طالبت إيطاليا منذ سنوات باسترداد الناشطين اليساريين المتطرفين الذين لجأوا إلى فرنسا بعد "سنوات الرصاص" (Stefano Rellandini/Reuters)

قرّر الرئيس إيمانويل ماكرون تسوية الخلاف القديم مع روما بشأن أعضاء سابقين في الألوية الحمراء عبر توقيف سبعة منهم الأربعاء، بالإضافة إلى ثلاثة آخرين يُبحث عنهم في فرنسا، وهم مدانون في إيطاليا بارتكاب أعمال إرهابية في السبعينيات والثمانينيات.

من جهته أعرب رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي عن "ارتياحه" لهذا القرار، وقال في إعلان مقتضب نشره مكتبه إن الموقوفين في فرنسا "مسؤولون عن جرائم إرهابية خطيرة جداً تركت جراحاً لا تزال تنزف"، وأضاف: "ذكرى هذه الأعمال الهمجية لا تزال حاضرة في ضمير الشعب الإيطالي".

وأوضحت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتخذ قرار تسليم هؤلاء الأشخاص العشرة "بموجب طلبات إيطالية تتعلق بمئتي فرد"، وهو يتماشى "بشكل صارم" مع مبدأ يحمل اسم ميتران (الرئيس الفرنسي الاشتراكي السابق فرنسوا ميتران من 1981 إلى 1995) بمنح اللجوء للأعضاء السابقين للمنظمة بشرط ألا يكونوا ارتكبوا جرائم دموية.

وقالت الرئاسة إن ماكرون "أراد تسوية هذه القضية التي تطالب بها إيطاليا منذ سنوات. وأن هذه التوقيفات تغلق هذا الملف تماماً".

وأضافت: "إنها لحظة تاريخية في العلاقة الفرنسية-الإيطالية. يوجد وعي من قبل فرنسا بعد سنوات من المماطلة، وحتى بعض الرضا عن النفس، بصدمة سنوات الرصاص".

وطالبت إيطاليا منذ سنوات باسترداد الناشطين اليساريين المتطرفين الذين لجأوا إلى فرنسا بعد "سنوات الرصاص" التي شهدت هجمات وأعمال عنف ارتكبتها منظمة الألوية الحمراء خصوصاً بين 1968 و1982، لكن فرنسا لم تستجب.

ومنذ 1981 جرى توقيع مرسومَي تسليم فقط في عهد الرئيس جاك شيراك شمل باولو بيرسيكيتي في 1995 الذي سلم لإيطاليا في 2002، وشيزاري باتيستي في 2004 الذي كان يقيم في فرنسا منذ 1990 ولجأ إلى الخارج ووُقِّف في بوليفيا.

في 2008 قرر نيكولا ساركوزي عدم تطبيق مرسوم التسليم بحق مارينا بيتريلا العضو السابق في الألوية الحمراء التي حكم عليها بالسجن المؤبد في إيطاليا، بسبب وضعها الصحي. وقالت الشرطة الإيطالية إن أشهر المطلوبين بين الأشخاص السبعة الذين اعتقلوا صباح الأربعاء.

وأكد الإليزيه أن "فرنسا المتضررة من الإرهاب تدرك الحاجة المطلقة لتحقيق العدالة للضحايا... وضرورة بناء أوروبا العدل القائمة على الثقة المتبادلة".

وكانت وزيرة العدل الإيطالية مارتا كارتابيا سلمت رسمياً في الثامن من أبريل/نيسان نظيرها الفرنسي إريك دوبون-موريتي "طلباً عاجلاً من السلطات الإيطالية لعدم السماح لمرتكبي الاعتداءات في الألوية الحمراء بالإفلات من العقاب". وكتبت الصحافة الإيطالية إن من الممكن أن تسقط هجمات نفذها البعض، بالتقادم.

وذكرت وسائل إعلام إيطالية أن إيمانويل ماكرون قد يكون أجرى محادثة هاتفية مع ماريو دراغي أكد له الأخير خلالها أهمية هذه القضية بالنسبة إلى روما.

ويفترض أن يبت القضاء في تسليمهم، كل حالة على حدة، وذكر مصدر قضائي أن الموقوفين سيمثلون خلال 48 ساعة أمام مكتب المدعي العام لمحكمة الاستئناف بباريس قبل أن يبت القاضي باحتجازهم أو الإفراج عنهم ووضعهم تحت إشراف قضائي حتى صدور قرار القضاء بشأن طلبات التسليم.

من جهتها اعتبرت "رابطة حقوق الإنسان" أن القرار خاطئ. وأضافت بخصوص قرار الرئيس أنه "من المؤسف أنه يخالف كل الأخلاقيات"، واعتبرت أن ماكرون "قرر التراجع عن التزامات الجمهورية".

أما وزير العدل إريك دبون موراتي فقال: "ليس لدي أي تردد"، مضيفاً: "أنا فخور بالمشاركة في هذا القرار الذي آمل أن يسمح لإيطاليا بعد 40 عاماً بطي صفحة من تاريخها الملطخ بالدماء والدموع".

وتابع الوزير أنه بين عامَي 1969 و1980 "قُتل 362 شخصاً على أيدي هؤلاء الإرهابيين وأصيب 4490 آخرون".

خيانة

طرح هذا الملف من جديد بعد عودة شيزاري باتيستي إلى إيطاليا إثر توقيفه في يناير/كانون الثاني 2019 في بوليفيا وتسليمه لإيطاليا بعد أربعين عاماً من الفرار في فرنسا ثم في البرازيل.

وقال وزير الداخلية الإيطالي حينذاك ماتيو سالفيني إن فرنسا تؤوي منذ عقود "مجرمين قَتلوا أبرياء"، ودعا لتسليم روما "15 إرهابياً إيطاليّاً" صدرت بحقهم أحكام "لكنهم ينعمون بحياة جيدة في فرنسا".

وبين الموقوفين الآخرين جورجو بتريوستيفاني ونارشيسو مانينتي وروبرتا كابيلي وإنزو كالفيتي وجوفاني أليمونتي وسيرجو تورناغي. والثلاثة الملاحقون هم ماوريتسيو دي مارزيو ولويجي برغامن ورافايلي فينتورا.

وأعلن جان لوك ميلانشون زعيم اليسار المتطرف في فرنسا أن "جميع الحكومات من اليمين واليسار رفضت تسليمهم. مع ماكرون لم يعد لفرنسا كلمة".

وصرحت إيرين تيريل محامية خمسة من الأعضاء السابقين السبعة في الألوية الحمراء لفرانس برس "أنها خيانة لا توصف من قبل فرنسا. إني مستاءة جداً ولا أجد الكلمات لوصف هذه العملية الأشبه بحملة بوليسية مصغرة".

وأضافت: "منذ الثمانينات وضع هؤلاء الأشخاص تحت حماية فرنسا وأعادوا بناء حياتهم هنا منذ ثلاثين عاماً ويقيمون هنا بعلم من الجميع مع أولادهم وأحفادهم. وفجراً يأتون للقبض عليهم بعد 40 عاماً على الوقائع؟".

وبين الرومانسية الثورية والنضال ضد الفاشية، نشر شباب راديكالي خائب الرعب في إيطاليا بسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي في صفوف جماعات يسارية متطرفة كانت الألوية الحمراء أكثرها تنظيماً وعمدت إلى اغتيال نقابيين وقضاة وصحفيين وشرطيين وشخصيات سياسية.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً