أيد البرلمان الهندي قرار إيقاف العمل بالمادة 370 في الدستور الهندي والتي تعطي الحكم الذاتي لولاية جامو وكشمير، بكونها منطقة متنازع عليها. هذا القرار يؤجج مرة أخرى الصراع مع الطرف الآخر في الإقليم، باكستان، والذي قد يؤسس لحرب مفتوحة بين البلدين.

الهند تلغي الحكم الذاتي لولاية جامو وكشمير وسط اعتراض من باكستان
الهند تلغي الحكم الذاتي لولاية جامو وكشمير وسط اعتراض من باكستان (Reuters)

لطالما أيّد حزب "بهاراتيا جاناتا" القومي الهندوسي، الذي يرأسه ناريندرا مودي، رئيس وزراء الهند، وضعَ حدّ للحالة الخاصة بإقليم جامو وكشمير، ووصفه بأنه خطأ تاريخي أذكى المشاعر الانفصالية ومنع الاندماج الكامل لمنطقة الهيمالايا الخلابة.

عندما انتهى الحكم البريطاني لشبه القارة الهندية، كان على الولايات السابقة أن تقرر الانضمام إلى الهند أو باكستان ذات الأغلبية المسلمة، وبالنسبة للكثيرين، كان الاختيار سهلاً، لكن "مهراجا الهندوس" في جامو وكشمير وقتها اختار البقاء بين الأمتين الجديدتين.

بعد سنوات غزت القوات النظامية الباكستانية كشمير عسكرياً، الأمر الذي أدى طلب "المهراجا هاري سينغ" الحاكم وقتها للمنطقة، مساعدة عسكرية من نيودلهي، وكشرط لإرسال قواتها، طالبت الأخيرة الدولة بالانضمام إلى الهند.

وفي عام1947، تم الاتفاق على أن جامو وكشمير سيسمحان لنيودلهي بالتحكم في دفاعها والعلاقات الخارجية والاتصالات، لكن الإدارة المحلية ستحتفظ بالحكم الذاتي في القضايا الأخرى، وهو القرار المكرس في المادة 370 من الدستور الهندي، على الرغم من أنه مدرج في قسم من "الأحكام المؤقتة".

دلالات إيقاف المادة 370

"ما رأيناه هو، بوضوح، سوء الإدارة والظلم الاجتماعي الاقتصادي بمختلف أنواعه"، قال وزير الداخلية الهندي أميت شاه.

في 5 أغسطس/آب، أعلنت الهند أنها تخطط لإلغاء المادة 370، وهو بند دستوري يعود إلى عام 1949 يمنح جامو وكشمير وضعاً خاصاً مستقلاً، لا يمكن المبالغة في تقدير حجم هذه الخطوة، لكن يرى المعارضون الهنود أنها بمثابة تحوّل رئيسي في المنطقة قد يؤدي بسهولة إلى نتائج عكسية على الهند.

الأمر المرفوض، بالنسبة إليهم، في المادة 370 ليس تمكُّن كشمير من صياغة وتنفيذ السياسات الداخلية بشكل مستقل -باستثناء المجالات الرئيسية مثل الشؤون الخارجية والدفاع – بل ما يُعرف بالبند 35A في المادة، الذي يمنع الغرباء من الحصول على الأراضي في كشمير ومن الاستثمار داخل المنطقة، والتي تقوّي امتيازات السكان الدائمين في الإقليم.

أنشأت جامو وكشمير حقوقاً خاصة لأولئك الذين عرفتهم كمقيمين دائمين، فهي تمنع فعلياً الغرباء من شراء العقارات أو شغل وظائف في القطاع العام أو الالتحاق بالكليات الحكومية، كما رفضت العديد من التغييرات التشريعية الحديثة في الهند، تاركة الكشميريين بموجب مجموعة مختلفة من القوانين.

هذه الحجة التي تبني عليها نيودلهي قراراها؛ إذ تقول الحكومة هناك إن العديد من قوانين كشمير عفا عليها الزمن، فيما يرفض الكشميريون تبنّي إصلاحات اجتماعية هندية تقدمية، مثل قوانين مكافحة العنف المنزلي، وحجز المقاعد في المجالس المحلية للنساء، حسب الحكومة.

وتبنى المسؤولون هذه الخطوة باعتبارها إصلاحاً تدريجياً وتهدف إلى معالجة "التخلف القانوني في منطقة تعيش في الماضي وجعل الحكومة تعمل بشكل أفضل من أجل مواطنيها".

وزير الداخلية الهندي، أميت شاه اعتبر في البرلمان أن المادة 370 "تمثل أكبر عقبة في طريق إعادة الحياة الطبيعية إلى كشمير"، مخاطباً الشباب الكشميريين "أعطونا خمس سنوات، وسوف نجعل كشمير أكثر المناطق تطوراً في الهند".

أحلام مودي القومية

يجادل سكان كشمير نيودلهي، بأن المشكلة الأكبر في المنطقة ليست الوضع الخاص لمنطقتهم بل في الوجود العسكري الساحق للهند، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاك مستمر يتسبب في تعرضهم للإهانة والمضايقة بشكل روتيني من قبل قوات الأمن، وهو ما يغذي العنف.

بل يذهب الكثير من الكشميريين إلى الاعتقاد بأن السبب الحقيقي للتغييرات هو تمهيد الطريق أمام التحول الديموغرافي، وعملية تطهير عرقية ودينية وفتح البوابات أمام "الغرباء للامتلاك والتوطين".

لكن حزب "بهاراتيا جاناتا"، ورئيسه مودي، بنى حملته الانتخابية الأخيرة على وضع جامو وكشمير الخاص، إذ وصفته الحملة بجذر الاضطرابات طويلة الأمد في المنطقة، كما اعتبروه معطلاً للاستثمار وخلق فرص العمل، وأدى إلى إدارة غير فعالة وفاسدة، وهو أحد أهم الحجج التي يواجهون بها مشاكل النقص في الوظائف وفرص العمل.

مودي، الذي تعرفه صحيفة "ذو هيندو" بالهندوسي الجديد، تحصل على تفويض شعبي في مايو/أيار الماضي، يضع كشمير في مقدمة جدول أعماله؛ إذ كان أحد الأهداف الطويلة للحزب الذي يقوده هو تغيير وضع جامو وكشمير، لكنه كان دائماً يخشى رد فعل كبيراً، لكن شكّل حصوله على دعم قوي في الانتخابات الأخيرة دفعة قوية لوضع المنطقة، ذات الأغلبية المسلمة، تحت سيطرة نيودلهي.

الخبير الهندي في مركز ويلسون للتفكير في واشنطن، مايكل كوجلمان، قال لمجلة فوكس الأمريكية، إن المسلمين هم الخاسر الأكبر في كل هذا؛ إذ وصف إلغاء المادة 370 بكونه "مظهراً كبيراً للقومية الهندوسية، لأنها تمثل محاولة لجلب المنطقة الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة في الهند إلى اتحاد الهند بحيث يمكن للأغلبية الهندوسية في البلاد الاستثمار، والحصول على الأراضي هناك، وما إلى ذلك."

الأمر الذي وصفه رئيس حكومة جامو وكشمير السابق محبوبة مفتي، الذي وُضع رهن الإقامة الجبرية هذا الأسبوع، بأن تصرف حزب "بهاراتيا جاناتا "يمثل أحلك يوم في الديمقراطية الهندية ودلالة على طغيان المفاهيم القومية.

باكستان في الواجهة

لقد خاضت الهند وباكستان الحرب أربع مرات منذ عام 1947، منذ أن قسمتهما بريطانيا إلى دولة ذات غالبية هندوسية وأخرى ذات غالبية مسلمة، ومن هذا المنطلق يأتي التدخل الباكستاني في الإقليم ذي الغالبية المسلمة.

الكاتب في مجلة فوكس الأمريكية، توم هاندلي اعتبر أن الموطن الرئيسي للصراع بين الدولتين حالياً هو كشمير، وأشار إلى أنهما في حالة عداء مستمر منذ استقلالهما، وعلى مدى العقدين الماضيين، كانا يتصارعان على التسلح النووي.

في مارس /آذار الماضي، نفذت جماعة مسلحة متمركزة في باكستان هجوماً انتحارياً أسفر عن مقتل العشرات من القوات الهندية في الجزء الخاضع للسيطرة الهندية من كشمير. بعد أيام شنت الهند غارة جوية على الأراضي الباكستانية، استهدفت مرفق تدريب الجماعة المسلحة، وهي المرة الأولى التي ترسل فيها الهند طائرات حربية إلى الأجواء الباكستانية منذ سبعينيات القرن الماضي، قامت الدفاعات الجوية الباكستانية باسقاط طائرتين منهما.

وبينما هدأت هذه الحالة إلى حد ما، يكمن القلق، حسب فينينشال تايمز، في أن أي تصعيد قد يدفع الدولتين إلى حافة الهاوية ويبدأ حرباً تقليدية، قد تتحول إلى حرب نووية كاملة. لا تزال فرص حدوث ذلك منخفضة للغاية، لكن ردود فعل بعض القادة الباكستانيين غير مطمئنة.

رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان قال إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عرض التوسط في الأزمة المستمرة، وهي فكرة رفضتها الهند مراراً وتكراراً، فيما هدد بالذهاب إلى مجلس الأمن والتجهز لكل الخيارات في حال تهديد الهند لأمن باكستان، والمسلمين في كشمير.

بين مايو/أيار 2015 وديسمبر/كانون الأول 2018، قُتل 44 شخصاً على الأقل، 36 منهم مسلمون، في 12 ولاية هندية، وفقًا لـ"هيومن رايتس ووتش" وفي الفترة ذاتها، أصيب حوالي 280 شخصاً بجروح في أكثر من 100 حادث من هذا القبيل في 20 ولاية أخرى.

وعلى الرغم من عدم رغبة مودي في معالجة تصاعد العنف في بلاده، يقول الخبراء إن هذا القرار سيؤجج الأوضاع الأمنية في الإقليم، وسيدفع حكومة مودي نحو اتخاذ خطوات محفوفة بالمخاطر من قبيل هذه الخطوات؛ بسبب الدعم الشعبي القوي، ما فسره مايكل كوجلمان بأنه "لا يوجد سبب يدعو إلى التراجع عن تنفيذ السياسات التي لم تنفذ في السابق".

حتى لو هدأت التوترات في الأيام المقبلة، فإن مودي لا يزال لديه حافز ضئيل للتراجع وكبح طموحات حزبه؛ فحسب مجلة "ذا هندو" فإنه من المرجح أن يتخذ العديد من الخيارات المثيرة للجدل خلال الخمس سنوات القادمة، والتي قد يؤثر الكثير منها أيضاً على باكستان، وهو ما يعني استمرار المشاكل في كشمير ومزيداً من التدهور في العلاقة الهندية الباكستانية.

المصدر: TRT عربي