريتين مشتركتين.

وقالت صحيفة، إسرائيل ديفانس العسكرية إن "قوات سلاح الجو الإسرائيلية بدأت مناورات عسكرية مشتركة مع قوات سلاح الجو التابعة لقبرص الرومية"، مشيرة إلى أن المناورات تنتهي نهاية الشهر الجاري، وأكد ذلك الناطق باسم الجيش الإسرائيلي.

وأشارت الصحيفة إلى أنه إلى جانب ذلك، أرسل الجيش البريطاني مقاتلات من طراز F-35 إلى قبرص الرومية، ولم تشر إلى سبب ذلك.

وترى الصحيفة أن إجراء المناورات في هذا التوقيت لم يكن عبثياً، إذ تتزامن مع المناورات العسكرية التركية في البحر المتوسط، وكذلك مع عمليات التنقيب التركية في "مناطق متنازع عليها".

وقالت إن المناورات التي تجريها إسرائيل مع قبرص الرومية، قد يصل صداها إلى تركيا على شكل تحدٍّ واضح لمناورات "ذئب البحر" التي تُجريها.

المصدر: TRT عربي - وكالات