تلوّح إثيوبيا بين الحرب والمفاوضات بعد اتساع هوة خلافها مع مصر حول سدّ النهضة الذي يُعَدّ أكبر سدّ في إفريقيا، ومن المقرَّر أن تنتقل المفاوضات هذا الأسبوع إلى روسيا لتفصل بين مخاوف القاهرة بتهديد مواردها المائية، ورفض أديس أبابا التدخل في سيادتها.

إثيوبيا بدأت تشييد سدّ النهضة عام 2011
إثيوبيا بدأت تشييد سدّ النهضة عام 2011 (Reuters)

يزداد ملفّ سد النهضة بين مصر وإثيوبيا والسودان تعقُّداً، بخاصة بعد تحذيرات رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد خلال جلسة للبرلمان، باستعداد بلاده لحشد ملايين الأشخاص وخوض حرب.

ولم تكن هذه الأزمة الأولى في تاريخ المفاوضات حول سد النهضة، إذ تَعثَّرَت الجولة الأخيرة نتيجة ما وصفته القاهرة بـ"تشدُّد الجانب الإثيوبي" عقب انتهاء اجتماع ثلاثي استمر يومين لوزراء الموارد المائية والري في مصر والسودان وإثيوبيا بالعاصمة السودانية الخرطوم، بداية الشهر الجاري.

وشدّد رئيس الوزراء الإثيوبي على مواصلة بلاده بناء سدّ النهضة، بغضّ النظر عن المخاوف التي لا أساس لها، والتهديدات المصرية، على حد تعبيره.

ورغم تحذيرات آبي أحمد فإنه يبدو مقتنعاً بأن المفاوضات هي السبيل الوحيد للخروج من الأزمة الحالية، ويؤكّد أنه لا مصلحة لبلاده في إلحاق الأذى بمصر والسودان.

وساطة روسية

كشف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 13 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، عن لقاء مرتقَب مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في العاصمة الروسية موسكو، لمناقشة قضية سدّ النهضة، لكنه لم يوضّح آلية اللقاء.

وتشهد روسيا في 24 أكتوبر/تشرين الأول الجاري قمة "روسيا-إفريقيا" برئاسة مشتركة بين السيسي الذي يتولى رئاسة الاتحاد الإفريقي، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مدينة سوتشي.

وتُعتبر القمة الروسية أملاً كبيراً لحلّ النزاع الذي أصبح يمثّل حجر عثرة في طريق تعاون الدول الإفريقية، وعدم استقرار المنطقة.

وأعلن الرئيس المصري أن بلاده تبذل مساعي حثيثة ومتوازنة للخروج من تعثر مفاوضات سدّ النهضة.

وبينما ترفض أديس أبابا تقديم أي ضمانات بشروط مصرية لانسياب مياه نهر النيل، حسب وزير الري الإثيوبي، تأتي مطالب مصر بالتدخل الدولي نتيجة تخوُّفها من تأثير سلبي محتمَل للسد على تدفُّق حصتها السنوية من مياه نهر النيل، 55 مليار متر مكعَّب، فيما يحصل السودان على 18.5 مليار. وتقول إثيوبيا إنها لا تستهدف الإضرار بمصالح مصر، والهدف من بناء السد توليد الكهرباء في الأساس.

ومؤخراً رفضت إثيوبيا مقترحاً قدمته مصر بشأن عملية ملء خزان السد، وقال وزير الري الإثيوبي في تصريحات سابقة، إن بلاده "رفضت الاقتراح لأنه ينتهك الاتفاقية الموقّعة بين الدول الثلاث حول الاستخدام العادل والمعقول لمياه نهر النيل".

مصر تتمسك بوجود وسيط دولي في مفاوضات سد النهضة الإثيوبي، وترفض المساس بحصتها في مياه النيل

رئيس الوزراء المصري - مصطفى مدبولي

وقالت وزارة المياه والري والطاقة الإثيوبية في بيان لها، إن "اقتراح مصر الجديد بشأن سد النهضة أصبح نقطة خلاف بين البلدين"، معتبرة اقتراحات مصر الجديدة ومطالبها، التي سبق الإشارة إليها، بمثابة "عبور للخط الأحمر الذي رسمته إثيوبيا"، حسب وكالة الأنباء الإثيوبية الرسميَّة.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية نبيات جيتاتشو، إن بلاده "لن تقبل أي مساس بسيادتها في ما يخصّ سد النهضة، وإن أعمال التشييد تسير بانتظام وفق الآجال الزمنية المحددة"، مشيراً إلى أن مصر "تتبع تكتيكاً تخريبيّاً، من أجل وقف عملية تقييم التأثير البيئي والاجتماعي للسد".

واقترحت مصر إطلاق 40 مليار متر مكعب من المياه كل عام، وإطلاق مزيد من المياه عندما يكون ارتفاع السد العالي جنوبي مصر في حدود 165 متراً فوق مستوى سطح البحر، ودعت طرفاً رابعاً في المناقشات بين الدول الثلاث، إثيوبيا ومصر والسودان، حسب البيان، فيما لم تكشف إثيوبيا من جهتها عن كمية المياه التي تريد تخزينها أو إطلاقها كل عام من السد، لكن المؤكّد أنها لا تلقى قبولاً من القاهرة.

ومنذ عام 2014 وضعت مصر خطة متكاملة مستمرة حتى الآن، لمواجهة تداعيات سد النهضة، وذلك لخشيتها أن يؤدِّي تخزين المياه خلف السد إلى انخفاض حصتها من مياه النيل.

وسبق أن قالت الرئاسة المصرية إنها تتطلع إلى أداء الولايات المتَّحدة دوراً فعَّالاً بعد فشل المفاوضات، وأكَّدت الرئاسة في بيان لها انفتاحها على كل جهد دولي للوساطة من أجل التوصل إلى الاتفاق المطلوب، مرحّبة بالتصريح الصادر عن البيت الأبيض بشأن المفاوضات الجارية حول سد النهضة.

وذكر البيت الأبيض في بيان له أن الإدارة الأمريكيَّة تدعم المفاوضات الجارية للتوصل إلى اتفاق تعاوني ومستدام ومتبادل المنفعة بشأن ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي.

وبدأت أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا قبل نحو ثمانية أعوام، عندما أعلنت أديس أبابا في 2011 عزمها الشروع في بناء سد النهضة، الذي قالت إن تكلفة بنائه ستبلغ 4 مليارات دولار، وإنه صُمّم ليكون حجر الزاوية في مساعي إثيوبيا لتصبح أكبر دولة مصدِّرة للطاقة في إفريقيا من خلال توليد أكثر من 6000 ميغاوات من الكهرباء.

ورفضت مصر في البداية القرار الإثيوبي جملةً وتفصيلاً، معلّلة بأنها تحصل على أكثر من 90% من المياه اللازمة للرَّيّ والشرب من نهر النيل، وأن الخطوة تخالف معاهدات أُبرِمَت في خمسينيات القرن الماضي وتحظر على دول المنبع المساس بحصة دولتَي المصبّ، مصر والسودان، من مياه النيل، ثم خاضت الدول الثلاث المعنيَّة جولات من المفاوضات، إلا أنها في المجمل مرّت بتعثرات متعاقبة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2013، تغيّر الموقف السوداني من معارضة بناء السد إلى تأييده، ثم وُقعت وثيقة الخرطوم عام 2015، وأقرت مصر فيها بحقّ إثيوبيا في بناء السدّ.

وفي يونيو 2018 أجرى رئيس الحكومة الإثيوبية أبي أحمد زيارة إلى القاهرة، انتهت باتفاق الطرفين على ضرورة بدء التفاوض حول اتفاقية ملء السد، ولكن أبي أحمد أعلن بعدها أن بلاده تنوي بدء الملء في العام نفسه. وظلّت المفاوضات منذ ذلك الحين معلَّقة حتى انعقدت الجولة الأخيرة في القاهرة، قبل أن تعلن مصر تعثّرها.

المصدر: TRT عربي - وكالات