الأزمة بدأت مع المغرب بعد الكشف عن تلقي زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي العلاج في المستشفيات الإسبانية (Reuters)

لا يزال المغرب ينتظر رداً مُرضياً ومقنعاً من إسبانيا بشأن قرارها السماح لزعيم جبهة البوليساريو الذي يحاكم أمام المحاكم الإسبانية بتهمة ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية بدخول أراضيها​​​، وفقاً لوزير خارجية المغرب ناصر بوريطة.

الأزمة بدأت بعد الكشف عن تلقي زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي العلاج في المستشفيات الإسبانية، وما أثاره هذا الاستقبال من "سخط" المملكة المغربية التي تتنازع على إقليم الصحراء، المستعمرة الإسبانية السابقة، مع جبهة بوليساريو.

فعلى الرغم من الاتفاقيات التي تجمع البلدين على المستوى الأمني، فإن الاستخبارات الإسبانية لم تعلم نظيرتها المغربية بهذا الاستقبال، إلى حين كشف مجلة "جون أفريك" أن غالي دخل مستشفى إسبانياً باسم مستعار، وبجواز سفر جزائري، خاصة أنه متابع من طرف محاكم إسبانية بتهم ثقيلة مرتبطة بانتهاك حقوق الإنسان، برفقة 19 عضواً من البوليساريو قدمت ضدهم تهم تتعلق بارتكاب جرائم الإبادة والقتل العمد والاختطاف.

اعترفت مدريد فيما بعد باستقبالها لإبراهيم غالي، مرجعة ذلك إلى ما بررته بالعمل الإنساني، ولكن لم يقنع هذا التوضيح المغرب الذي استدعى قبل أيام سفير إسبانيا لديه.

الخارجية الإسبانية أكدت أن العلاقات مع المغرب لن تتأثّر بعد أن استقبلت بلادها الزعيم الصحراوي الانفصالي لتلقّي العلاج، وشددت على "العلاقات الممتازة التي تربط إسبانيا بالمغرب"، إلا أن العلاقة بين البلدين الجارين يحكمها المد والجزر في عدة ملفات، أهمها احتلال إسبانيا لمدينتي سبتة ومليلية، ودورها الأساسي في قضية إقليم الصحراء، إضافة إلى ملف الهجرة.

سبتة ومليلية

كانت إسبانيا استدعت في 22 ديسمبر/كانون الأول الماضي سفيرة المغرب لدى مدريد، بعد أن تحدث رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني عن إمكانية أن يُفتح ملف سبتة ومليلية في يوم ما.

إسبانيا رأت أن تصريحات من هذا القبيل تمس "سيادة أراضيها" بينما لم يصعد المغرب الموضوع، كما لم يسبق له المطالبة بشكل رسمي خلال السنوات الأخيرة باسترجاع المدينتين.

لكن بالنسبة إلى المغاربة تبقى المدينتان محتلتين، شأنهما شأن بعض الجزر في البحر المتوسط، وسبق أن وقع احتكاك عسكري بين المغرب وإسبانيا في جزيرة ليلى (جزيرة تورة) عام 2002.

ملف الهجرة

حاجة مدريد إلى الرباط في مجال الهجرة غير النظامية فرضت عليها تجاوز نقاط خلافية، والتركيز على توحيد الجهود لمواجهات التحديات الأمنية التي تواجه البلدين، وتجمع المغرب وإسبانيا اتفاقيات لمواجهة ظاهرة الهجرة غير النظامية، إذ شكّلت السواحل المغربية منطلقاً تاريخياً لها.

ورغم تعاون المغرب المكثف مع إسبانيا على مستويات أمنية ومالية ولوجيستية، فإن الظاهرة لا تزال مستمرة.

وطالت انتقادات التعاون بين البلدين في مجال الهجرة بأنه يحكمه الجانب الأمني، وبقدر ما يرتفع مستوى هذا التعاون بقدر ما يرتفع مستوى الخروقات التي تطال المهاجرين من جنسيات أخرى.

من جانب آخر تتهم جهات إسبانية المغرب بغض الطرف عن مرور المهاجرين من حين لآخر لغرض "ابتزازي"، يكمن في دفع مدريد إلى مزيد من التعاون معه أو إبَّان أيّ توتر على العلاقات.

وشهدت الأيام الماضية عبوراً جماعياً لشباب مغاربة نحو إسبانيا عن طريق السباحة، في الفترة ذاتها التي يخيّم فيها جدل استقبال إبراهيم غالي في إسبانيا.

كما أن جزر الكناري المجاورة للمغرب استقبلت 4 آلاف مهاجر منذ بداية هذا العام، بارتفاع 125% عن الفترة نفسها من العام الماضي، وأظهرت مقاطع فيديو مشاهد صادمة لاعتداءات من قبل الأمن الإسباني على مهاجرين مغاربة قاصرين.

إقليم الصحراء

يعد ملف الصحراء محوراً أساسياً وتاريخياً في العلاقات المغربية الإسبانية، وبدأ نزاع بين المغرب و"البوليساريو" حول إقليم الصحراء عام 1975، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده بالمنطقة، ليتحول الخلاف إلى نزاع مسلح استمر حتى 1991، بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار.

وتصر الرباط على أحقيتها في إقليم الصحراء، وتقترح حكماً ذاتياً موسعاً تحت سيادتها، فيما تطالب "البوليساريو" بتنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو طرح تدعمه أحزاب إسبانية، خاصة حزب بودميوس، الذي كان زعيمه بابلو إغليسياس النائب الثاني لرئيس الحكومة.

وازداد تعقيد العلاقات المغربية الإسبانية بسبب معارضة إسبانيا مؤخراً الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه.

وجاء دخول زعيم البوليساريو إلى التراب الإسباني باسم جزائري مستعار، ما غذى شكوكاً بمحاولة للتستر على وجوده في البلاد نظراً لوجود استدعاء بحقه من قبل محكمة إسبانية عام 2016 غداة تخطيطه زيارة إسبانيا.

ويواجه زعيم البوليساريو اتهامات وجهتها له منظمة حقوقية صحراوية بـ"الإبادة والقتل والتعذيب والاختفاء القسري" ما بين 1976 و1987 ضد سكان في مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف على التراب الجزائري.

مصالح مشتركة

لكن رغم التوترات المطروحة في الملفات السابقة فإن البلدين تجمعهما مصالح عديدة، وملفات تعاون في المجال الأمني ومحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وترسيخ تعاون تسليم المجرمين وقضايا الأسرة والأحوال الشخصية، وملف تدفق المهاجرين من جنوب الصحراء، بالإضافة إلى التبادل التجاري والاستثمارات والصيد البحري.

وتصدرت إسبانيا البلدان الأوروبية والعالمية كأول شريك تجاري للمغرب على مدى 4 سنوات على التوالي، وبلغت قيمة المبادلات التجارية بين المغرب وإسبانيا خلال سنة 2019 ما قيمته 15 مليار دولار.

لذلك ثمة من يرى بأن التوتر الحالي بين البلدين لن يشكل عرقلة جدية أمام استمرار القضايا الأساسية القائمة بين الطرفين، ولن يتجاوز حالة الشد والجذب التي اتسمت بها العلاقة التاريخية.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً