جماهير كرة القدم ترفض دوري السوبر الأوربي المنشق  (Jason Cairnduff/Reuters)

"أبدعها الفقراء وسرقها الأغنياء"، كانت هذه العبارة الأكثر تداولاً في العالم في اليومين الأخرين، بعد أن أعلن 12 نادياً أوروبياً عن بطولة جديدة تحت اسم "دوري السوبر الأوروبي"، لتعوض البطولة التاريخية في أوروبا "دوري أبطال أوروبا".

كان الإعلان بمثابة زلزال لمتابعي كرة القدم أولاً ثم للمؤسسات الراعية للعبة في العالم، إذ أُطلقَ عليه "الانقلاب على لعبة الفقراء" منذ اللحظات الأولى، ليفتح بعدها الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" والاتحاد الأوروبي "يويفا" النار على الفرق "المنشقة"، فيما أعلنت دول رفضها هذه البطولة صراحةً.

لم يدُم صمود هذه الأندية سوى 48 ساعة، وسط مظاهرات في عدة مدن أوروبية وتصريحات رافضة لرموز اللعبة، ورسائل في الملاعب والمباريات من الجماهير واللاعبين والمدربين الرافضين للبطولة، تحت شعار "كرة القدم للمشجعين"، لكن أظهرت كرة القدم مرة أخرى أنها أكبر من مجرد لعبة، فبحضورها تصبح هي العنوان الأول للصحف.

جماهير نادي ليفربول تعرب عن رفضها انضمام فريقها إلى دوري السوبر الأوروبي (Reuters)

ما دوري السوبر الأوروبي؟

بدأت الفكرة تتبلور عام 2019، وعادت للظهور في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، عندما قال جوسيب ماريا بارتوميو رئيس برشلونة في ذلك الوقت إن النادي وافق على مقترح بالانضمام إلى المسابقة الوليدة.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي كشفت تقارير إعلامية عن وثيقة توضح خططاً تفصيلية لإطلاق دوري السوبر الأوروبي، وردّ الفيفا واليويفا بتحذير من أنه سيمنع أي لاعب يشارك في مسابقة انفصالية من اللعب في كأس العالم وبطولة أوروبا للمنتخبات.

يتكون الدوري من 20 فريقاً، 15 منهم ثابتة و5 متغيرة، تنقسم إلى مجموعتين، ويرأس الدوري رئيس ريال مدريد الحالي فلورنتينو بيريز.

السبب المعلن لإنشاء الدوري هو رغبة الأندية الكبرى في حصة أكبر من عائدات دوري أبطال أوروبا، لتعويض خسائرها المالية التي تضاعفت بعد جائحة كورونا حتى استدان بعضها، ومنها نادي برشلونة.

لاعبون في الدوري الإنجليزي يرتدون أزياء رافضة لدوري السوبر الأوروبي (Reuters)

المال في مواجهة الشعبية

يقف وراء البطولة بنك أمريكي عملاق اسمه "J.P.Morgan"، وهو أحد المساهمين الكبار في الدوري الأمريكي لكرة القدم، وكان من المبرمَج أن يقدم البنك للأندية المؤسسة 3.5 مليار يورو (4.19 مليار دولار) لدعم خطط الاستثمار في البنية التحتية ومواجهة تداعيات جائحة فيروس كورونا.

بطل المسابقة سيحصل على نحو 400 مليون يورو، وهو مبلغ ضخم يبلغ أكثر من 3 أضعاف الـ120 مليون يورو التي يمنحها اليويفا للفائز بدوري أبطال أوروبا كل عام، وسيوزّع 1.95 مليار يورو على فريق دوري السوبر الأوروبي، إذ ستُسلَّم 488 مليوناً (25%) دفعات أولية و585 مليوناً بناءً على النتائج.

وستذهب 30% أخرى من المدفوعات على أساس ما حقّقه النادي على مدى السنوات العشر الماضية. وسيترك 292 مليون يورو (15%) لتُنفَق في أبواب الصرف الإضافية.

تصل قيمة عائدات البث التليفزيوني للبطولة إلى 10 مليارات يورو، وهي قياسية مقارنة بـ4 مليارات فقط حقّقها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم عام 2020 من البثّ التليفزيوني لكل مسابقاته.

وبالنظر إلى الشعبية العالمية الجارفة للفرق المشاركة في البطولة، وعدد مبارياتها الذي سيبلغ نحو 100 مباراة ستقام بنظام الذهاب والإياب، يمكن تسويقها بعقود ضخمة غير مسبوقة، بخاصة أن رؤساء الأندية المؤسسة للبطولة معظمهم من رجال المال والأعمال ولديهم شبكة علاقات واسعة يمكن استثمارها في تسويق استثنائي للبطولة التي ستولد ضخمة.

جماهير نادي تشلسي رافضة لفكرة دوري السوبر الأوروبي (AP)

لماذا لم تصمد الفكرة؟

عندما خرج فلورتينو بيريز إلى العلن مصرّحاً بأفكاره تجاه دوري السوبر الأوروبي، ظهر في صورة الزعيم الثوري على رأسمال كرة قدم، مطالباً رئيس الفيفا واليويفا بالكشف عن رواتبهما وعن خططهما لمواجهة كورونا.

اعتقد بيريز أنه ثوري لساعات، بخاصة مع التصريحات النارية لرئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا" ألكسندر تسيفرين الذي اختار مصطلحات "خائن، وكاذب، وجشع" لمهاجمة تلك الأندية التي يمثلها بيريز.

لم يضع رئيس ريال مدريد في الحسبان، وهو يهدد الجميع بفرض قواعده، قوة جماهير كرة القدم في المقام الأول، ومعنى أن تكون اللعبة جزءاً من السياسة، وهذا مادفع الفرق الإنجليزية إلى الانسحاب بعد يوم واحد من إعلان المشاركة.

رؤساء الأندية الـ12 المعلنون عن دوري السوبر الأوروبي قبل انسحاب عدد منهم  (AFP)

كان بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني، واضحاً عندما قال إنه سيفعل كل شي لمنع هذه البطولة، من جانبه رفض الإيليزيه هذه البطولة معتبراً إياها انقلاباً على المؤسسات، وهو الموقف الذي أكّده رئيس باريس سان جيرمان ناصر الخليفي الذي رفض الانضمام إلى الأندية.

على أثر انسحاب أندية بريطانيا الستة، قرر نادي إنتر ميلان الإيطالي ونادي أتليتيكو مدريد الإسباني الانسحاب أيضاً، فيما كشف نادي برشلونة أنه لا يمكن الانضمام إلى أي بطولة قبل موافقة مجلس الأعضاء، وأخيراً أعلن رئيس نادي يوفنتوس الإيطالي استحالة مواصلة العمل في البطولة.

كانت ملاعب أوروبا تزخر بالشعارات الرافضة للبطولة، إذ تجمعت الجماهير في لندن وليفربول وغيرها من المدن للتعبير عن رفضهم احتكار اللعبة لصالح الأندية الغنية، وإعادة كرة القدم لصالح المشجعين.

بيريز الذي ظلّ وحيداً في وجه الفيفا واليويفا والاتحاد الإسباني لكرة القدم، لا يزال يحاول المضيّ في خطته من أجل إنقاذ الأندية حسب قوله، إلا أن المشجعين والنقاد ومعارضي فكرته كانوا يرون أن الأوليغارشية التي اعتقدت أنها ستحرّر نفسها من قيم معينة لخدمة مصالحها الخاصة، هي التي انهزمت أمام "لعبة الفقراء".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً