حاملة الطائرات الأمريكية "USS NIMITZ" ستبقى في الخليج بسبب "التهديدات الأخيرة" من جانب إيران     (Logan C. Kellums/AFP)

تزداد حدّة التوتر في مياه الخليج بشكل لافت مع اقتراب خروج الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترمب وإدارته من البيت الأبيض المقرر بعد نحو أسبوعين، وتزداد معه الخشية من إقدام الإدارة الأمريكية الموشكة على الرحيل على توجيه ضربة إلى إيران بالتوافق مع إسرائيل، ينشغل فيها الرئيس القادم جو بايدن والعالم حتى حين.

وبينما كانت جميع المؤشرات تدل على مساعٍ أمريكية-إيرانية للتهدئة، أعلنت الولايات المتحدة بشكل مفاجئ أن حاملة الطائرات "USS NIMITZ" ستبقى في الخليج بسبب "التهديدات الأخيرة" من جانب إيران.

وقال كريستوفر ميلر القائم بأعمال وزير الدفاع الأمريكي إنه "بالنظر إلى التهديدات الأخيرة التي أصدرها القادة الإيرانيون ضد الرئيس ترمب ومسؤولين حكوميين أمريكيين آخرين، فقد أمرتُ حاملة الطائرات بوقف إعادة انتشارها الروتينية".

وأضاف: "ستبقى USS NIMITZ الآن في موقعها في منطقة عمليات القيادة المركزية الأمريكية. لا ينبغي لأحد أن يشكك في عزم الولايات المتحدة الأمريكية".

وقبل ذلك بأيام أرسلت الولايات المتحدة مقاتلات حربية من طراز B-52 لتحلق فوق الخليج العربي. وأشارت القيادة الأمريكية المركزية إلى أن المقاتلات القادرة على حملة قنابل نووية انطلقت لتقوم بمهمة "ردع" فوق الخليج العربي.

بدورها ذكرت صحيفة "ذا هيل" الأمريكية، أن نشر القاذفتين جاء لردع إيران وسط التوترات معها.

وأضافت أن استعراض القوة هذا يأتي في وقت يخشى فيه مسؤولو الأمن القومي من تخطيط إيران للردّ في الذكرى السنوية الأولى للغارة الجوية التي أمرت بها الولايات المتحدة وقُتل فيها الجنرال الإيراني قاسم سليماني قرب مطار بغداد في 3 يناير/كانون الثاني الماضي.

شرارة التوتّر

التوتر في الخليج بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ليس وليد اللحظة، فهو توتر مستمر منذ سنين طويلة لم يهدأ إلا في أعقاب توقيع الاتفاق النووي بين طهران والولايات المتحدة ودول غربية عام 2015، لكنه سرعان ما عاد إلى الواجهة بعد إعلان الرئيس الأمريكي ترمب مدفوعاً بضغط إسرائيلي انسحاب بلاده من الاتفاق عام 2018.

ولحالة التوتر الحالية أسباب مختلفة، حسب مراقبين، أهمّها الإرادة الإسرائيلية بتوجيه ضربة إلى إيران قُبيل مغادرة ترمب البيت الأبيض، وهو الأمر الذي بدأ يتضح بعد توصية المستوى السياسي الإسرائيلي للجيش والأجهزة الأمنية بالاستعداد لسيناريو ضربة أمريكية لإيران، والذي بدأت الولايات المتحدة الإشارة إليه من خلال تصعيدها تجاه طهران، ومحاولة الزج بها في خضمّ أزمات مختلفة، كان أهمها اتهامها بالوقوف وراء إطلاق صواريخ على السفارة الأمريكية ببغداد، وهو ما نفَته طهران.

وجاء إرسال الولايات المتحدة القاذفات من طراز B-52 إلى الخليج ليُذكِي نيران التوتر مع إيران مجدداً وتأكيد ما تخشاه إيران وتعبّر عنه، من مسعى أمريكي لاستفزازه وإشعال المنطقة بضغط من إسرائيل قُبيل تسلُّم إدارة بايدن سُدّة الحكم في واشنطن.

كما اتسعت رقعة التوتّر في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال الولايات المتحدة الأمريكية القيادي في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني قرب مطار بغداد، وهي الذكرى التي حملت معها تصريحات إيرانية هجومية أكدت فيها طهران نيّتها "الثأر" لسليماني.

ويُذكر أيضاً أن اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده في نوفمبر/تشرين الثاني في طهران، أجّج نيران التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإيران التي اتهمت الطرفين بالاغتيال، ثمّ أعلنت أنها ستبدأ تخصيب اليورانيوم من جديد.

إسرائيل تُذكِي نيران التصعيد

لم يهدأ لإسرائيل بال منذ جاءت رياح الانتخابات الأمريكية بغير ما كانت تشتهيه السفن في تل أبيب، وازدادت التوقعات بأن تسعى بالتوافق مع إدارة ترمب الموشكة على الرحيل إلى إشعال المنطقة، واستغلال العلاقات مع ترمب وقدرتها على الضغط عليه من أجل توجيه ضربة إلى إيران كانت تتمناها منذ حين، وذلك خشية عودة إدارة بايدن إلى الاتفاق النووي الذي سعت خلال سنوات لإلغائه، ونجحت في ذلك حين أعلن ترمب انسحابه منه.

وكثّفت إسرائيل غاراتها على "مواقع إيرانية" في سوريا خلال الشهر الأخير في محاولة لاستفزاز إيران، كما يرى محللون إسرائيليون.

وذكرت صحيفة "يسرائيل هيوم" المقربة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الهدف من تلك الغارات كان "تفعيل مزيد من الضغط على إيران في سوريا وتأكيد أن إسرائيل ترصد كل شيء ومستعدة لأي مواجهة".

وتقول الصحيفة إن "الرسائل التي توجّهها تل أبيب من خلال القصف في سوريا ليست موجهة إلى إيران فحسب، بل إلى إدارة بايدن، إذ يرغب صُنّاع القرار في إسرائيل في التأكيد للإدارة الأمريكية الجديدة أن تل أبيب لن تتهاون مع إيران وأذرعها".

من جانبها، تشير صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أن دوائر صنع القرار في إسرائيل باتت تخشى أن التساهل مع إيران "سيجرّ المنطقة إلى حرب"، لافتة إلى أن الموضوع الأكثر إلحاحاً لدى المسؤولين في تل أبيب الآن هو "الاتفاق النووي مع إيران".

في السياق نفسه أشارت تقارير صحفية عبرية إلى أن غواصة إسرائيلية عبرت قناة السويس قبل أسبوعين في طريقها إلى مياه الخليج، ونقلت القناة 12الإسرائيلية عن المتحدث باسم جيش الاحتلال هيدي زيلبرمان قوله في هذا السياق إن "إسرائيل تراقب من كثب كل التحركات الإيرانية في المنطقة. الغواصات التابعة لنا وُضعت في حالة تأهُّب".

تنسيق إسرائيلي-أمريكي

يقول المحلل السياسي في مركز القدس الإسرائيلي لدراسات المجتمع والسياسية يوني بن مناحم، إن "تنسيقاً عسكرياً وأمنياً واسعاً بين أمريكا وإسرائيل يجري بشكل حثيث في الفترة الراهنة في ما يتعلق بإيران، بخاصة في الذكرى السنوية لمقتل الجنرال سليماني وازدياد الخشية من رد إيراني".

ويضيف أن "الولايات المتحدة وإسرائيل أرسلتا قوات إلى منطقة الخليج من أجل ردع إيران مؤخراً".

ويرى أن القرار الأمريكي-الإسرائيلي إرسال قوات إلى الخليج يعد قراراً حساساً ومهماً في هذه الفترة الزمنية، إذ يُظهِر الاستعداد للرد على إيران بقوة حال أقدمت على أي خطوة".

وفي آخر تصريح له قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن "تل أبيب لن تسمح لإيران بإنتاج سلاح نووي".

وأضاف تعقيباً على قرار إيران تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، إن "القرار لا يمكن تقبُّله في أي حال".

ردود إيرانية

بينما تتلاطم الأمواج في الخليج، أعلنت إيران بدأها رسمياً تخصيب اليورانيوم بنسبة 20% في منشأة "فوردو" النووية.

وأفاد المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي، بأن الرئيس حسن روحاني أمر في الأيام الأخيرة بتنفيذ قانون "الإجراءات الاستراتيجية" لرفع العقوبات، حسب موقع "dolat.ir" الإخباري الحكومي.

وأضاف: "بدأت عملية حقن الغاز قبل ساعات قليلة، وسيُنجَز أول منتج يورانيوم مخصَّب بسادس فلوريد اليورانيوم (UF6) في غضون بضع ساعات".

وأشار إلى أن العملية المذكورة بدأ تنفيذها عقب إبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ولم يكن الاتفاق النووي المبرم مع الدول الكبرى في 2015، يسمح لطهران بتخصيب اليورانيوم بنسبة تزيد على 3.67 بالمئة.

يأتي ذلك بعد تصديق البرلمان الإيراني مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي على قانون يُلزِم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بدء تخصيب اليورانيوم بنسبة 20% ورفع مخزون اليورانيوم منخفض التخصيب، في أعقاب اغتيال العالم محسن فخري زاده، المعروف بـ"عرَّاب الاتفاق النووي"، قرب طهران.

بدوره قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، إن بلاده يمكن أن تتراجع عن استئناف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، في حال التزام جميع الأطراف للاتفاق النووي كاملًا.

جاء ذلك في تغريدة لظريف عبر تويتر الاثنين، بعد ساعات من إعلان إيران رسمياً بدء تخصيب اليورانيوم بنسبة 20% في منشأة "فوردو" النووية.

وأضاف الوزير: "لقد استأنفنا التخصيب بنسبة 20%على النحو الذي أصدره مجلس نوابنا، وتم إبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية بذلك".

وتابع: "إجراؤنا التنظيمي يتماشى تماماً مع الفقرة 36 ​​من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، بعد سنوات من عدم امتثال العديد من الأطراف للاتفاق".

خطوط حمراء

وبينما تصعّد الولايات المتحدة وإسرائيل من حدة التوتّر، تحذر إيران من تجاوز "خطوط حمر" متعلقة بأمنها في الخليج.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده في مؤتمر صحافي رداً على سؤال بشأن إرسال غواصات إسرائيلية للخليج: "يدرك الجميع ما يعنيه الخليج الفارسي بالنسبة إلى إيران".

وأضاف: "يدرك الجميع سياسات الجمهورية الإسلامية في إيران في مجال الأمن والدفاع الوطني، ويعرفون جيداً إلى أي حد سيكون الخطر مرتفعاً في حال أرادوا تجاوز الخطوط الحمر لإيران".

ولم تكن التهديدات الإيرانية متعلقة بالتصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي فحسب، إذ هدد إسماعيل قآني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الولايات المتحدة بالانتقام لقاسم سليماني في عقر دارها، وذلك في ذكرى اغتيال سليماني.

وقال قآني مستهدفاً الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي أعلن أنه أمر بالاغتيال: "الشهيد سليماني اغتيل على يد أكثر رجال العالم وحشية".

وأضاف: "أقولها بصراحة إن مسار فيلق القدس وقوات المقاومة لن يتغير بسبب الشرور التي ارتكبتها الولايات المتحدة، حتى في داركم (في الولايات المتحدة) من الممكن أن يكون هناك أشخاص سيدفعون ثمن هذه الجريمة".

فخ إسرائيلي

الضغوط الإسرائيلية على إدارة ترمب من أجل استفزاز إيران والتي بدأت تؤتي أكلها، لم تكن طي الكتمان، إذ أشارت تقارير عبرية مختلفة إلى أن إسرائيل ربما تسعى لضمان التحرك ضد إيران قبل تسلم بايدن الذي تخشى من عودته للاتفاق النووي.

وتحدث وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس هاتفياً مرّات عدة مع القائم بأعمال وزير الدفاع الأمريكي كريستوفر ميلر، "وكان محور الحديث الخطر الإيراني وكذلك الوضع في سوريا والتفاهمات الأمنية والعسكرية بين تل أبيب وواشنطن". حسب وسائل إعلام عبرية.

في السياق، دعا وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الرئيس الأمريكي ترمب لتجنب "فخ" إسرائيلي لإشعال الحرب بشن هجمات على القوات الأمريكية في العراق.

وقال ظريف على تويتر: "تشير معلومات مخابراتية جديدة من العراق إلى أن عناصر إسرائيلية محرضة تخطط لشن هجمات على الأمريكيين، لتضع ترمب المنتهية ولايته في مأزق أمام سبب زائف للحرب (عمل يبرر الحرب)".

وأضاف: "احذر الفخ يا دونالد ترمب. أي ألعاب نارية ستأتي بنتائج عكسية خطيرة".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً